تأملات
من أجمل النفحات الواردة في القرآن قوله تعالى: (لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون)، تتبّعت هذا الوصف الإلهي لهذا الصنف المترقي لهذه المرحلة.
والحقيقة أنّها تشبه شيفرة جميلة وممتعة، وقد وردت أيضاً: (لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون)، في موضعين:
الموضع الأول: “هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ” الأعراف 49
وسأبدأ من هذه الآية بالتحديد، لأنّها مرتكز أساسي في توصيف جمالية هذا المقام، وقد سبق لا خوف عليكم (ادخلوا الجنة)، أي أنّ دخول الجنة يرافقه مقام (لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون)، وبالتالي هل يمكن أن تدخل الجنة في الدنيا قبل دخولك إيّاها في الآخرة؟ والإجابة، نعم، إذا تحقّقت بمقام لا خوف عليك ولا أنت تحزن، فأنت تدخل بهذا المقام جنّة الدنيا قبل جنّة الآخرة، أمّا بالنسبة للموضع الثاني بالصيغة نفسها فهو:
” يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ “الزخرف 68
وقد جاء التوصيف مباشرة بعد نداء اللّه عزّ وجلّ لعباده يا عبادي وفي هذا قرب شديد وخصوصية أيضاً، إذاً فمقام لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون هو مقام الجنّة وخصوصية القرب من اللّه عزّ وجلّ.
أنتقل من هذين الموضعين إلى مواضع (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، لأشير إلى الصفات التي تجعلك مؤهلا للولوج في هذه الخاصية والارتقاء لهذا المقام العظيم:
«قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» البقرة: 38.
الصفة الأولى (اتّباع الهدى) والهدى يشمل رسل الله وملائكته وكتبه، والاتباع هنا ليس مجرداً، بل هو اتباع متحقّق بالتبعية، وتجد أثر هذا الاتّباع في ظاهرك وباطنك، وبالتالي أنت ممّن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
«إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» البقرة: 62
الصفة الثانية: (الإيمان باللّه واليوم الآخر والعمل الصالح) وهنا أن يكتمل ما وقر بالقلب فيما ظهر من الجوارح، فيجتمع الإيمان الباطني بالسلوك الظاهري.
«بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون» البقرة: 112.
الصفة الثالثة: (التسليم لله وهو محسن) أن تخضع خضوعاً تاماً لله، تبتغي وجهه في الحركات والسكنات وأنت محسن مجتهد في فعل الخيرات.
«الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون» البقرة: 262.
الصفة الرابعة: (الإنفاق الخالص لوجه اللّه بدون أي رياء أو من أو أذى) وهنا يدخل في باب الصدقات
«الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون» البقرة: 274.
الصفة الخامسة: (الإنفاق في الليل والنهار وفي السر والعلن)، وأيضاً يدخل في باب الصدقات
«إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون» البقرة: 277.
الصفة السادسة: (الإيمان وعمل الصالحات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) وذكر الصلاة والزكاة لخصوصية هذين الركنين في تحقق مرتبة (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، لكن هنا قال اللّه عزّ وجلّ إقامة الصلاة ولم يقل أداء الصلاة، فالأداء الظاهري البدني للصلاة أمر سهل ويستطيعه الجميع، المقصود أن تقيم صلاتك في سائر حياتك، في تفاصيل معيشتك كلّها، وقال إيتاء الزكاة ولم يقل عطاء، لأنّ الإيتاء، هو أن تعطي أمانة عندك لمستحقها ( فالزكاة هي أمانة واجب عليك ان تردها لمستحقيها) أمّا العطاء فأنت مخيّر به، يمكن أن تعطي ويمكن ألا تعطي.
وفي سورة آل عمران:
“وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون”(170)
الصفة السابعة: (أن تكون من أهالي الشهداء وخاصتهم) فكلّ من سبقه شهيد من الدرجة الأولى له، فليستبشر أنّه لا خوف عليه ولا هو يحزن.
وفي سورة المائدة:
«إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون 69»
الصفة الثامنة: (الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح)
وفي سورة الأنعام:
«وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ»: 48.
الصفة التاسعة (الإيمان والإصلاح) والإصلاح هنا للنيّة الباطنية وللعمل الظاهري، وهو يدخل في باب التزكية ومجاهدة النفس ومراقبة النيّة وما يطرأ عليها من أفعال.
وفي سورة الأعراف:
«يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ»: 35.
الصفة العاشرة: (التقوى والإصلاح).
وفي سورة يونس:
«أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ»: 63.
الصفة الحادية عشرة: (الإيمان والتقوى)، ولكن في هذه الآية أعطاهم مرتبة (أولياء الله).
وفي سورة الأحقاف:
«إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»: 14.
الصفة الثانية عشرة: (الشهود بوحدانية الله عزوجل والاستقامة على منهجه).
بعد هذا العرض، أستنتج أنّ مقام (لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون) ارتبط بالباطن أكثر من الظاهر، وقد ارتبط أكثر بالإيمان والتقوى والهداية، وقد ذُكِر مرّةً واحدة مع الصلاة والزكاة ومرّتين مع الصدقة، أي أنّ الله عزّ وجلّ جعل باب الصدقة بابًا رئيسياً لتكون من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وإذا أردت أن أفصل عدم الخوف وعدم الحزن هنا فهو أمر يطول شرحه، أي لا خوف عليك من نوائب الدهر ومن عسر الطريق ومن انغلاق الأبواب ومن انقطاع الأسباب ومن ظلم العباد، ومن جور البلاد، (أنت في أمان مطلق في الدنيا، يخاف الخلق ولا يمس قلبك الخوف، لأنّ اللّه عزّ وجلّ تجلّى على قلبك بأمانه، فلا تروّعك نازلة، ولا تخيفك ضائقة، هذا على صعيد الحياة الدنيا، أمّا الآخرة فأنت في أمانٍ مطلق لأنّك في عين الله وملجئه).
(ولا هم يحزنون) وهذا تعبيرٌ رقيق جدًّا، كان يمكن أن يقول اللّه لا خوف عليهم ويكتفي بهذا التعبير، فألا تخاف على أحدٍ تشمل معاني كثيرة باطنية وظاهرية، إلا أنّ اللّه سبحانه وتعالى ألحقها بـ(ولا هم يحزنون) لا يمكن لك أن تحزن والسبب في ذلك أنّك تعلم من الله ما لا يعلم خلقه، وبالتالي انتفى عن قلبك الحزن، لأنّ اللّه وهبك العلم به، والعلم بالله هو حكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، فمهما تقلّبت في النوائب، تعرف يقيناً أنّها خير لك، وأنّ اللّه عزّ وجلّ هو الذي يقلّبك فلا تحزن بل تدرك ما وراء ذلك، وترى ببصيرتك الخير العظيم الذي يعقب كلّ عُسرٍ مؤقت، فلذلك أولياء اللّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أي في أمانٍ وسكينة وفرحٍ دائم لا ينقطع.
وصلى الله على سيّدنا محمد النبيّ الأميّ الوليّ العليّ النقيّ التقيّ، والذي ببركته وقربه وحبه لا خوف علينا ولا نحن نحزن وعلى آله وصحبه وسلّم.





