آراء
ففتحُ مكّةَ لم يكن حدثًا مفاجئًا، بل ثمرةُ سنواتٍ طويلةٍ من الصبرِ والابتلاءِ والهجرةِ والحروبِ. ثلاثةَ عشرَ عامًا في مكّةَ وثمانيةً في المدينةِ حتى جاء اليومُ الموعودُ. وهكذا يعلّمنا الفتحُ أنَّ النصرَ لا يُولدُ في لحظةٍ، بل يُبنى بالصبرِ الطويلِ والعملِ المتواصلِ.
فحين دخل النبيُّ ﷺ مكّةَ منتصرًا، كانت قريشٌ التي آذته وأخرجته بين يديه، ومع ذلك لم ينتقمْ منهم، بل قال كلمته الخالدةَ: اذهبوا فأنتم الطلقاءُ!
فكان هذا العفوُ أعظمَ درسٍ في القوّةِ الأخلاقيّةِ؛ لأنَّ العفوَ في لحظةِ القدرةِ أبلغُ من الانتقامِ.
فقد دخل النبيُّ ﷺ مكّةَ مطأطئَ الرأسِ تواضعًا للّهِ، حتى إنَّ ذقنه كادت تمسُّ رحلَه. لم يدخلها مزهوًّا بالنصرِ، بل خاشعًا شاكرًا. وهكذا يعلّمنا الفتحُ أنَّ النصرَ الحقيقيَّ يزيدُ صاحبَه تواضعًا لا كِبرًا.
كثيرٌ من أهلِ مكّةَ لم يدخلوا الإسلامَ خوفًا من قوّةِ المسلمين، بل إعجابًا بأخلاقِ النبيِّ ﷺ وسماحتِه. فالأخلاقُ كانت الجسرَ الذي عبرت منه القلوبُ إلى الإيمانِ.
فقد كان صلحُ الحديبيّةِ عهدًا واضحًا بين المسلمين وقريشٍ، فلمّا نقضته قريشٌ كان ذلك سببًا مباشرًا لفتحِ مكّةَ. وفي هذا درسٌ بأنَّ العهودَ أساسُ الاستقرارِ بين الناسِ، وأنَّ نقضَها يفتحُ أبوابَ الفتنِ.
فقد دخل المسلمون مكّةَ بعشرةِ آلافِ مقاتلٍ، ومع ذلك تمَّ الفتحُ بأقلِّ قدرٍ من الدماءِ. فقد كان الهدفُ إنهاءَ الصراعِ لا إراقةَ الدماءِ، وهذا من كمالِ الحكمةِ في إدارةِ القوّةِ.
لم يسعَ النبيُّ ﷺ إلى إذلالِ قريشٍ رغم ما فعلوه به، بل كان يريدُ أن يهتدوا. ولذلك فتح لهم بابَ الصفحِ والعودةِ، فدخل كثيرٌ منهم في الإسلامِ.
بالأمس كان أبو سفيانَ قائدَ جيوشِ قريشٍ ضدّ المسلمين، وبعد الفتحِ أصبح من أنصارِ الإسلامِ. وهكذا يتجلّى النصرُ الحقيقيُّ حين يتحوّلُ الخصمُ إلى صديقٍ.
حين دخل النبيُّ ﷺ الكعبةَ طهّرها من الأصنامِ وهو يتلو: ﴿جاءَ الحقُّ وزهقَ الباطلُ إنَّ الباطلَ كان زهوقًا﴾. فالحقُّ لا يكتملُ إلا بإزالةِ مظاهرِ الباطلِ التي تناقضه.
لو كان القائدُ قاسيًا يومَ الفتحِ لبقيت العداوةُ كامنةً في القلوبِ، لكن رحمةَ النبيِّ ﷺ حوّلت الخوفَ إلى طمأنينةٍ، والعداوةَ إلى ولاءٍ.
أخفى النبيُّ ﷺ خبرَ المسيرِ إلى مكّةَ، وسار بالجيشِ بطريقةٍ تمنعُ قريشًا من الاستعدادِ للحربِ. وهذا يعلّمنا أنَّ التخطيطَ الدقيقَ عنصرٌ أساسٌ في تحقيقِ النجاحِ.
مع أنَّ المسلمين دخلوا بعشرةِ آلافٍ، فإنّ يقينَهم بأنَّ النصرَ من عندِ اللهِ كان أساسَ قوّتِهم. فالعبرةُ ليست بالعددِ وحده، بل بالإيمانِ واليقينِ.
بالعفوِ والرحمةِ!
فقد تحوّل كثيرٌ من خصومِ الأمسِ إلى أنصارٍ مخلصينَ. وهذه من أعظمِ ثمارِ القيادةِ الحكيمةِ.
طهّر النبيُّ ﷺ الكعبةَ من الأصنامِ لتعودَ بيتَ التوحيدِ كما بناها إبراهيمُ عليه السلامُ، وفي ذلك تعظيمٌ لشعائرِ اللّهِ وإعادةُ الأمورِ إلى أصلِها الصحيحِ.
رغم العفوِ العامِّ بقيت العدالةُ قائمةً في بعضِ الجرائمِ الخطيرةِ، فالرحمةُ لا تعني إلغاءَ العدلِ بل تحقيقَ التوازنِ بينهما.
القوّةُ بغيرِ أخلاقٍ قد تتحوّلُ إلى ظلمٍ، أمّا حين تضبطها القيمُ فإنّها تصبح وسيلةً لإقامةِ الحقِّ ونشرِ العدلِ.
الهزيمةُ قد تختبرُ الصبرَ، لكن النصرَ يختبرُ الأخلاقَ، وقد نجح النبيُّ ﷺ في هذا الامتحانِ حين اختار التواضعَ والعفوَ.
كان فتحُ مكّةَ نقطةَ تحوّلٍ كبرى في تاريخِ الجزيرةِ العربيّةِ، إذ تغيّر ميزانُ القوى وانتشر الإسلامُ سريعًا بعد ذلك.
فالبلدانُ قد تُفتحُ بالقوّةِ، لكن القلوبَ لا تُفتحُ إلا بالمحبّةِ والعدلِ والخُلُقِ الكريمِ، وهذا ما حدث يومَ الفتحِ.
أعظمُ انتصارٍ في السيرةِ لم يكن يومَ انتقامٍ بل يومَ عفوٍ، وهكذا تجلّت حقيقةُ الرسالةِ: رحمةٌ للناسِ لا نقمة عليهم!
أدهم شرقاوي






