Blog
ضحى عبد الحميد السطم
في عام 1994 تقريباً، أوجد العالم والمؤرخ الهندي البريطاني هومي ك. بهابها نظرية ما بعد الاستعمار التي تُسمى The Third Space أو ما يقابلها باللغة العربية: المساحة الثالثة، وهذه النظرية تخص أفراد مجتمع انتقلوا لمجتمعٍ ثانٍ غالباً مختلف وغريب عن هويتهم الأولى، فأصبحوا يقفون في مساحة ثالثة ليست محايدة وإنّما رمادية، مساحة هي ليست الأولى مثل هويتهم الحقيقية ووطنهم الأصلي، وليست الثانية مثل البلد الذي يعيشون به، وإنّما أرض فارغة تدمج كلا الثقافتين والمجتمعين ليتكوّن لدينا ثقافة هجينة لا يتقبلها طرف ويضطر الفرد ذو المساحة الثالثة أن يعيشها. لكن ما علاقة هذه النظرية بالسوريين المغتربين والذين عاد بعضهم إلى سوريا بعد التحرير بينما بقي بعضهم حيثما هم؟
أولاً: علينا أن نفهم بأنّ هؤلاء السوريين المنفيين يعيشون في هذه المساحة الثالثة البعيدة، ترى السوري الذي عاش في أوروبا ينتمي لقوانين البلد الأجنبي، ومع الوقت يتأقلم مع حياة السرعة والمادة والاستهلاك التي يعيشونها، فنجد أنّه يستغرب بل ويستنكر حالة “انعدام الخصوصية” كما قد يُطلق عليها، وهي حالة طبيعية بين العوائل أو الجيران في سوريا التي نعرفها، فتراه يندهش من الولائم والعزائم والأصوات والضجيج غير المعتاد عليها، فهو بالنهاية تعايش مع حالة الخصوصية الزائدة في المجتمع الأوروبي لدرجة أنّه اعتاد على العزلة والوحدة، لكن في نفس الوقت ونفس هذا الفرد نجده يستنكر ثقافة الأنانية في المجتمعات الغربية، أو يتعجب من اقتسام الفاتورة مع أقرب صديق، أو عدم وجود حدود أخلاقية أحياناً، وهنا نرى بأنّ المجتمع الغربي لا يتقبل هذا الفرد ويعتبره دخيلاً غريباً عليهم، لكن هو في النهاية ربط بين الثقافتين وكوّن مجتمعاً جديداً في مساحة جديدة.
أو مثلاً حين نرى السوريين في تركيا، نلاحظ أنّهم يحاولون ملاءمة الجو التركي العام، فيقلدون بعض العادات ويسايرون بعض القوانين، لكن في نفس الوقت نجدهم متكورين على أنفسهم يرفضون ترك بعض العادات البالية السورية القديمة بل ويمارسونها بطريقة فاضحة كما لو أنّهم يتمردون على المجتمع التركي بإظهارها. هذا كلّه يثبت أنّهم يعيشون في تلك المساحة الخاصة بهم، ينتمون لها، ويتربون بها ويتأقلمون معاً فيها، كما لو أنّ هذه المساحة أصبحت مجتمعاً جديداً ذا ثقافة جديدة مع لغتين مختلفتين.
اليوم، وبعد أن تحررت تلك البلد التي خرجوا منها معظم أهلها مضطرين، قرر بعضهم العودة إليها ومتابعة حياتهم فيها حتى لو كان هذا يعني زراعة الجذور من البداية وتأسيس حياة كاملة من الصفر، لكن.. وللمفارقة اللطيفة، أنّهم لن يعودوا لها سوريين كما يظنون، وإنّما سيلاحظون الفوضى التي خلّفتها أعوام الحرب ويستنكرونها، سينتقدون بعض المؤسسات والأنظمة الغريبة، سيتفاجؤون من تصرفات بعض السوريين المقيمين وانتماءاتهم الغريبة لعادات سيئة بالنسبة للسوريين القادمين من الخارج، ستُرهبهم حافلات النقل العمومي ويُصدمهم منظر النفايات في الشوارع ويحزنهم مدى العدوانية في تصرفات الشباب المقيمين، سيحاولون التسلل نحو هذا المجتمع بذاتهم الجديدة المختلفة، وسيدهشهم أنهم سيُنبَذون! لأنّ المجتمع السوري الذي لم يخرج قط، سيرى أنّ الحياة التي يعيشها طبيعية والثقافة التي يقتات عليها عادية بل هي هويتهم الحالية المتمسكين بها، وقد يكرهون أيّ شخصٍ قادم من الخارج ويعتبرون أنّه يفرض عليهم ما يظنّه هو تصرفات حضارية، سيعاملون هذا القادم كما لو أنّه مستعمر سوري جديد! ولو قرر هذا المسكين تجنب هذا الرفض الكامل من دولته سوريا، وأن يستقر في هذا البلد الجديد الذي احتضنه أيام سنوات الحرب العجاف، ستلاحقه سياسات هذه الدولة التي تعتبره الآن دخيلاً متطفلاً ذو ثقافة غير مرغوب فيها، وستلاحقه النظرات العنصرية، وستكون الأولوية لصاحب هذا البلد في التقديم على عملٍ أو دراسة، وسيظلّ هو اللاعب الاحتياطي الموجود اسمه في آخر القائمة.
يحزنني حقاً أننا نعيش اليوم ضمن هذه المساحة، ونحن أكثر من نعرفها، السوري الذي تغرب وعاش في المنفى وتحمّل أنواع مختلفة من الاضطهاد، يُحكم عليه فجأة بأنّه غريب في بلده ومجتمعه، ويرفض هذا الوطن أن يضعه في حجره، يحاول التأقلم مع أغراب اللغة والدين والهوية فيجدهم يعتبرون تعايشه “تنصّلاً من الهوية السورية”، ثمّ نجده يركض نحو وطنه فيخلق المجتمع السوري آلية دفاعية ويخبره بأنّه ليس فوقهم ولا أعلى منهم ولن يتعلموا من “الهارب من الوطن” بعض العادات المدنية الحضارية. نحن لسنا بصدد منافسة بعض وسؤال من السوري الذي عاش أقسى الأحوال في الحرب؟ فهذا السؤال غير صائب أخلاقياً أو منطقياً، لكن أليس الأمر مضحكاً بسبب مرارته؟ يوصم هذا المسكين بعبارات مهما كان قراره، فلو اختار الرحيل سيكون خائن البلد وعديم الانتماء، ولو قرر العودة سيصبح الجبان الآتي من المكان الآمن والذي لا يعرف معاناة شعبه. فيا ترى.. ما الذي سيفعله فرد المساحة الثالثة؟ هل سيبقى في مساحته رمادياً أم يقرر أن يفتتح مساحة رابعة تخالف الجميع مجدداً؟



