سياسة
ضحى عبد الحميد السطم
إنّه لمن المؤسف حقاً أن نتحدث عن أسباب قيام الثورة السورية كما لو أنّنا نبرر هذا الأمر بعد النصر!، لكن مع الأسف نرى اليوم بعض الشخوص الذين يتحدّثون عن الثورة كما لو أنّها تجربة سريعة مرّت على البلاد وربما لم يكن لها داع!، أو سنوات حرب مقيتة أنهت حياة السوريين وسرقت منهم أحباءهم، يقع على عاتقنا الآن أن نشرح الثورة كما هي حقاً ونقول إنّه من المهم معرفة الدوافع التي جعلت الشعب السوري بأكمله ينتفض في وجه النظام البائد الطاغي، ويدفع ثمن هذه الحرية أعواماً ومساكن ودماء، لأنّ هذا الإدراك يجعل الجيل القادم الذي سيعيش في سوريا الجديدة يعي حجم المسؤولية على كتفه، وأنّ عليهم كشبابٍ وأطفال أن يحافظوا على الحرية التي انتزعناها من أسنان غيلان النظام السابق وأعوانه.
الأمر لم يكن مجرد ربيع عربي وصل إلى سوريا، ولا أطفالاً عُذّبوا وقُتلوا بوحشية في فرع الأمن في درعا، ولا كلمة قالها ضابط قذر أمام مواطن سوري عنده من النخوة ما يكفي البلد بأكمله، بل الأمر هو عبارة عن تراكماتٍ ثقيلة على ظهر هذا الشعب المسكين، وأيام عديدة حملناها قبل الثورة وهي مليئة بالذل والمهانة، وسنوات عجاف قضت مضاجعنا، تراكمات البطالة والفقر والذل، وتراكمات الخوف والذعر والفساد المنتشر، وما يمكن لكلمة أن تهوي بك في سجن مرعب لا تخرج منه طوال حياتك.
قبل الثورة السورية، كان يمكن للأخ أن يشي بأخيه، ولمجرد الحسد كان يمكن للصديق أن يفتري على صديقه، كنا نخاف من شرطي مرور لمجرّد أنّه يلفظ حرف القاف بقسوة، وكنا نضع مدخرات العمر ربما رشوة في ملفّ نحتاج تمريره في دائرة حكومية، كنا نُعامل لا كمواطنين لهم حقوق سياسية واجتماعية في دولة هي لنا أصلاً، بل كأشخاصٍ منَّ عليهم النظام المخلوع بالبقاء على قيد الحياة وكان يرمي نحونا الفتات كي نظلّ خاضعين مهانين.
قبل الثورة السورية، كانت سوريا مزرعة لآل الأسد، مكتوبة باسمهم ولهم، الاستثمارات والعقارات والتجارات كلّها من أجلهم، في المدرسة كنا نتعلم التمجيد والتقديس والطاعة العمياء، وفي العمل نتعلّم عبادة المال والنظام، في أسرتنا نتعلّم قلة الثقة والأمان، ومع أصدقائنا انعدام الوفاء والاطمئنان. لا نرى مسجداً في مدرسة أو جامعة، خطبة الجمعة يكتبها ضابط من كلاب النظام السابق، وطبيب الجامعة يراقب الطالب ذا الميول الدينية، في كتبنا قصائد عن الأسد، وفي شوارعنا تماثيل الأسد، وعلى جدراننا شعارات تحب الأسد، أسماء المطاعم والحدائق والشوارع وحتى الأدوية هي عن الأسد، أين ما تولِّي وجهك سترى الأسد يبتسم لك ابتسامته البلهاء.. يخبرك أنّه يراقبك ويعرف حركاتك ويدرس خطواتك وأن حتى حائطك في غرفتك له آذان تخبره نواياك.
قبل الثورة السورية، كان من يرفض أو يتمرد على سياسة النظام البائد يرحل للأبد، تفقد أثره وصوته ووجهه، ويُنسى كأنّه لم يكن أبداً، من يقرّر الصراخ يُرحّل قسراً نحو سرداب مظلم قاتم لا تعرف اسمه أو عنوانه ويختفي هذا الشخص إلى ما لا نهاية. من قرر أن يثور في وجه الظلم وضعوه في زنزانة وتناوبوا على تعذيبه حتى نسي اسمه.
كلّ هذا وأكثر كان يحدث قبل الثورة السورية، كلّ هذا الموت البطيء والفساد المنتشر والخوف الذي تسلل لمسامات الناس جعلنا مثل النابض المعدني.. تراكمت هذه الأمور فوق رؤوسنا حتى انفجرنا دفعة واحدة ولم يستطع النظام البائد السيطرة على أصواتنا ولا تهاتفنا ولا شجاعتنا. رغم محاولاته العديدة للقصف والخطف والموت والاعتقال وكثير من أنواع الموت المرعبة، لكنّنا أكملنا الطريق نحو النصر.. وانتصرنا.
كلّ ما حدث قبل الثورة هو جزء من هوية الثورة نفسها، وهو تاريخها ووثائقها وأسبابها وأعراضها، تلك الأعوام قبل الثورة تشبه تكّات القنبلة الموقوتة، وعشناها مثل رجل يجلس القرفصاء ينتظر دوره ليحيا بسعادة بخيلة، لكن جاءت الثورة لتعيد ترتيب كلّ شيء، الثورة لم تكن مخططة كما أنّها لم تكن وليدة اللحظة، خرج الشاب من منزله نحو الشارع وقرر الصراخ “حرية”.. فتفاجأ بمئات وآلاف الشباب مثله يقفون مستعدين للصراخ حتى الموت “حرية”.

