آراء

سلام ترمب والهيمنة النيوكولونيالية

فبراير 24, 2026

سلام ترمب والهيمنة النيوكولونيالية

حين أعلن دونالد ترمب أنّ غزّة ”لم تعد بؤرة للإرهاب“، لم يكن يصف واقعًا بقدر ما كان يُعلن اكتمال رؤيةٍ سياسية. فالحرب، في منطق الإمبريالية المصدِّقة في الاستحقاق والفوقية، لا تُقاس بنتائجها العسكرية المباشرة، بل بمدى نجاحها في إعادة تشكيل المجال السياسي الذي دارت فيه رُحاها. وبهذا المعنى، فإنّ إعلان نهاية ما يوصف بالإرهاب ليس توصيفًا لوضعية أمنية، بل إعلانًا لانتهاء طورٍ من أطوار العدوان، وبداية طورٍ آخر؛ طور إعادة هندسة الهيمنة.

إنّ الاعتقاد بأنّ القضاء على حركةٍ مسلحة يعني القضاء على المعامِلات التي أفرزتها، هو أحد أكثر الأوهام رسوخًا في المخيلة الإمبراطورية. فالمقاومة ليست بنية عسكرية فحسب، بل هي تعبيرٌ عن اختلالٍ في توازن القوة، وعن حالة نزع سيادةٍ ممتدة. وعليه، فإنّ نزع السلاح لا يُنهي الصراع، بل ينقلُه من طور المواجهة المباشرة إلى طور الهيمنة البنيوية، حيث تُعاد صياغة المجال السياسي نفسه بما يمنع إعادة إنتاج المقاومة. هنا تحديدًا، يصبح السلام امتدادًا للحرب بوسائل أخرى. فما يُطرح اليوم باعتباره خطة سلام، ليس سوى إعادة ترتيب المجال السيادي في غزّة تحت إشرافٍ أمريكي، بما يُنهي من وجهة نظر واشنطن ليس فقط الوجود العسكري لحماس، بل الشروط السياسية التي تسمح بوجود أيّ فاعلٍ سيادي خارج النظام الذي تصبو الولايات المتحدة إلى إعادة تشكيله. إنّ اللجنة التكنوقراطية المقترحة، وقوة الاستقرار الدولية، وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية، ليست أدوات إدارة انتقالية، بل أدوات إعادة إنتاج السلطة ضمن منظومةٍ سيادية جديدة، تُدار من خارج المجال الفلسطيني برمته؛ سلطة ومقاومة وشعبًا. بهذا المعنى، فإنّ ما يجري ليس إنهاءً للصراع، بل إعادة تعريف لمن يملك حقّ احتكار العنف داخله.

لكن أخطر ما في هذه الخطة ليس بعدها الأمني، بل بعدها الاقتصادي؛ بالأحرى النيواستعماري. فالإعلان عن تخصيص عشرين مليار دولار لإعادة إعمار غزّة يبدو، للوهلة الأولى، استجابة إنسانية لحجم الدمار غير المسبوق. غير أنّ إعادة الإعمار، في السياق الكولونيالي، لم تكن يومًا عمليةً محايدة. بل كانت، تاريخيًّا، إحدى أكثر أدوات السيطرة فاعلية. لقد أدركت الإمبراطوريات الحديثة أنّ السيطرة لم تعد تتطلب احتلال الأرض عسكريًّا، بل يكفي احتلال بنيتها الاقتصادية. فحين يُعاد بناء المدن، تُعاد صياغة علاقات القوة داخلها. وحين يُعاد تشكيل الاقتصاد، يُعاد تحديد من يملك القدرة على البقاء، ومن يُدفع إلى هامش التحييد.

إنّ إنشاء ما يسمى منطقة اقتصادية خاصة في غزّة، تحت إشراف دولي، ليس مجرّد مشروع تنموي، بل هو إعادة إدماج القطاع في النظام الاقتصادي العالمي وفق شروطٍ تحددها القوى التي دمرت بنيته أصلا. فالمساعدات، في هذا السياق، لا تُمنح بوصفها تعويضًا، بل بوصفها استثمارًا في نظامٍ جديد من السيطرة. إنّها لحظة التحوُّل من الاحتلال العسكري إلى الاحتلال النيوكولونيالي. فالاحتلال التقليدي كان يقوم على الوجود العسكري المباشر. أمّا الاحتلال النيوكولونيالي، فيقوم على إعادة تشكيل الاقتصاد بحيث يصبح استمرار الحياة نفسها مشروطًا بالامتثال للنظام الجديد. وحين تعتمد إعادة الإعمار على التمويل الخارجي، فإنّ السيادة تتحوّل من مفهومٍ سياسي إلى معادلةٍ مالية. هنا، لا تُحتل الأرض بالأسلحة التقليدية الثقيلة، بل بالقروض، والعقود، والبنية التحتية.

غير أنّ ما يمنح هذه العملية طابعها الإمبريالي الكامل، هو الإطار المؤسسي الذي تُدار من خلاله. إنّ إنشاء ”مجلس السلام“ خارج منظومة الأمم المتحدة لا يمثل مجرّد مبادرة دبلوماسية، بل يعكس تحوُّلاً أعمق في بنية النظام الدولي نفسه. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت الأمم المتحدة، على الرغم من كلّ اختلالاتها، الإطار المؤسسي الذي تُمارس من خلاله القوى الكبرى هيمنتها. أمّا اليوم، فإنّ إنشاء أطرٍ موازية يعكس انتقالًا من الهيمنة المؤسسية إلى الهيمنة التنفيذية المباشرة. وفي هذا السياق، فإنّ منح الاتحاد الأوروبي صفة ”مراقب“ داخل هذا المجلس يحمل دلالة تتجاوز مجرّد الترتيبات البروتوكولية. فهو يعكس إعادة ترتيبٍ داخل البنية الإمبريالية الأمريكية نفسها، حيث تنتقل القيادة من النموذج الإستعماري التعددي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، إلى نموذجٍ أكثر تركيزاً، تتمحوّر فيه السلطة حول الولايات المتحدة وحدها. لقد كان الاتحاد الأوروبي، تاريخيًّا، أحد المراكز التي انبثقت عنها الكولونيالية القديمة. وكانت القوى الأوروبية هي التي صاغت، إلى حدٍ كبير، النظام الدولي الذي تكرّس بعد الحرب العالمية الثانية. غير أنّ تحييده اليوم، وتحويله إلى مجرّد مراقب، يعكس تراجع دوره لصالح نموذجٍ إمبريالي أكثر مركزية. إنّه انتقال من الكولونيالية الأوروبية إلى الإمبريالية الأمريكية الخالصة. وهذا التحوُّل لا يتعلق بغزّة وحدها، بل يعكس إعادة تشكيلٍ أوسع للنظام الدولي. فحين تُنشئ الولايات المتحدة مجلساً موازياً للأمم المتحدة، وتمنح نفسها موقع القيادة الدائمة داخله، فإنّها لا تُعيد تشكيل غزّة فحسب، بل تُعيد تعريف قواعد النظام الدولي نفسه. إنّه إعلانٌ عن نظامٍ عالمي جديد، لا يقوم على التوازن بين القوى، بل على القدرة الأحادية على إعادة تشكيل الواقع.

لكن المفارقة الأعمق تكمن في أنّ هذا السلام، الذي يُطرح باعتباره نهاية للعنف، يحمل في داخله بذور عنفٍ جديد. فالسلام الذي لا يقوم على استعادة السيادة، بل على إعادة تنظيمها تحت إشرافٍ خارجي، ليس سلامًا بقدر ما هو إعادة توزيعٍ للعنف. إنّه ينقل العنف من شكله المباشر إلى شكله البنيوي، حيث يُمارس من خلال الاقتصاد، والمؤسسات، وإعادة تشكيل المجال السياسي نفسه. بهذا المعنى، فإنّ أخطر ما في هذه اللحظة ليس ما تعلنه، بل ما تُخفيه. فحين يُعلن ترمب أنّ غزّة لم تعد بؤرة للإرهاب، فإنّه لا يُعلن نهاية العنف، بل نجاح عملية إعادة تعريفه. لقد انتقل العنف من كونه فعلًا عسكريًّا مرئيًّا، إلى كونه بنيةً غير مرئية، تُمارس من خلال إعادة تشكيل شروط السيادة، أو قل غيابها.

حين تُعاد صياغة الاقتصاد، وتُعاد هندسة المؤسسات، ويُعاد تعريف هوية ممارس السلطة داخل الحيز المدمَّر، فإنّ السيطرة لا تُفرض من الخارج بقدر ما تُزرع في الداخل، وتتحوّل من قوةٍ مرئية إلى بنيةٍ غير مرئية، تتحوّل تدريجيًّا إلى مسَلّمة لا تُناقَش. إنّها لحظة انتقالٍ تاريخي، لا في غزّة وحدها، بل في بنية السلطة العالمية نفسها، حيث لم تعد الإمبريالية تحتاج إلى أن تحتل الأرض كي تحكمها، بل يكفي أن تعيد تشكيل شروط الحياة فوقها. يتحوّل السلام الفلسطيني ومن بعده كلّ سلام من حقٍّ أصيل في التحرر، إلى أداةٍ لإعادة إنتاج السيطرة، ويتحوّل فيها إنهاء الحرب من غايةٍ سياسية إلى تقنيةٍ لإعادة تنظيم المجال بما يمنع نشوء حربٍ خارج منظومة النسق الجديد.

وهنا تحديدًا، تتكشف المفارقة الأكثر قسوة؛ أنّ ما يُقدَّم باعتباره نهايةً للصراع، قد يكون في حقيقته تثبيتًا لشروطه المراد استدامتها. أن يُعاد تعريف الواقع بحيث يصبح استمرار النظام الذي أنتجها أمرًا طبيعياً. ولعلّ هذه هي الحقيقة التي لا يُعلنُها مجلس السلام، ولا يستطيع أن يُعلنَها. أنه ليس نهاية الحرب، بل ذروتها الأكثر بشاعة.

شارك

مقالات ذات صلة