آراء
الأدعية التي تتضمنها الآيات القرآنية، هي نفحات عظيمة، إذا استطاع المؤمن أن يتعرض لنفحاتها فقد فاز فوزاً عظيماً، بينما أقرأ آل عمران، توقفت عند هذه الآية العظيمة وهي في سياق دعاء سيدنا زكريا عليه السلام، “قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ”، كلّ الأسباب الأرضية المتعلقة بالدعاء لا تؤدي إليه، وأهمها أنّ زوجة سيدنا زكريا عاقر، وفي هذه الحال منطقياً يستحيل أن تنجب، فأتت الإجابة لسيدنا زكريا أنّ الله يبشره بسيّدنا يحيى، “فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ”، اللطيف بالأمر أنّه حين استجاب اللّه عزّ وجلّ دعاء سيدنا زكريّا، من شدة استحالة أن يتحقق،
“قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ” أيّ أنّ سيدنا زكريا عمره كبير، وزوجته عاقر لا تنجب، فكيف سيتحقق الأمر، وكأنَّ سيدنا زكريا غير مصدق للأمر طلب من اللّه عزّ وجلّ آية أيّ إشارة على تحققه.
فشعرت أن هذا الدعاء اسمه ( دعاء المستحيل ) وحينما بدأت أتأمل به، حقيقةً استمتعت بهذه النفحات المكتنزة به من أوله إلى آخره، فسبحان اللّه العظيم الذي ألهم سيدنا زكريا هذا الدعاء المعجزة.
“رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ”
صيغة الدعاء تنقسم إلى 3 أجزاء:
الجزء الأول ( ربِّ هَبْ لي ) والهبة بلا مقابل، واللّه عزّ وجلّ هو الوهّاب، ويليق به أن يهب دون مقابل، والأصل في كلّ شيءٍ من حولنا وفي جسدنا أصلاً هو هبة من اللّه عزّ وجل، لأنّه لم يطلب منّا مقابلاً لأن نصبح موجودين، وقد كنّا قبل ذلك عدمًا، هذا المعنى العظيم يفتح لك الأفق أن تطلب من الوهّاب كلّ ما تريد، لأنّ الوهاب يعطي بلا حساب.
الجزء الثاني ( من لدنك) ثمّ تطلب حاجتك
واللدن هنا مسألة عظيمة وفضاء تقصر عقولنا ومنطقنا عن فهمه، وهذا كل ما يتعلق ببواطن أسرار الذات الإلهية، أي هب لي من أسرار ذاتك التي لا يعلمها سواك .
الجزء الثالث ( إنّك سميع الدعاء)
يختم سيدنا زكريا الدعاء بالتأكيد على أنّ الدعاء مسموع، وإن كان مسموعاً فقد وصل الذات الإلهية، وإذا وصل الذات الإلهية فهو متحقق بلا ريب، والمأمول حادث بلا أدنى شكّ.
ليست وصفةً سحريّة، إنّه دعاء المستحيل كما أحببت تسميته، إذا أراد المسلم أن يدعو به فليقل رب هب لي من لدنك ثمّ يطلب حاجته ثمّ يقول إنّك سميع الدعاء، ومن سمع زكريا يسمعك، ومن وهب من لدنه لزكريا يهبك، يتغيّر الداعون، وسميع الدعاء لا يتغيّر، تتغيّر الحاجات، وقاضي الحاجات لا يتغيّر، تتغيّر الموجودات، وخالق الوجود لا يتغيّر.
وصلّى اللّه على سيّدنا محمد، كوثر الوجود، من شانئه أبتر مفقود، ومن محبه غارق في الجود، وعلى آله وصحبه وسلّم.





