مدونات

انتفاضة القامشلي 2004.. “آذار” الذي أعاد كتابة مستقبل الكرد في سوريا

مارس 15, 2026

انتفاضة القامشلي 2004.. “آذار” الذي أعاد كتابة مستقبل الكرد في سوريا

يوسف شندي الراوي

لم تكن أحداث 12 آذار عام 2004 في مدينة القامشلي مجرّد شغب ملاعب عابر بين مشجعي ناديي “الجهاد” و”الفتوة”. كانت تلك اللحظة هي “الانفجار الكبير” للاحتقان الكردي السوري الذي تراكم على مدار أكثر من 40 عاماً من التهميش السياسي، والإنكار الثقافي، والقمع الأمني. إنّها اللحظة التي انتقل فيها الكرد في سوريا من “الصمت المترقب” إلى “المواجهة المباشرة”.

أولاً- الجذور والبيئة الخصبة للانفجار

قبل أن تتدحرج الكرة في ملعب القامشلي، كانت هناك عوامل هيكلية جعلت من الانفجار أمراً حتمياً:

  1. عقدة “أجانب الحسكة”: إرث إحصاء 1962 الذي حرم مئات الآلاف من الكرد من حقّ المواطنة، ممّا خلق جيلاً شاباً يشعر بالانتماء للأرض والعداء لدولة عائلة الأسد التي تنكره.
  2. الحزام العربي: السياسات الديمغرافية التي حاولت عزل الكرد عن امتدادهم الجغرافي عبر توطين عشائر عربية (الغمر) في أراضيهم.
  3. أحداث العراق 2003: سقوط نظام صدام حسين وحصول كرد العراق على الفدرالية رفع سقف الطموح القومي لدى كرد سوريا، وأثار في المقابل “فوبيا” لدى النظام السوري الأسدي من انتقال نموذج “إقليم كردستان” إلى حدوده الشمالية.

ثانياً – التسلسل الزمني للحدث (الشرارة والمجزرة)

12 آذار ملعب القامشلي (المصيدة):

في ظهر ذلك اليوم، بدأت مدرجات الملعب تشتعل لا بالتشجيع الرياضي، بل بالهتافات السياسية. مشجعو نادي الفتوة (دير الزور) دخلوا الملعب رافعين صوراً لصدام حسين وهتافات تمجد عمليات حملة “الأنفال” العسكرية بالعراق، في استفزاز مباشر لمشاعر الكرد.

  • التصعيد: رد الجمهور الكردي بهتافات قومية؛ بدأت المناوشات بالحجارة، لكن الصدمة كانت في رد فعل قوات الأمن التي بدأت بإطلاق الرصاص الحي “مباشرة” على صدور المشجعين الكرد بدلاً من فض الشغب بوسائل تقليدية.
  • الحصيلة الأولية: سقط في الملعب ومحيطه نحو 9 شهداء، بينهم أطفال، لتبدأ الشرارة التي لم تنطفئ لأسابيع.

15-13 آذار أيام الغضب المتصاعد:

تحوّلت جنازات الشهداء في اليوم التالي إلى تظاهراتٍ عارمة شارك فيها عشرات الآلاف، انتشرت الانتفاضة كالنار في الهشيم لتشمل:

  • جغرافياً: عامودا، الدرباسية، رأس العين (سري كانيه)، الحسكة، المالكية (ديريك)، وصولاً إلى أحياء الأكراد في حلب (الشيخ مقصود) ودمشق (ركن الدين وزورآفا “وادي المشاريع”).
  • الفعل الشعبي: تمّ إسقاط تمثال حافظ الأسد في مدينة “عامودا” في مشهد كان يُعتبر ضرباً من الخيال آنذاك، وتمت مهاجمة بعض الدوائر الحكومية والمقار الحزبية للبعث.
  • تفاصيل الحدث ونتائجه: كان إسقاط التمثال حدثاً “زلزالياً” بكل المقاييس؛ إذ كانت المرة الأولى في تاريخ سوريا منذ وصول البعث للسلطة عام 1963، واستلام الأسد الأب عام 1970، التي يجرؤ فيها متظاهرون على تحطيم “رمز السلطة الأقدس” بشكلٍ علني وجماعي.
  • الحدث: في يوم 13 آذار، غصت ساحة عامودا بآلاف المحتجين الغاضبين من مجزرة القامشلي، فتسلق الشباب التمثال وربطوه بالحبال وسحبوه ليرتطم بالأرض وسط تهليلات الحرية، محطمين حينها “أسطورة القائد الخالد”.
  • البعد الرمزي: مثل هذا الفعل كسراً كلياً وقتها لـ “حاجز الرعب” النفسي؛ فالدولة التي كانت تقوم على تأليه الزعيم واجهت لأول مرة شعباً يحطم صنمها في وضح النهار.
  • النتائج: رد النظام كان انتقامياً وعنيفاً جداً؛ حيث استقدم تعزيزات عسكرية ضخمة وحاصر المدينة، وشنت الأجهزة الأمنية حملة اعتقالات وتعذيب وحشية ضد شباب المدينة انتقاماً لهذه “الإهانة الرمزية”.
  • تاريخياً: لم يسبق أن حدث هذا الأمر أبداً قبل 2004؛ فقد كان تمثال الأسد يمثل الخط الأحمر الذي يعني التعدي عليه “الموت الحتمي”؛ لذا، تعتبر عامودا هي الملهمة الأولى لمشاهد إسقاط التماثيل التي تكررت لاحقاً في درعا وكافة المدن السورية مع انطلاق ثورة 2011.

ثالثاً – الشخصيات والقوى الفاعلة

  • النظام السوري: أدار الأزمة بعقلية عسكرية بحتة بقيادة ضباط مثل اللواء محمد منصورة (مسؤول الملف الكردي حينها) وبتوجيه مباشر من الأجهزة الأمنية في دمشق؛ تمّ استخدام “الفرقة الرابعة” وقوات المهام الخاصة لقمع الاحتجاجات.
  • الأحزاب الكردية: كانت في موقف محرج؛ فالشارع تجاوز سقف مطالبها التقليدية؛ حاول زعماء مثل عبد الحكيم بشار وفؤاد عليكو وغيرهم تهدئة الموقف خوفاً من ارتكاب النظام لمجازر كبرى، بينما برز جيل شبابي جديد لم يعد يؤمن بالسياسة الدبلوماسية مع عائلة الأسد.
  • المكون العربي: انقسم الموقف بين عشائر عربية تمّ الزج بها في الصراع لمساندة الأمن، وبين قوى ديمقراطية عربية خجولة نددت بالعنف لكنّها لم تتحرك ميدانياً.

رابعاً – الأرقام والإحصائيات السوداء

رغم التعتيم الإعلامي، تشير التقارير الحقوقية (مثل تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش) إلى:

  • الشهداء: ما بين 30 إلى 40 شهيداً (موثقين بالأسماء).
  • الجرحى: أكثر من 400 جريح برصاص حي وشظايا.
  • المعتقلون: حملة اعتقالات طالت نحو 2000 إلى 5000 شخص، تعرضوا لتعذيب ممنهج وإخفاء قسري في أفرع المخابرات.
  • النزوح: اضطر نحو 5000 شاب كردي للجوء إلى إقليم كردستان العراق هرباً من الملاحقات الأمنية، مشكلين نواة لجيل “لاجئي 2004”.

خامساً – تداعيات ما بعد الانتفاضة، ماذا غيّر 12 آذار؟

  1. وفاة العقد الاجتماعي القديم: انتهت للأبد فكرة “الولاء للدولة البعثية” في المناطق الكردية؛ أصبح الكردي يعرف نفسه كجزءٍ من قضية قومية سورية متميزة.
  2. ولادة التنظيمات السرية: بدأت تتشكّل مجموعات شبابية وتنظيمات أكثر راديكالية (بما في ذلك صعود نفوذ حزب الاتحاد الديمقراطي PYD لاحقاً) التي استفادت من فراغ الثقة بين الشعب والأحزاب التقليدية.
  3. تغيير تكتيك النظام: أدرك النظام أنّ القوة وحدها لا تكفي، فبدأ بسياسة “الاحتواء” التي تجلّت في وعود منح الجنسية (التي نُفذت في 2011) ومحاولة استمالة بعض الوجهاء العشائريين.
  4. التمهيد لعام 2011: لم تكن الثورة السورية عام 2011 لتبدأ في المناطق الكردية بتلك القوة والزخم لولا تجربة 2004؛ حيث كان حاجز الخوف قد انكسر بالفعل، وكانت الخبرة في مواجهة الرصاص قد تراكمت.

سادساً – الجوانب التي أغفلتها الروايات الإعلامية

  • الدور الإقليمي: كان هناك صمت تركي مطبق (بل وتواطؤ استخباراتي) لقمع الانتفاضة، خشية من أن تؤدي إلى “حكم ذاتي” كردي على حدودها الجنوبية.
  • الاقتصاد السياسي: كانت الانتفاضة صرخة ضدّ الفقر في “محافظة الذهب الأصفر والأسود” (الحسكة)، حيث يعيش السكان فوق آبار النفط بينما تذهب الثروات لعائلة الأسد ويُترك الشباب للبطالة والتهميش.

الذاكرة التي لا تشيخ: إنّ انتفاضة 2004 لم تكن مجرّد مأساة، بل كانت “شرارة الحراك” للكرد في سوريا.

اليوم، وبعد مرور أكثر من عقدين من الزمن، تظل ذكرى 12 آذار هي المأساة التي لا يمكن تجاوزها واللحظة الفارقة التي صنعت  مستقبل الكرد اليوم.

هي ذاكرة تقوم على المطالبة بالاعتراف، والعدالة، والكرامة الإنسانية التي سُلبت يوماً في مدرجات ملعب القامشلي.

 

شارك

مقالات ذات صلة