مدونات

نصوص الكاتب والآلة: تجربة شخصية في عالم الذكاء الاصطناعي

فبراير 26, 2026

نصوص الكاتب والآلة: تجربة شخصية في عالم الذكاء الاصطناعي

بعد خوض تجربة الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لتهذيب النصوص قبل نشرها، مع الحرص على المحافظة على الفكرة الأساسية وروح النص دون مسخ، قليلًا كان أو كثيرًا، تبيّن لي أنّ بعض المحررين يتعاملون بحذرٍ شديد مع النصوص المعدلة عبر الذكاء الاصطناعي، بل قد يرفضونها كليًّا مهما بلغت جودة الأفكار التي تتضمنها. وفي هذا المقال أحاول أن أعبّر عن هذه الإشكالية كما عشتها، وأن أُثبت أنّ ثمة حساسية قائمة تجاه النص الذي مرّ على الذكاء الاصطناعي، حتى لو كان تدخله في حدود التعديل اللغوي البحت.

بدأت علاقتي الكتابية بالذكاء الاصطناعي منذ ظهوره تقريبًا، لكنّها كانت علاقة بعيدة وغير مباشرة، بحكم طبيعة التعامل مع كلّ جديد، وبسبب عدم معرفتي الدقيقة بآلياته وطريقته وحدوده. ومع مرور الوقت، وتحديدًا في هذه السنة –2026– تعمّقت علاقتي به، وصرت قبل نشر مقالاتي أعرضها عليه ليبدي رأيه العام فيما كتبت، وليقترح تعديلات إن رأى لذلك مقتضى.

فعل ذلك بالفعل، غير أنّ النتيجة لم تكن دائمًا مرضية. فقد مسخ النص في بعض الأحيان، وغيّر الأسلوب، وجعلني غيري. الذكاء الاصطناعي لا يفوّت فرصة لإبراز إمكاناته؛ يستعرض قدرته على الحذف والإضافة، ويعيد تركيب الجمل، ويصوغ أسلوبًا جديدًا قد لا يمتّ إلى الكاتب بصلة. وهذا ليس ما أريده على التحقيق. ما أريده هو التعديل اللغوي فحسب، أي: «عملية تحسين وتصحيح النصوص المكتوبة أو المنطوقة لضمان استقامة اللفظ والمعنى، ويشمل ذلك تعديل الأخطاء النحوية والصرفية والإملائية، وضبط علامات الترقيم، بالإضافة إلى تحسين الأسلوب وصياغة الجمل لتكون أكثر وضوحًا ودقة. ويهدف التعديل إلى رفع جودة النص، وصقله، وتخليصه من أيّ ركاكةٍ أو أخطاء تعيق الفهم».

وقد يلاحظ المحرر أو القارئ أنّ هذا التعريف ذاته صادر عن الذكاء الاصطناعي. فهل في ذلك شك أو نقيصة؟ لا أرى في ذلك شكًا ولا نقصًا. فقد بحثت في المتصفح وسألته عن تعريف التعديل اللغوي، فأتى بهذا الكلام الدقيق المحكم الذي يغنيني عن إعادة سبكه، وهو مسبوك سبكًا حسنًا لا غبار عليه. إنّ الاستعانة به في مثل هذا الموضع لا تعني التنازل عن الفكرة، ولا التفريط في الأصالة، بل تعني استخدام أداة لتوفير الجهد في موضع لا يقتضي اجتهادًا شخصيًّا.

أعود إلى أصل الإشكال فأقول: إنّ التعديل اللغوي لا يمس الفكرة التي وضعها الكاتب، ولا يسلب النص روحه، ولا ينزع عنه طابعه الخاص، إذا التزم حدوده. غير أنّ حساسية بعض المحررين قد تؤدي إلى رد النص كله، مهما بلغت جودة أفكاره، لمجرّد وجود شبهة مرور الذكاء الاصطناعي عليه. بل إنّ مجرّد الاشتباه في تدخله قد يكون سببًا لإدخال النص في خانة «تم إعداده بالذكاء الاصطناعي» أو رفضه من النشر.

وتزيد أدوات كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي الأمر تعقيدًا، إذ – كما ثبت بالتجربة – لا ترقى إلى مستوى الحكم اليقيني. ومن الأمثلة اللافتة ما ذكره أحد الأكاديميين في تغريدة على تطبيق «إكس»، حيث أورد نصًّا للإمام الشاطبي من كتاب «الموافقات» دون أن يضيف إليه شيئًا، ثمّ أدخله في أدوات فحص الاقتباس، فجاءت النتيجة بأنّ النص «مصاغ بالذكاء الاصطناعي» وأنّ نسبة الاقتباس بلغت 64%! وعلّق قائلًا إنّ منصات الفحص بحاجة إلى إعادة نظر في منهجية تقاريرها، لأنّ التعامل مع نتائجها بوصفها حكمًا قطعيًّا فيه إجحاف بحق الباحث والمؤلف.

تستمر قصتي مع بعض المحررين في هذا السياق؛ إذ يردّ بعضهم النص بدعوى أنّه استخدم الذكاء الاصطناعي بديلًا عنهم. لا أجزم بذلك يقينًا، غير أنّ انضباط العبارة، وحسن السبك، ودقة علامات الترقيم، قد يثير في نفوسهم الشك، فيرون في ذلك ما يكفي لرده. وهنا يحضر في ذهني مثل بسيط عميق: «اللي ما يعرفك يجهلك». لم أكن أتصور أن أستدعي هذا المثل في سياق عربي فصيح، لكنّه في الحقيقة دقيق الدلالة. فالمحرر أو القارئ الذي لا يعرفك معرفة حقيقية، كيف له أن يميّز بين ما هو من صميم أسلوبك، وما هو طارئ عليه؟ كيف سيعلم ثباتك المنهجي، وأمانتك الفكرية، وأنّ ما تطرحه من أفكار هو من تأملاتك الخاصة لا من إنتاج آلة؟

ربما لا يُحسن الظن بك إلا إذا كنت مؤلفًا مشهورًا، أو شخصية معروفة، أو ممن نشروا أعمالهم في حقبة ما قبل بزوغ الذكاء الاصطناعي. أمّا غير ذلك، فالأصل هو الشك.

لا أنكر أنّ الذكاء الاصطناعي يوفر الكثير من الوقت والجهد، لكنّه في المقابل قد ينمّي نوعًا من الكسل إذا أسيء استخدامه. وبالتدقيق يمكن رصد النمط العام الذي يكتب به حين يُولّد النص بالكامل عبره. إنّ العين الخبيرة التي تعايشت طويلًا مع النصوص تستطيع أن تلمح هذا النمط. وقد كنت منذ سنوات أميز بين كاتب وآخر عند قراءة نصوصهم. بل لا أبالغ إن قلت إنّني بعد قراءة مطولة في مؤلفات سيد قطب ومحمد قطب – رحمهما الله – صرت أميز بين أسلوبيهما عند قراءة اقتباسات من كتاباتهما في مؤلفاتٍ لاحقة. أقرأ النص، وقبل أن أنظر إلى الهامش، أقول: هذا لفلان، فيكون كذلك.

فإذا كان من الممكن التمييز بين أسلوب بشر وبشر، أفلا يمكن التمييز بين أسلوب بشر وآلة؟ الأمر ليس خاصًا بشخص دون آخر؛ فمن عاش بين الكتب والنصوص طويلاً سيكتسب هذه الملكة. والمحررون – بحكم معايشتهم اليومية للنصوص – يملكون قدرة عالية على هذا التمييز. غير أنّنا نعتب عليهم حين يجعلون مجرّد الشبهة سببًا كافيًا لطرح النص.

أؤكد هنا أنّ التعديل اللغوي عبر الآلة، والاستعانة بها في تهذيب السياقات، ما دام لا يرقى إلى مسخ جزئي أو كلي للنص، لا يسلب الكاتب حقّه، ولا يصادر جهده، ولا يصنف عمله تصنيفًا غير بشري. إنّ الفرق كبير بين أن تكتب الآلة عنك، وبين أن تُعينك على تصحيح ما كتبت.

في النفس كلام كثير، لكنّي أكتفي بالقول إنّ الذكاء الاصطناعي أداة قوية، والكاتب الحكيم هو الذي يعرف متى يستعين بها، ومتى يستغني عنها. ونسأل الله أن يكون رمضان كريمًا على الجميع.

شارك

مقالات ذات صلة