مدونات
الكاتب: عبدالرحمن حسنيوي
لماذا تبدو السياسة في كثيرٍ من الأزمنة وكأنّها فن لإفساد المعنى بدل تنظيمه؟ ولماذا تنقلب من وعد بالعدل إلى صناعة للخوف، ومن تدبير للشأن العام إلى سوقٍ للمصالح، ومن لغةٍ للحقّ إلى قاموس للالتفاف على الحقوق؟ ما الذي يحدث للإنسان حين يدخل المجال السياسي: هل يرتقي إلى مرتبة المواطن الواعي، أم ينحدر إلى مستوى الغريزة الجماعية المنفلتة؟ ثمّ كيف تستطيع السياسة أن تنتج الأمل في لحظة، ثمّ تعود فتنتج البؤس في اللحظة التالية؟ وكيف رأت الفلسفة فيها أسمى تعبير عن العقل العمومي، ثمّ اعتبرتها في الوقت نفسه أكثر المجالات قابلية للانحراف والسقوط؟
منذ أفلاطون، ظهر الوعي بأنّ السياسة امتحان للروح قبل أن تكون نظامًا للحكم. في كتابه “الجمهورية” يتقدّم سؤال العدالة بوصفه سؤالا عن مراتب النفوس، لأنّ المدينة عنده ليست سوى مرآة لأخلاق ساكنيها. فإذا كان الفيلسوف قد حلم بحكم العقل، أي بحكم الفلاسفة، فإنّ الواقع السياسي الذي عاشه في أثينا كشف له هشاشة المدينة حين تستسلم للخطابة السفسطائية ولشهوة الجمهور. وهكذا بدت السياسة في جذورها الأولى مجالًا يتصارع فيه مبدآن: مبدأ الحكم باعتباره تربية للإنسان، ومبدأ الحكم باعتباره تدبيرًا للقوة. ومن هذا التوتر تولّدت ملامح البؤس السياسي، حين انهزم مبدأ التربية لصالح مبدأ السيطرة، وحين تحوّل الإنسان من غاية تصان إلى مادة تستغل.
ثمّ جاء أرسطو، ففي كتابه “السياسة” صاغ تعريفًا صار من أشهر تعريفات الفكر السياسي: “الإنسان حيوان سياسي”. لم يكن هذا القول تمجيدًا للإنسان بقدر ما كان تذكيرًا بأنّ الاجتماع قدره، وأنّ المدينة شرط اكتماله. غير أنّ هذا الاكتمال لا يتحقق تلقائيًّا، لأنّ المدينة قد تكون مدرسة للفضيلة كما قد تتحوّل إلى مصنع للأنانية. لذلك ربط أرسطو السياسة بالأخلاق، وربط جودة الحكم بتربية المواطن. غير أنّ مسار التاريخ بيّن أنّ السياسة حين تنفصل عن الأخلاق لا تعود تنتج مواطنين، بل تنتج رعية خائفة أو جماهيرًا يسهل التلاعب بها، وأنّ الدولة حين تفقد معناها الأخلاقي تصبح جهازًا بلا روح، يمتلك أدوات التنظيم ويفتقد الغاية التي من أجلها نشأ.
ويبلغ بؤس السياسة إحدى ذراه في التحليل الحديث مع مكيافيللي، الذي كتب في “الأمير” عبارته الشهيرة: “من الأفضل أن تُخشى على أن تُحب، إذا تعذر الجمع بينهما”. هذه العبارة لا تعبر عن نزوة شخصية، بل عن لحظةٍ تاريخية اكتشفت أنّ السياسة يمكن أن تدار خارج معيار الفضيلة التقليدي. لم يكن مكيافيللي واعظًا أخلاقيًّا، بل كان محللًا واقعيًّا للسلطة، وصف ما يفعله الحكام حين يتصارعون على الدولة بوصفها غنيمة. ومنذ تلك اللحظة، أصبح السؤال الأخلاقي في السياسة سؤالًا مهددًا باستمرار: هل يمكن لحكمٍ واقعي أن يظلّ عادلًا؟ أم أن منطق الدولة يحمل في داخله ميلًا بنيويًّا إلى القسوة، لأنّ القوة هي الضامن الأخير لاستمرار السلطة؟
ثمّ جاء توماس هوبز، فأعاد تأسيس السياسة على قاعدة الخوف. في “الليفياثان” صاغ عبارته الشهيرة عن حالة الطبيعة: “حياة الإنسان منعزلة، فقيرة، قذرة، وحشية، وقصيرة”. وفق هذا التصور تصبح الدولة ضرورة لحماية البشر من حرب الجميع ضد الجميع. لكنّ المفارقة القاسية أنّ الدولة التي تنشأ لحماية الإنسان قد تتحوّل إلى قوة تخضعه، لأنّ الخوف الذي أسس العقد الاجتماعي قد يظلّ مقيمًا في بنيته العميقة. ومن هنا يتجلّى بؤس السياسة حين يصبح الأمن غاية عليا تبتلع الحرية، وحين يتحوّل الاستقرار إلى قيمةٍ مطلقة تبرر سحق الكرامة الإنسانية.
على الضفة الأخرى، حاول جان جاك روسو إنقاذ السياسة من هذا المصير عبر مفهوم الإرادة العامة. في “العقد الاجتماعي” كتب عبارته الشهيرة: “الإنسان يولد حرًا، ومع ذلك فهو في كلّ مكان مكبّل بالأغلال”. هذه الجملة تختصر مأساة السياسة الحديثة: وعي بالحرية يقابله واقع من القيود المعقّدة. رأى روسو أنّ الدولة ينبغي أن تكون تعبيرًا عن الإرادة المشتركة، وأنّ القانون حين يكون فوق الجميع يصبح طاعة للذات لا خضوعًا لإرادة غريبة. غير أنّ التاريخ كشف هشاشة هذا الحلم، إذ قد تتحوّل الإرادة العامة إلى قناع لهيمنة فئة، وقد يغدو اسم الشعب أداة لتبرير الاستبداد. وهكذا يتسرب البؤس إلى السياسة من باب النوايا الطيبة، حين تتحوّل فكرة التحرر نفسها إلى أداة قمع باسم الفضيلة.
وهذا ما دفع ألكسيس دو توكفيل إلى التحذير من طغيانٍ جديد داخل الديمقراطيات. في كتابه “الديمقراطية في أمريكا” وصف خطرًا لا يأتي من ملكٍ مستبد، بل من رأي عام غوغائي ومن أغلبية تمارس ضغطًا معنويًّا خانقًا على الأفراد. فبؤس السياسة لا يقتصر على الأنظمة الديكتاتورية، بل قد يتسلل إلى أنظمةٍ تتغنّى بالحرية، خاصة حين تتحوّل المشاركة إلى طقسٍ انتخابي فارغ، وحين تستبدل الحقيقة بالتصفيق، والفكرة بالشعار، والوعي بالانتماء الأعمى.
وفي القرن العشرين تعمق البؤس السياسي مع صعود الأيديولوجيات الشمولية. بينت حنا آرندت في “أصول الشمولية” كيف يمكن للنظام السياسي أن يبتلع المجتمع والإنسان معًا، وكيف يتحوّل الفرد إلى كائنٍ فائض عن الحاجة. وفي تحليلها لمحاكمة آيخمان صاغت مفهوم “تفاهة الشر”، لتشير إلى أنّ الشر السياسي قد يمارس من أشخاصٍ عاديين داخل آلة بيروقراطية بلا ضمير. عند هذه النقطة تبلغ السياسة أقصى درجات البؤس، حين يتحوّل القتل إلى إجراءٍ إداري، والضحية إلى رقم، والضمير إلى توقيع على ورقة.
ثمّ جاءت مدرسة فرانكفورت النقدية لتكشف شكلًا آخر من البؤس داخل المجتمعات الصناعية المتقدمة. في “جدل التنوير” أشار أدورنو وهوركهايمر إلى أنّ العقل الحديث قد ينقلب إلى أداةٍ للهيمنة، وأنّ التقدّم التقني قد يصنع إنسانًا قابلًا للتوجيه عبر الإعلام والثقافة الجماهيرية. في هذا السياق لا تحتاج السلطة إلى قمعٍ مباشر، لأنّها قادرةٌ على صناعة مواطن مستسلم عبر الترفيه، وصناعة رأي عام عبر السوق، وصناعة ولاء عبر الخوف من العزلة. هكذا يصبح البؤس السياسي ناعمًا، لا يصرخ ولا يقمع علنًا، لكنّه يفرغ الإنسان من الداخل.
وفي زمننا الراهن تزداد السياسة بؤسًا مع تحوّلها إلى اقتصادٍ رمزي، صراع على الصورة بدل الحقيقة، وعلى الانطباع بدل الفكرة، وعلى إثارة الغضب بدل بناء الحوار. نبه يورغن هابرماس في “التحوّل البنيوي للفضاء العمومي” إلى أنّ الديمقراطية تحتاج فضاءً عموميًّا عقلانيًّا، وأنّ النقاش حين يستبدل بالدعاية يفقد المجتمع قدرته على إنتاج إرادة سياسية واعية. فتموت السياسة لا بالاستبداد وحده، بل أيضًا حين تغرق في الضجيج، وحين يصبح المواطن مستهلكًا للأخبار لا فاعلًا في تشكيل الرأي.
ويتعمق البؤس السياسي في المجال العربي حين تتقاطع ثلاثة عناصر: الاستبداد، والاقتصاد الريعي، وتفكك الثقة العامة. فالاستبداد ينتج دولة تخشى مجتمعها، والريع ينتج اقتصادًا يقتل قيمة العمل ويستبدل الإنتاج بالولاء، وتفكك الثقة يخلق مواطنًا يائسًا من جدوى الإصلاح. ومع غياب الأفق الأخلاقي تتحوّل السياسة إلى صراعٍ على الامتيازات، ويصبح الوطن ساحة تفاوض بين شبكات مصالح لا فضاء لمشروعٍ جماعي. هنا تصادر السياسة من الناس، ثمّ يلام الناس على انسحابهم منها، فتتكرر الحلقة: قمع يولّد خوفًا، خوف يولد صمتًا، صمت يولّد استبدادًا أعمق.
غير أنّ الفلسفة لا تستعرض بؤس السياسة لتكريس اليأس، بل لتبديد السذاجة. فالسياسة تصبح بؤسًا حين تفقد معناها الأخلاقي وتنقطع عن فكرة الخير العام. واستعادة الاعتبار لها تمر عبر إعادة بناء الإنسان ذاته: تربية على المسؤولية، ووعي بالحقوق، وجرأة على النقد، وقدرة على التمييز بين الدولة والسلطة، وبين الوطن والنظام، وبين القانون والهيمنة. فالسياسة في معناها الأسمى ليست لعبة قذرة، بل امتحان دائم لكرامة الإنسان داخل الجماعة.
وفي النهاية يتضح أنّ بؤس السياسة لا ينبع من السياسة بوصفها تنظيمًا للشأن العام، بل من انهيار الضمير الأخلاقي داخلها. حين تفقد السياسة ضميرها تتحوّل إلى إدارة للغلبة، وتغدو اللغة أداة للتضليل، ويصبح المواطن وقودًا للصراع. أمّا حين تستعيد أخلاقها فإنّها تعود فنًّا لحماية الضعفاء، وصيانة العدالة، وبناء معنى مشترك للحياة. وبين هذين الحدين يعيش الإنسان صراعه التاريخي الدائم: أن يرفع السياسة إلى مستوى الكرامة الإنسانية، بدلًا من أن تهبط به إلى مستوى الغريزة.


