سياسة

أثر الحرب في إيران على السياسة الخارجية السورية

مارس 5, 2026

أثر الحرب في إيران على السياسة الخارجية السورية

تتحرك السياسة الخارجية السورية للدولة الجديدة، أثناء الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية، بموجب عامليين رئيسيين: كبح ارتداد الحرب على الداخل السوري، ومحاولة استثمار لحظة إعادة تشكيل الإقليم، فهذه الحرب ليست اشتباكاً حدودياً بعيداً؛ بل صدمة تضرب “شبكة الوكلاء” وممرات ومنافذ الطاقة والتجارة من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، بما يجعل دمشق أمام احتمالات مكاسب ومخاطر ثقيلة في آنٍ واحد.

أولاً: التأثيرات الإيجابية المحتملة على السياسة الخارجية السورية

1- تأكيد الشرعية من بوابة مكافحة الإرهاب وضبط الحدود وتعزيز فك الارتباط مع محور إيران

أصدرت الخارجية السورية بياناً نددت فيه بـ “الهجمات الإيرانية الوحشية” على دولٍ عربية، وأكدت تضامنها مع هذه الدول وحقّها في حماية أراضيها، في تأكيد واضح لاصطفافات دمشق الجديدة ضد محور إيران، وتعزيز صورة سوريا كدولةٍ تسعى للخروج من المحاور التقليدية السابقة والاقتراب أكثر من المنظومة العربية.

أيضاً، من المحتمل أن تتحوّل قيمة سوريا في نظر الفاعلين الإقليميين والدوليين -مع انكفاء طهران نحو الداخل أو تراجع قدرتها على الإسناد الخارجي-  من ساحة نزاع، إلى مركزٍ لضبط العديد من الملفات مثل ملاحقة داعش، وضبط الحدود الشرقية، وتفكيك شبكات التهريب، وهنا يمكن لدمشق أن تتقدّم بخطاب جديد قائم على شراكة أمنية وانفتاح سياسي واقتصادي، بدل البقاء أسيرة معادلة “الدعم المشروط”، وإذا أُحسنَ توظيف هذه الورقة، فقد تتحوّل هذه الملفات إلى باب يفتح قنوات التعاون بين دول العرب والغرب من زاوية المصالح المتبادلة لا المجاملات.

2- تحسين العلاقة مع دول الخليج: من الدعم الإنساني إلى الشراكة الواقعية

في لحظات التهديد التي تعيشها دول الإقليم، تتحوّل أولويات الخليج سريعاً من الملفات الرمزية إلى ملفات الأمان على غرار منع امتداد الفوضى وإنهاء الملشيات ما دون الدولة خصوصاً تلك المحسوبة على محور إيران، حيث تضخم الحرب الراهنة على إيران من هذه الهواجس، وتدفع بعض العواصم الخليجية -خصوصاً تلك المترددة في دعم دمشق كأبو ظبي والكويت بالإضافة للرياض والدوحة- إلى تثبيت خطوط تنسيق مع دمشق، أمنياً واقتصادياً وحدودياً، وهنا قد تجد الدولة السورية الجديدة فرصاً أكثر واقعية لتمويل تعافٍ اقتصادي، ودعم الاستقرار النقدي، وفتح منافذ تجارية واستثمارية بشكلٍ أكبر وأكثر جدية.

وبطبيعتها، تقوّض الحرب القدرة اللوجستية والمالية لإيران على إعادة بناء نفوذها في سوريا، ما يمنح الحكومة الجديدة فرصة لتثبيت سيطرتها المركزية وتقليص مبررات الضربات الإسرائيلية المتكررة داخل سوريا وتحقيق المزيد من الاستقرار الجاذب لرأس المال الخليجي.

3- إعادة تموضع سوريا في شرق المتوسط

مع تصاعد أهمية مشاريع الربط والطاقة في شرق المتوسط، تتزايد قيمة “العقد الجغرافية” التي تصل البر بالبحر، والشرق بالغرب. وفي مناخ الحرب على إيران، تسعى الولايات المتحدة وشركاؤها بلا شك إلى إعادة هندسة الممرات وتخفيف المخاطر، ما قد يخلق —على المدى المتوسط— فرصة لدمشق كي تعرض نفسها بوصفها “ممراً” أو “عقدة عبور” بدل أن تبقى “خطّ تماس”. غير أنّ هذه الإيجابية مشروطة بشرط صارم: أن تُقنع سوريا محيطها بأنّها دولة مستقرة وليست ساحة اشتعال، وأنّ الاستقرار فيها ليس هدنة مؤقتة، عندها يمكن للجغرافيا أن تتحوّل من عبءٍ إلى ورقة قوة لصالح الدولة الوليدة.

ثانياً: التأثيرات السلبية المحتملة على السياسة الخارجية السورية

1- خطر “تساقط الشظايا” عبر لبنان والعراق

بالنسبة لسوريا، ليس أخطر ما في الحرب على إيران هو ما يحدث في طهران وحدها، بل ما يتساقط على أقرب المناطق الرخوة إلى سوريا ونعني هنا لبنان والعراق، فأيّ ارتباك في منظومات النفوذ والسلاح والتمويل هناك قد يتحوّل بسرعة إلى فوضى حدودية، وتهريب سلاح، وصدامات فصائلية، وفراغات أمنية تُغري التنظيمات الانفصالية والمتطرفة بالعودة. وهذا ما يضع دمشق في معادلة شديدة الحساسية، تتطلب تشديد الأمن وتغلق الثغرات وإبقاء قنوات سياسية مفتوحة مع بيروت وبغداد كي لا يتحوّل الإغلاق إلى تصعيد أو قطيعة تؤدي لنتائج ليست في الحسبان.

2- مسرح للتنافس التركي–الإسرائيلي

إذا أضعفت الحرب إيران، فإن الفراغ سيُملأ بتنافس جديد، وفي سوريا وشرق المتوسط، قد تشتد الحساسية بين تركيا وإسرائيل. فسوريا تقع في قلب هذا الاشتباك غير المعلن حيث يمس شمالها أمن تركيا وحدودها ومشروع نفوذها، أمّا جنوبها فيرتبط بمخاوف إسرائيل الأمنية، وبالتالي فإنّ أيّ خطوة خارجية ستُقرأ من طرفٍ ما بوصفها اصطفافاً ضده. ومع تراكم الاستقطاب، قد تجد الدولة الجديدة نفسها مطالبة بإشارات طمأنة متناقضة في الوقت ذاته، وهو ما يجعل السياسة الخارجية أكثر توتراً وأقل قدرة على رسم خط ثابت.

3- صدمة الاقتصاد والبحث عن شركات إسعافية

الحرب على إيران تعني اضطراباً في شرايين التجارة والطاقة، بدءاً من الخليج ومضيق هرمز وانتهاءً بالبحر الأحمر وقناة السويس، وفي سوريا تحديداً تسببت الحرب في ضغوطٍ على إمدادات الوقود ونقص الكهرباء، مع تعطل جزء من الشحن البحري والجوي وحركة التجارة. وحتى لو لم تُغلق الممرات كلياً، فإن ارتفاع المخاطر كفيل برفع كلفة التأمين وتغير مسارات الشحن، وهذا يعني المزيد من الضغط المباشر على كلفة الاستيراد، وصعوبة تثبيت الأسواق، وتراجع شهية الاستثمار في بيئةٍ يُنظر إليها كمنطقة ذات ممرات مضطربة.

وفي الوقت الذي يشتد فيه الضغط على الاقتصاد المنهك أصلاً، ستجد الدبلوماسية الخارجية نفسها في مهمة البحث عن حلول إسعافية تؤمن مشتقات ومواد أساسية، بدل أن تكون بحثاً عن شراكات طويلة المدى ما يضع الحكومة أمام معادلة صعبة بين متطلبات الاستقرار الداخلي وتقلّبات الإقليم.

4- نزعات الانفصال والتهجير وارتدادها إلى سوريا

إذا انزلقت إيران إلى فوضى داخلية أو صراع طويل، فقد تظهر نزعات انفصالية واضطرابات على الأطراف، وقد تتولد موجات تهجير، تؤثر على سوريا عبر احتمالات تدفق بشري، وعبر اقتصاد تهريب جديد، أو انتقال خبرات (سلاح ومسيرات)، وإعادة تدوير مقاتلين وشبكات جريمة عابرة للحدود. وهذا كله يعني ضغطاً إضافياً على أمن الحدود وعلى ملفات اللاجئين والاقتصاد، ويعيد إنتاج بيئة التهديدات التي تحاول الدولة الجديدة أصلاً الخروج منها.

5- تشدد محتمل في الموقف الإسرائيلي حيال الاتفاق الأمني

قبل الحرب، كانت هناك مساعٍ أمريكية لاستئناف المحادثات الأمنية بين سوريا وإسرائيل حول ملف الجنوب وجبل الشيخ، لكنّها تعثرت أصلاً بسبب تحفظات إسرائيلية على الانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024. ومع اندلاع الحرب على إيران من المحتمل أن تعطي تل أبيب مزيداً من المبررات لتشديد شروطها الأمنية وتجميد أيّ تنازلات في ملفات الانسحاب أو الترتيبات الحدودية، ما يقيّد قدرة الدبلوماسية السورية على تحقيق اختراق سريع في هذا المسار.

ثالثاً: كيف ستتغيّر لغة السياسة الخارجية السورية؟

ستحاول دمشق بطبيعة الحال أن تدفع بخطواتٍ تتجه بالبلاد نحو الاستقرار بدل أن تُدار بالاستقطاب، وأن تكون دولةً ينُظر إليها كجزءٍ من الحل لا كمشكلة. وفي هذا الصدد فلا شك أنّ دمشق ستعمل على جذب الخليج وتركيا والغرب كون هذه الدول ستبحث عن شركاء يخففون المخاطر دون ربط الانفتاح بشروط أمنية وسياسية، عندها تعود السياسة الخارجية لمهمتها الطبيعة عبر إدارة شروط متعارضة أكثر من كونها اختيار شراكات اضطرارية. لكن الارتدادات السلبية ستبقى قائمة ومحتملة بلا شك، وتتطلّب من دمشق الحيطة والحذر واحتواء التداعيات الاقتصادية والأمنية الداخلية، من دون أن تنجر إلى أن تكون ساحة مواجهة جديدة في صراعٍ مفتوح.

الخلاصة

تدفع الحرب على إيران السياسة الخارجية السورية أكثر نحو خيار “التموضع العربي–الدولي” والابتعاد عن سياسة المحاور الحادة، مستفيدة من المزاج الشعبي السلبي تجاه الدور الإيراني السابق في سوريا ومن رغبة دولية في دعم دولة سورية بعيدة عن طهران ومحاورها. وإذا استطاعت الدولة السورية الجديدة تثبيت الاستقرار الداخلي وضبط الحدود، فقد تتحوّل الحرب على إيران —رغم خطورتها— إلى فرصة لإعادة تقديم سوريا بوصفها شريك أمن وموثوق بالإضافة لكونها ممراً محتملاً، ما يفتح أبواباً خليجية وغربية بشروط أقل. أمّا إذا تعثر ضبط الداخل، أو تحوّلت سوريا إلى نقطة احتكاك في تنافس تركي–إسرائيلي، أو ضربتها صدمة الاقتصاد والممرات البحرية، فستغلب الكلفة على المكسب سواء عبر ارتدادات أمنية من العراق ولبنان، أو اختناق اقتصادي، وتضاؤل قدرة السياسة الخارجية على المبادرة.

 

شارك

مقالات ذات صلة