فنون
“Out of Africa” أو “الخروج من إفريقيا”، هو فيلم دراما رومانسي رائع، من إنتاج عام 1985، للمنتج والمخرج “سيدْني بولاك”، وهي يروي القصة الحقيقية حول البارونة والكاتبة الدنماركية “كارين بْليكْسِن”.
عاشت “كارين” حياتها في وطنها الدنمارك حتى أصبحت شابّة في سن الزواج، وقد وقعت في حب ابن عمها البارون السويدي الشاب “هانْس بْليكْسِن فينيكي”، ولكن لم يُكتَب لعلاقتهما النجاح، فتزوّجت من شقيقه التوأم البارون “بْرور بْليكْسِن فينيكي”، وأصبحت بارونة، وانتقلت معه إلى شرق إفريقيا، واستقرّا في كينيا، وامتلكا مزرعة بُنّ كبيرة بالقرب من جبل كليمنجارو، وحين انتكست أحوالها وتعرّضت للإفلاس بدأت “كارين” رحلة كتابة الروايات.
“الخروج من إفريقيا” هي رواية كتبتها “كارين بْليكْسِن” في عام 1937 تحت اسمٍ مستعار، وهو “آيْزاك دايْنْسِن”، ووثّقت فيها قصة حياتها وتجاربها وذكرياتها في إفريقيا منذ عام 1914 حتى عام 1931، وتلك الرواية كانت واحدة من 3 مصادر لقصة الفيلم.
تمّ الاستناد أيضًا على كتاب “آيْزاك دايْنْسِن: حياةُ ساردةِ قصص” للكاتبة الأمريكية “جوديث ثورْمان”، الذي أصدرته في عام 1982، وكتاب “الصمت سيتحدّث” للكاتبة البريطانية “إيرول تيرْزْبينْسْكي”، الذي أصدرته في عام 1978، وقد تولّي “كُرْت لودْكي” مهمّة الاقتباس وكتابة النص السينمائي للفيلم.
تدور أحداث الفيلم في فترة غريبة من التاريخ الحديث، حيث كانت دول شرق إفريقيا تجذب المواطنين الأوروبيين للعيش فيها والاستقرار بعد شعورهم بالخوف والقلق وهم على أعتاب الحرب العالمية الأولى، والكثير منهم اختار الاستقرار في كينيا لأنّ أجواءها لطيفة والحياة فيها هادئة.
لم تكن حياة “كارين” مثالية مع زوجها “بْرور”، بالرغم من أنّه بشوش ولطيف في معاملتها، ولكن لا يعني ذلك أنّه يحبّها أو يتوافق مع شخصيتها، وتصاب “كارين” بعد فترة بمرض الزهري وتسافر إلى الدنمارك لتلقّي العلاج وكانت الحرب قد اندلعت حينها، وبعد أن تتماثل للشفاء تعود مجددًًّا إلى كينيا، وتكتشف لاحقًا أن “بْرور” يخونها مع امرأةٍ أخرى، فتطلب منه بهدوء مغادرة المنزل.
تتعرّف “كارين” على الصيّاد والمغامر البريطاني “دينيس فينْتش هاتون” وتقع في حبّه، بالرغم من أنّ شخصيته جامحة وغامضة، فهو لا يحبّ الالتزام والتقيّد، ولا يستغني عن حرّيته. إنّه يعشق الصيد والمغامرات ورحلات السفاري، وموسيقى “موزارت”، وفي أحد المشاهد يقول “دينيس”: “لم يُخلَق صوت مثل صوت موسيقى موزارت”، وقد افتتح الفيلم مَشاهِدِهِ بكونْشيرْتو الكلارينيت لهذا الموسيقار العملاق.
بلغت ميزانية إنتاج الفيلم 31 مليون دولار، وحقّق أرباحًا هائلة جدًّا بما يزيد عن 227 مليون دولار في شبّاك التذاكر في أمريكا وبقية دول العالم، وهو من بطولة “ميريل سْتريب” بشخصية “كارين”، و”روبِرْت ريدْفورْد” بشخصية “دينيس”، و”كْلاوْس مارِيّا بْرانْداوَر” بشخصية “بْرور”، وقد أبدعوا جميعًا.
فاز الفيلم بـ 7 جوائز أوسكار، لأفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل نصّ سينمائي مقتبس وأفضل موسيقى تصويرية لـ “جون باري”، وأفضل تصوير وأفضل تصميم مواقع وأفضل تحرير صوتي، وترشّح لـ 4 جوائز أخرى، لأفضل ممثلة “ميريل سْتريب” وأفضل ممثل مساعد “كلاوْس مارِيّا بْرانْداوَر” وأفضل مونتاج وأفضل تصميم أزياء.
على امتداد حياتها أصدرت “كارين بليكْسِن” مجموعة من الروايات والقصص القصيرة تحت اسمها المستعار “آيْزاك دايْنْسِن”، وأشهرها رواية “سبع حكايات قوطِيّة”، وقد تمّ اقتباس بعض قصصها ورواياتها إلى أفلام تلفزيونية وسينمائية، ومن ضمنها الفيلم الدنماركي “Babette’s Feast” أو “مأدبة بابيت”، ويُعدّ من أهم الأفلام الأوروبية، حيث فاز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي في عام 1987.
بعد نجاح فيلم “Out of Africa” في شبّاك التذاكر ونيله إعجاب النقّاد والجمهور واكتساحه جوائز الأوسكار، أصبحت “كارين بليكْسِن” مشهورةً أكثر من أيّ وقتٍ مضى في حياتها، حيث توفّيت في عام 1962 في الدنمارك، وهي سن 77 عامًا، وقد تمّ افتتاح متحف خاص بها في عام 1986 في كينيا، وهو المنزل الذي عاشت فيه، ليصبح واحدًا من متاحف كينيا الوطنية، ويضم متجرًا صغيرًا لبيع التحف والتذكارات والكتب، ولا يزال المتحف موجودًا ويرتاده السائحون حتى يومنا هذا.
والجدير بالذكر أنّ هناك “متحف كارين بليكْسِن” في الدنمارك أيضًا، وتمّ افتتاحه في عام 1991، وهو المنزل الريفي الخاص بعائلتها وأجدادها، حيث عاشت فيه معظم أعوام حياتها حتى وفاتها، وقد تمّ ترميمه مع الحفاظ على أثاثه الأصلي والمقتنيات واللوحات الزيتية، ويرتاده الزوّار يوميًا وتقام فيه العديد من الفعاليات والندوات التي تحتفي بكاتبة عريقة ومُلهِمَة تركت بصمتها في الأدب الإسكندنافي.



