Blog
عصر ما بين الثورتين (1919-1952) مُلهِم لمن يبحث في تاريخ مصر الحديثة؛ سيجد فيه عديدًا من المحطات التاريخية، فهو عصر ما بعد الحرب العالمية الأولى، وهو عصر يبدأ بثورة 1919، ضد الإنجليز في مصر، ويمتد إلى إعلان الدستور، ثمّ وفاة زعيم مثل سعد زغلول، ثم معاهدة 1936، ثمّ تجري فيه حرب عالمية ثانية، يتخلل ذلك قيام إسرائيل وحرب 48، وينتهي بثورة أو انقلاب يوليو 1952.
وتشعر بالاستفزاز المعرفي عندما تطالع صفحة من صفحات التواصل الاجتماعي تنشر صورًا تعود إلى تلك الحقبة، لتحكي عن مصر الجميلة النظيفة الأرستقراطية. وكانت بداية شعوري بأنّ هذا التصور فيه عدم دقة ولا يمثل الواقع التاريخي لمصر، صورة باهرة لمصنع الغزل والنسيج في المحلة الكبرى تثير الحنين، لكنّي كنت أنهيت قراءة الكتاب المؤلم لفكري الخولي بعنوان «الرحلة»، وعثرت في هذا الكتاب على تفاصيل عن قسوة العمل في هذا المصنع، وعن حالات القتل التي كانت تحدث من الماكينات، فضلًا عن عمالة الأطفال وضَعف الأجور، وحالة التفسخ الاجتماعي التي حدثت في تلك مدينة المحلة مع توافد العمالة مع الريف، ونهاية صناعة النسيج المحلية. كلّ هذا تتجاهله صفحات الحنين إلى العهد الملكي.
الطبقة العليا والذوات
لنحاول أن نتخيل مواصفات لتلك الطبقة العليا المصرية، فقد كان الباشوات ظاهرة قصيرة في تاريخ مصر، عمرها نحو 150 عامًا، ففي عام 1800 لم يكن في مصر إلا باشا واحد وهو طاهر باشا. وتركيزنا على الطبقة العليا من المصريين، لا الشراكسة الذين تولوا الوزارات وحصلوا على اللقب من السلطان، فالأرستقراطية التركية كانت عثمانية الهوى والعادات مفصولة عن عموم المصريين، وهذا النوع وصفه كرومر بأن ملكاتهم لم تكُن على مستوى مطامعهم.
وأصول الطبقة العليا في مصر تعود في الغالب إلى التزاوج بين الطبقات التركية والمصريين، أو العُمَد والمشايخ وكبار التجار ممّن حصلوا على حصة من الأراضي لا تقلّ عن 200 فدان، وهذه الشخصيات تكون في الغالب مشتركة في الجمعية الزراعية الخديوية التي تأسّست عام 1898، أو اتحاد الزراعيين الذي تأسس عام 1911، وحصلت على الأراضي الخاصة بها عن طريق الشراء من الدولة، خصوصًا مع قانون المقابلة الذي قنن حقوق الملكية مقابل الدفع الفوري للضرائب، وقد قرر إعفاء الملاك من نصف الضريبة المستحقة في حال دفع ضرائب 6 سنوات مقدمًا، وكان دافع الخديوي إسماعيل لهذا القانون هو رغبته في دفع الدَّين العامّ المستحق عليه.
وقد يكون مالك تلك الأراضي قد حصل عليها عن طريق شراء قطعة أرض جرّاء بيع «أراضي الدائرة السنية»، وتلك الأراضي عُرضت مرة أخرى لسداد الدَّين الخارجي، أو حصل على هذه الحصص الزراعية من أجانب غادروا مصر في فترات الأزمات مثل 1917-1921، وهي فترة الهبات الوطنية، أو 1937-1949 في فترة الحرب العالمية الثانية، خصوصًا رعايا دول المحور. هؤلاء الأعيان كانوا الفئة الغالبة في مجلس الشيوخ، الذي يشترط تملُّك العضو 200 ألف فدان، وكانوا هم غالبية أعضاء برلمانات مصر بين 1924-1950.
وقد يكون الباشا من أحفاد أسرة بدأت الحصول على تلك الأراضي من بداية أسرة محمد علي، في القرن التاسع عشر، وازدادت مع الوقت مثل أسرة البدراوي عاشور، أو أسرة شعراوي، أو أسرة أباظة التي كانت تمتلك من 5000 إلى 10000 فدان، ترافق ذلك مع نخبة من التجار بدأت مع إنشاء الغرفة التجارية، وبدأت في بناء مصرف وطني، والدخول في أعمال تقليدية مثل مصانع حلج القطن، أو مشاريع جديدة مثل مصر للطيران وصناعة السينما وإنشاء استوديو مصر.
باشوات وسوبر باشوات
كانت محصلة قراءة حسين مؤنس في عصر ما قبل ثورة 23 يوليو واطّلاعه على وثائق هذا العصر، خصوصًا الإنجليزية، بعد الإفراج عنها، لونًا من الكتابة الحزينة التي استخلص نتائجها في كتابه «باشوات وسوبر باشوات»، والصورة التي يقدّمها مؤنس لهؤلاء الباشوات أنّهم «كانوا في عالم مرهوب وراء الأسوار، يتخيلهم المحرومون كأنّهم دِيَكة أو طواويس، في بدلات سوداء رسمية أنيقة طويلة الذيول، وطرابيش حمراء كأنّها تيجان، ومشية أنيقة رشيقة وأبهة في موكب حافل من الخدم والحشم والسفرجية والأغوات… بعيدًا عن عالم الرعاة».
ورغم طرافة أسلوب حسين مؤنس فإنّه يرسم بقلمه صورة قريبة من حياة الباشوات، فيقول إنّ الباشوية تمتاز باللقب طبعًا، ثمّ مكان السكن الفخم في القصر أو السراي أو الفيلا، فلا يمكن أن تكون باشا وأنت تسكن في شقة متواضعة، وكذلك بالسيارة، فضلًا عن العزبة أو الأبعدية التي تكون فيها مساحة ضخمة من الأراضي.
ومؤنس يوضح أنّ اللقب كان يصدر من إسطنبول في البداية كما حصل مصطفى كامل على الباشوية من السلطان، لكن الخديوي إسماعيل فتح مصنعًا للباشوية وأتت له هذه الطريقة في منح الأعيان اللقب بالمال الوفير.
وبالطبع تُشكِّل هذه الطبقة مادة الحكم، فشخص مثل حسين سرّي باشا تولى الوزارة 25 مرة، ومحمود فهمي النقراشي 18 مرة، ومصطفى النحاس 17 مرة، والجوّ السياسي لمصر عام 1925 مثلًا، بعد قتل السير لي ستاك، وتعيين اللورد جورج لويد، يدلّ على الانحطاط السياسي.
وعلى رأس الوزارة أحمد زيور باشا، وهو رجل لا يستطيع -بالكاد- قراءة العربية، وقد وافق على كلّ ما طلبه منه الإنجليز مثل الانسحاب من السودان، وسلَّم واحة جعبوب إلى الإيطاليين. وفي هذه المدة سارع محمد محمود باشا بالارتماء في حضن الإنجليز لإسقاط حكومة الوفد بقيادة النحاس، عبر إثارة قضية وصاية النحاس على أملاك الأمير سيف الدين، فقط لكي يتسلَّم كرسي الوزارة منه، وهكذا استمر عديد من وزارات السراي التي تُدار من قصر الدوبارة، أيّ قصر المعتمد البريطاني.
وخلاصة القول في أخلاق تلك الطبقة أنّها لم تتجرّد من الفضائل، بل كان لبعضهم فضائل وملكات طيبة، لكنّهم وقفوا جهدهم لخدمة الملك والإنجليز. والذي يبحث في تطور المزاج السياسي لهذه الفترة -بحسب مؤنس- يلاحظ تغيّر مزاج حزب الوفد بتغير شخصية مصطفى النحاس، فقد أرهقه الخلاف مع مكرم عبيد، وخرج من هذه المعارك متعبًا قليل الثقة بالناس، وتغيرت قاعدة الوفد من عموم الشعب والأفندية إلى الباشوات.
«البلدي» و«الأفرنجي»
ظهر في تلك الفترة نوع من التراتيب التي تربط بين أسلوب الحياة المتدني بأنّه «بلدي»، وأسلوب الحياة الأرستقراطي بأنّه «أفرنجي» (ة)، هذا التمايز وصلت حدّته إلى وجود النجّارين والكوّائين «الأفرنجي» مقابل النجّارين والكوّائين «البلدي»، بل يوجد تمايز في المحامين الشرعيين مقابل المحامين المدنيين أمام المحاكم المختلطة، بل إنّ وصف «الرومي» أيّ «الأوروبي» أصبح يميّز بعض أنواع القطط والكلاب الأليفة التي تستحق وضعها في البيت، أمّا الأنواع «البلدي» المختلفة فلا تُعَدّ جديرة بهذه الصفة. وهكذا انقسمت المدينة بين «بلدي» بسيط ويرتبط بالخشونة والفقر وقلة الذوق، و«أفرنجي» مُولَع بالأشياء الأجنبية ومترف ولديه ذوق راقٍ. لكن الطبقة الوسطى تحاول الركض لتقليد الطبقة المترفة والنخبة العليا، فيظهر نموذج مشوَّه للنموذج الأصلي، وتظهر محلات تُلبي رغبات الأفندية كمحلات «أفيرينو» و«صيدناوي»، وفي مقابل النوادي الأهلية للنخبة تظهر صالات أرخص في الجوار، أو دار من دُور السينما التي ازدهرت في تلك الفترة.
النخبة المصرية في الجراند أوتيل
شاهدتُ أجزاء من المسلسل المصري «جراند أوتيل»، المسلسل تجري أحداثه عام 1950 في مدينة أسوان، حيث يُصوِّر النخبة المصرية في المشتى على ضفاف النيل. تدور الأحداث داخل الفندق، ورغم أنّ هذه الفكرة عُرضَت بلغات مختلفة وبِنُسَخ مختلفة فإنّ السيناريست تامر حبيب «مَصَّرَ» المسلسل، لكن هذا التمصير لم يخلُ من ثغرات، ورغم أنّ المسلسل ينتمي إلى الفئة الدرامية ولا يقدّم تأريخًا للمرحلة، فإنّه يقدّم صورة غير مباشرة لحياة المجتمع ولتاريخ الناس في فترة ما، وهي ما قبل ثورة يوليو.
التشتية خارج التاريخ
يؤدي الاستغراق في دراسة جماعة أو حزب أو طائفة إلى خطر عزلها عن مجريات الأحداث حولها باعتبارها جماعة متفردة وغير متفاعلة، هذا ما لاحظته وأنا أتابع صورة من صور النخبة المصرية، ففي المسلسل نوع من العزل، بما يمكن أن نسمّيه التشتية خارج التاريخ، لا نرى حضورًا للتاريخ في المسلسل، بحيث يغدو التاريخ ديكورًا جماليًّا يُستعان به لإكمال عملية الحنين المزيفة. هنا عودة للأزياء في حقبة الملكية، والسيارات، والفساتين الملونة على طريقة أناقة الأربعينيات، وأجواء من الحفلات الأرستقراطية، لكنّها بلا لحم ودم، والأهمّ من ذلك بلا تاريخ، وأقصد بذلك فصلها عن سياقها التاريخي من الملكية والقصر والديوان إلى صراع الأحزاب، أو حرب 1948، أو حتى المظلومية الاجتماعية التي كانت تغلي قبل انقلاب يوليو، فأسوان وحدها -التي تجري فيها أحداث المسلسل- كانت مقسَّمة بين 13 شخصًا يمتلكون 51% من الأراضي.
تستمرّ عملية فصل الأبطال والنخبة والباشوات عن عالم القاهرة الذي يموج بصراعاتٍ تنتهي بحريق القاهرة، ولا نعثر في نَصّ المسلسل على أيّ إشارةٍ تاريخية لحياة هذا البلد، أي مصر، الذي لا ينشغل أبطاله إلا بمؤامرات الفندق وما يجري فيه من أحداث وما يُحاك فيه من دسائس.
إنّ إغفال اللحظة التاريخية لا يكمل الصورة. ويتجاهل المسلسل انحلال هذه النخبة واستشعار بعض الشخصيات موجة من التغيّرات الاجتماعية قادمة ظهرت بوادرها في نهاية الأربعينيات، ففي عام 1948 نُقل عن الشمسي باشا قوله: «إنّي أنظر إلى المستقبل بتشاؤم، فالبلاد تغلي بالسخط، والطبقة التي أنتمى إليها تتدهور دون أن تدرك تدهورها، إنّها طبقة مترهلة، والملك مستهتر».
حتى النزعات الفكرية التي تصارع في المجتمع يجري إخفاؤها في مسلسل «جراند أوتيل»، فلا يوجد في الحلقات نموذج على شخص ذي منزع إسلامي لهذا التيار الذي بدأ في تلك الفترة، ولا يظهر لنا أيّ أشخاصٍ ممتعضين من مظلومية اجتماعية أو سياسية أو حنق على تقسيم الأراضي والحياة السياسية المتعثرة. إنّ الأبطال يتصارعون في حدودٍ ضيِّقة عبر بوابات الفندق، لكن مصر والخلفية التاريخية لهذا الزمن غائمة بلا صورة حقيقية لها، رغم أنّ عام 1951 شهد دعوات إلى إلغاء معاهدة 1936، وشارك في هذه الدعوات الحزب الوطني، وحزب الفلاح، وحركة أنصار السلام، وبعض المجموعات الشيوعية. ويتجاهل المسلسل أو لا يهتمّ بوضع الأحداث داخل جوّ تاريخي، ففي عام 1950 شهدت البلاد مجموعة من الإضرابات وصلت إلى 49 إضرابًا، وفي عام 1950 أضرب حتى موظفو الحكومة، وقد نظّم الإضراب نقابات العاملين بالحكومة، ومراكز البوليس، والأطباء في المستشفيات الحكومية، وهذا مجرّد مثالٍ على ضَعف الحساسية التاريخية لمن يكتب المسلسلات ولا يعيش جوّ هذه الفترات التي يكتب عنها.


