سياسة
بدأت اليوم، عملية تنفيذ الاتفاقية الموقعة بين لبنان وسورية، لتسليم 137 موقوفاً سورياً، بعد الاجتماع التنسيقي في وزارة العدل اللبنانية بحضور وزير العدل عادل نصار والنائب العام التمييزي جمال الحجار.
لم يكن الاتفاق الأخير بين دمشق وبيروت بشأن ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية حدثًا عابرًا في مسار العلاقات بين البلدين، بل أعاد فتح واحد من أكثر الملفات حساسيةً وتعقيدًا، ملفٌ ظلّ لسنوات معلّقًا بين السياسة والقضاء، وبين الوعود الرسمية والواقع الإنساني القاسي.
فخلف عناوين التعاون القضائي والإجراءات القانونية، يقبع آلاف السوريين في زنازين لبنانية، بعضهم منذ أكثرمن عقد، دون محاكمات منجزة، أو أحكام واضحة، أو حتى مسارات قانونية شفافة.
يقدَّر عدد الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية اليوم بما يتراوح بين 2400 و2600 شخص، يعيش معظمهم في ظروفٍ إنسانية صعبة، وسط اكتظاظ، وتراجع في الرعاية الصحية، وتأجيلات متكررة لجلسات المحاكمة.
وبينما يُعاد فتح الملف اليوم عبر اتفاق سياسي جديد، يبرز السؤال الجوهري: هل يشكّل هذا الاتفاق خطوة حقيقية نحو العدالة، أم أنّه حلقة إضافية في سلسلة إدارة الملف بدل حسمه؟
تفكيك أبعاد هذه القضية لا يمكن أن يتم عبر الشعارات وحدها، بل من خلال التوقف عند خلفيتها السياسية الحساسة، وتعقيدات المحاكمات المؤجَّلة، والأرقام التي لا يمكن تجاهلها، وصولًا إلى تقصير المنظمات الحقوقية الدولية، ومسؤولية الحكومتين في تحويل الاتفاق من نصٍّ على الورق إلى مسار فعلي يُنهي معاناة آلاف العائلات المنتظرة.
حين يُدار الملف سياسيًّا
إعادة فتح ملف الموقوفين السوريين في سجون لبنان لا تنفصل عن كونه أحد أكثر الملفات تداخلًا مع الحسابات السياسية والأمنية بين البلدين.
فسنوات التوقيف الطويلة لم تكن نتاج بطء قضائي فقط، بل نتيجة مباشرة لتحويل الملف إلى ورقةٍ تُدار ضمن توازنات داخلية لبنانية، وحساسيات مرتبطة بالعلاقة مع دمشق، وبحضور أطراف مؤثرة جعلت من أيّ حكمٍ قضائي خطوة محفوفة بالكلفة السياسية.
في هذا السياق، ظلّ الموقوف السوري يُعامل باعتباره حالة أمنية أكثر من كونه طرفًا في دعوى قضائية، ما سمح بتوسيع هامش التوقيف الاحتياطي، وتأجيل البتّ بالملفات دون سقف زمني واضح.
ومع غياب ضغط سياسي مضاد، تحوّل القضاء نفسه إلى مساحة انتظار، لا قرار فيها، ولا مسار واضح لإنهاء القضايا العالقة.
الاتفاق الأخير بين دمشق وبيروت أعاد طرح السؤال حول طبيعة التعاطي مع هذا الملف: هل يُراد له أن يكون بداية فصل السياسي عن القضائي، أم مجرّد إعادة ترتيب إدارية لملف طال بقاؤه مؤجّلًا؟ فالتحدي الحقيقي لا يكمن في الإعلان عن التعاون، بل في كسر النمط القديم الذي جعل مصير الموقوفين مرهونًا بلحظة سياسية مناسبة، لا بحق قانوني محتمل.
محاكمات معلّقة وأرقام لا تنتظر
بعيدًا عن الخلفيات السياسية العامة، يبرز جوهر الأزمة في مكانٍ آخر: عند قاعات المحاكم التي لم تُفتح في موعدها، والملفات التي تراكم عليها الغبار بدل الأحكام.
فالموقوفون السوريون في لبنان لم يواجهوا تهمة أو قضية محددة، بل واجهوا نظامًا قضائيًّا يسمح بإطالة أمد التوقيف الاحتياطي إلى حدود تحوّل معها الإجراء القانوني إلى عقوبة بحدّ ذاته.
سنوات مرّت دون فصل في القضايا، ودون تحديد واضح لمصير آلاف الأشخاص، ما يطرح أسئلة جدية حول أسباب هذا التأخير المزمن، وحدود استقلال القضاء حين يتقاطع مع ملفات مصنّفة «حساسة».
الأرقام هنا لا تُستخدم للمبالغة، بل للدلالة على حجم المأزق.
إذ تشير تقديرات متقاطعة إلى وجود ما بين 2400 و2600 موقوف سوري في السجون اللبنانية، يعيش كثير منهم في ظروف إنسانية قاسية، تشمل الاكتظاظ، وتدنّي الخدمات الصحية، وغياب الحدّ الأدنى من شروط الاحتجاز اللائق.
هذه الأوضاع لا يمكن فصلها عن طول مدة التوقيف، ولا عن غياب أيّ جدولٍ زمني واضح لمعالجة الملفات العالقة، ما يحوّل الانتظار إلى واقع يومي مفتوح بلا نهاية.
في موازاة ذلك، يبرز تقصير المنظمات الحقوقية الدولية، التي اكتفت في معظم الأحيان بإصدار بيانات قلق، أو إطلاق وعود بالمتابعة، دون أن يترجم ذلك إلى ضغطٍ فعلي يُحدث خرقًا في هذا الملف.
فبين تقارير تُحفظ في الأدراج، وزيارات شكلية لا تغيّر من الواقع شيئًا، بقي الموقوفون وعائلاتهم خارج أولويات الفعل الحقوقي الجاد، وكأنّ طول أمد القضية أفقدها قدرتها على إثارة الاستعجال.
أمام هذا المشهد، تصبح مسؤولية الحكومتين مضاعفة بعد الاتفاق الأخير.
فنجاح هذا المسار لا يُقاس بعدد الاجتماعات أو التصريحات، بل بقدرة الطرفين على تحويله إلى خطوات عملية: تسريع المحاكمات، مراجعة ملفات التوقيف الطويل، وضمان حدّ أدنى من الكرامة الإنسانية داخل السجون.
دون ذلك، سيبقى الاتفاق مجرّد عنوان سياسي جديد لملف قديم، يدفع ثمنه آلاف الموقوفين، وعائلات تنتظر العدالة منذ سنوات.
حثّ الحكومة السورية: مسؤولية لا تحتمل التأجيل
تقع على عاتق الحكومة السورية اليوم مسؤولية لا يمكن تأجيلها أو التعامل معها كملفٍّ ثانوي ضمن سلة العلاقات الثنائية. فالموقوفون السوريون في السجون اللبنانية ليسوا مجرّد أرقام في مفاوضات سياسية، بل مواطنون ينتظرون موقفًا رسميًا فاعلًا يضع حريتهم وكرامتهم في صدارة الأولويات.
المطلوب من دمشق الانتقال من منطق المتابعة الدبلوماسية العامة إلى ممارسة ضغط قانوني وسياسي منظم، يهدف إلى تسريع المحاكمات، أو استعادة الموقوفين وفق آليات واضحة تحترم العدالة وحقوق الإنسان.
كما أنّ نجاح الاتفاق الأخير مرهون بقدرة الحكومة السورية على فرض هذا الملف كبندٍ دائم ومُلِحّ في أيّ تنسيق مع الجانب اللبناني، بعيدًا عن الحسابات الظرفية أو المجاملات السياسية.
فالصمت أو الاكتفاء بالتصريحات الإيجابية لن يغيّر واقع آلاف العائلات التي تنتظر نتائج ملموسة، ولن يُقنع الرأي العام بأن الاتفاق يحمل قيمة حقيقية.
وحدها الخطوات العملية، المعلنة والشفافة، قادرة على تحويل هذا الملفّ من قضية مؤجّلة إلى إنجازٍ يُحسب للدولة، لا إلى عبءٍ أخلاقي جديد يُضاف إلى سجل الانتظار الطويل.
يبقى الموقوفون السوريون في لبنان شاهدين على سنوات من التأجيل والانتظار، حيث اختلط القانون بالسياسة، وأصبحت معاناتهم اليومية واقعًا لا يمكن تجاوزه بالوعود وحدها.
الاتفاق الأخير حمل فرصة نادرة حوّلت الملفّ من حالة مؤجلة إلى مسار حقيقي للعدالة، ضمّت خطوات عملية واضحة من الحكومتين، شفافة وملزمة، لا تكتفي بالأقوال. فالعدالة للموقوفين ليست رفاهية سياسية، بل التزام أخلاقي وقانوني تجاه آلاف العائلات التي تنتظر، والأهم، تجاه مستقبل الثقة بين الشعب والدولة.


