مدونات

فاتن رجب فواز.. عالمة الفيزياء التي ابتلعها الاعتقال

مارس 9, 2026

فاتن رجب فواز.. عالمة الفيزياء التي ابتلعها الاعتقال

علي البرغوث

لم تحمل فاتن رجب فواز سلاحاً، ولم تكن جزءاً من أيّ تشكيلٍ عسكري. كانت باحثة في الفيزياء، ومدرسة تؤمن بأنّ حرية التفكير لا تنفصل عن كرامة الإنسان. لكن في سوريا التي دخلت دوامة الصراع عام 2011، كان الانخراط في النشاط المدني السلمي كافياً ليقودها إلى واحدةٍ من أكثر الرحلات قسوة وغموضاً في تاريخ الاعتقال السوري الحديث.

بعد سنوات من الاختفاء القسري، أدرج اسمها عام 2018 ضمن قوائم رسمية أُبلغت عائلات معتقلين بوفاتهم داخل السجون. هكذا انتهت رسمياً حياة امرأة لم تتجاوز منتصف الثلاثينيات، من دون أن تتسلّم عائلتها جثماناً أو تقريراً طبياً مستقلاً يوضح ظروف وفاتها.

من مختبر الفيزياء إلى شوارع دوما

وُلدت فاتن عام 1979 في مدينة دوما. فقدت والديها في سنٍ مبكرة، وواصلت دراستها بإصرارٍ لافت. التحقت بكلية العلوم في جامعة دمشق، ثمّ سافرت إلى فرنسا لاستكمال دراساتها العليا في الفيزياء الذرية قبل اندلاع الاحتجاجات بسنواتٍ قليلة.

كانت، بحسب معارفها، من العقول العلمية الواعدة. عملت في التدريس، واهتمت بقضايا الحريات الأكاديمية، قبل أن تنخرط في الحراك السلمي مع انطلاق الاحتجاجات في آذار/ مارس 2011. ساهمت في تنظيم مظاهرات نسائية، وتوثيق أسماء المعتقلين، والمشاركة في أنشطة إغاثية داخل مدينتها.

مقتل شقيقها خلال الاحتجاجات في دوما شكّل منعطفاً حاداً في حياتها، ودفعها إلى مزيدٍ من الانخراط في العمل المدني.

كمين الاعتقال

في 26 كانون الأول/ ديسمبر 2011، اعتُقلت فاتن عبر كمين نُسب إلى عناصر من المخابرات الجوية، وفق روايات عائلتها وشهادات متقاطعة لناجين. 

مسار الاحتجاز والتعذيب

نُقلت فاتن إلى أحد فروع المخابرات الجوية في دمشق، ثمّ إلى الفرع 215 التابع للأمن العسكري، قبل أن تُعاد مجدداً إلى الجوية، وتُحال لاحقاً إلى سجن عدرا المركزي ضمن مسار قضائي عسكري، ثمّ تُنقل مرة أخرى إلى جهةٍ غير معلومة.

شهادات معتقلات سابقات تحدّثت عن تعرضها لتعذيبٍ جسدي ونفسي شديد، شمل الضرب المبرح، الحرمان من النوم، وسوء المعاملة المتكرر. كما أشارت روايات متداولة بين ناجيات إلى أنّها خضعت لأساليب تعذيب قاسية تسببت بتدهور خطير في حالتها الصحية، بينها نوبات صرع ونزيف متكرر.

وتضمنت بعض الشهادات غير المستقلة ادعاءات بأنّها تعرضت لحقن بمواد وُصفت بأنّها “كيماوية” في الرأس أثناء الاحتجاز، ما أدى إلى مضاعفاتٍ صحية حادة. ولا توجد وثائق طبية أو تقارير تحقيق مستقلة تؤكد طبيعة تلك المواد أو ظروف استخدامها، إلا أنّ هذه الروايات بقيت جزءاً من السرد الذي تناقلته معتقلات سابقات ومنظمات حقوقية.

منظمات بينها الشبكة السورية لحقوق الإنسان وثّقت اسمها ضمن حالات الإخفاء القسري والوفاة في الاحتجاز، دون أن تتوفّر تفاصيل رسمية دقيقة حول أسباب الوفاة.

سنوات الصمت… ثمّ الإعلان

بحلول منتصف عام 2014، انقطعت أخبار فاتن بالكامل. لم تحصل عائلتها على أيّ معلومات رسمية بشأن مكان احتجازها أو وضعها الصحي.

في عام 2018، ظهر اسمها ضمن قوائم وفيات أُبلغت بها دوائر السجل المدني، وسُجلت الوفاة على أنّها نتيجة “أزمة قلبية”، وهو توصيف تكرّر في عددٍ كبير من الحالات المماثلة. لم يُسلَّم الجثمان، ولم يُكشَف عن مكان الدفن، ولم يُسمَح بإجراء تحقيق مستقل.

أكثر من قصة فردية

قصة فاتن رجب فواز تتجاوز حدود مأساة شخصية. فهي تمثل شريحة من الأكاديميين والناشطين المدنيين الذين انخرطوا في العمل السلمي خلال السنوات الأولى من النزاع، قبل أن يجدوا أنفسهم في شبكة اعتقالات واسعة.

كانت عالمة عادت من الخارج للمشاركة في مجتمعها، ومدرسة اختارت الشارع بدل الصمت. اعتقالها عبر كمين، وما تلاه من تعذيب مزعوم واختفاء قسري، ثمّ إعلان وفاة مقتضب بعد سنوات، يعكس المسار الذي عاشته آلاف العائلات السورية.

اليوم، لا تملك عائلتها قبراً تزوره، ولا تقريراً مستقلاً يشرح ما جرى داخل جدران الاحتجاز. ما تبقى هو اسم في السجل المدني، وذاكرة امرأة آمنت بأنّ البحث عن الحقيقة في الفيزياء لا ينفصل عن البحث عنها في الحياة العامة.

ويبقى السؤال الذي يلاحق قصتها كما قصص غيرها: كم من العقول غابت في الظل قبل أن يُكشف ما حدث فعلاً خلف الأبواب المغلقة؟

شارك

مقالات ذات صلة