مدونات
هدى الحراكي
في سوريا، يظلّ رمضان شهر العبادة والصوم، لكنّه لا يخلو من “البهارات” الاقتصادية التي تضيف طعماً مريراً للوجبات الرمضانية، لا يُعتبر الشهر الفضيل مجرّد فرصة للتقوى والرحمة، بل هو موسم لرفع الأسعار على كلّ شيء، حتى اللحوم والدواجن أصبحا من الكماليات التي يفكّر فيها المواطن السوري قبل أن يقرر أن يقتات على هواء الشهر المبارك.
اللحم والدجاج : رحلة البحث عن الكيلو
إذا كنت من المحظوظين الذين تمكنوا من العثور على كيلو لحم في الأسواق، فاعلم أنّك قد دخلت مرحلة جديدة من الرفاهية في سوريا وصل سعر كيلو اللحم البقري إلى 140 ألف ليرة سورية، هذا إذا كنت لا تتساءل إذا كان اللحم قد تمّ “استيراده من الفضاء”! أمّا إذا كنت تفضل الدجاج، فاستعد لدفع 75 ألف ليرة سورية للكيلو الواحد، الواقع أنّ اللحم والدجاج لم يعودا من السلع اليومية التي يمكن للجميع الحصول عليها، بل تحوّلا إلى “أحلامٍ مستحيلة”، حيث يكتفي معظم السوريين بإضافة “الهواء” إلى وجباتهم، لأنّ الأسعار أصبحت خارج المنطق، بل أقرب إلى خيالٍ علمي المواطن السوري والذي بات يتساءل: هل هو في برنامج “الأسعار المدهشة” أم أنه وقع ضحية لسيناريو حزين في دراما الاقتصاد؟
السكر والزيت: رحلة في “مملكة التضخم”
إذا كنت تفكر في إضافة السكر أو الزيت إلى طعامك، فأنت على وشك الانضمام إلى “نادي النخبة” في سوريا. لأنّ السكر الآن يباع بـ 20 ألف ليرة سورية للكيلو، وهو ما يجعلك تشعر كأنّك تطلب تذاكر سفر إلى المريخ، أما زيت الزيتون فيباع بـ 70 ألف ليرة سورية للتر الواحد، وقد أصبح أغلى من النفط ذاته! نعم السكر والزيت كانا من الأساسيات التي تُستهلك بكثرة في رمضان، أمّا الآن فأصبح الحصول عليهما أشبه بمغامرة قد تؤدي بك إلى الديون بدلاً من العشاء .
إنّها مملكة التضخم حيث الأسعار تتسلق إلى قممٍ جبلية، والمواطن السوري يُجبر على تعلم كيفية التنفس في خضم هذه الموجات الاقتصادية العاتية هل كان من الصعب جداً أن تتخيل أنّ السكر والزيت يمكن أن يصبحا رفاهية؟ اليوم أصبح ذلك حقيقة مريرة.
الغاز: أسطوانة نادرة… في عالم لا يُصدق
إذا كنت تتمنى أن تضع الغاز على النار لإعداد وجبة الإفطار في رمضان، فأنت محظوظ إذا تمكنت من إيجاد أسطوانة غاز في هذه الفترة! نعم في وقتنا الحاضر أصبح الحصول على أسطوانة الغاز في سوريا أكثر صعوبة من العثور على كنزٍ ضائع وأصبح المواطن السوري يبحث عنها في كلّ زاويةٍ وركن، دون أن يحصل عليها إلا بعد رحلة شاقة ومكلفة قد تأخذ من وقته أكثر ممّا تأخذ من جيبه.
هل نبالغ؟ ربما، لكن الحقيقة أنّ الغاز أصبح اليوم حلماً أكثر من كونه حاجة أساسية بل إنّ الحصول على الغاز في هذا الشهر الكريم قد يُعتبر إنجازاً استثنائياً، مثل الفوز في مسابقة “من يحظى بأسطوانة الغاز”، حيث عليك أن تخرج من منزلك في الساعة الخامسة فجراً للوقوف في طابور طويل وتخوض معركة مع من سبقوك للحصول على الأسطوانة.
مديرية التموين : “راحة حكومية… وبحث عن الحلول في الفضاء”
أمّا إذا كنت تتساءل عن مديرية التموين، فدعني أخبرك أنّها على ما يبدو في “إجازة” طويلة جداً، وربما أوسع من الراحة النفسية التي يمر بها تجار اللحوم والدواجن في هذا الشهر لا شيء يدعو للقلق في الأسواق فالأسعار تتصاعد بشكلٍ يومي، ولا رقابة حقيقية من الجهات المسؤولة.
إنّ مديرية التموين بدورها غائبة، حيث لا رقابة على الأسعار ولا معاقبة للتجار الذين يرفعون الأسعار كما يشاءون، السوق في حالة فوضى، والتجار يسيرون بدون رقيب، كما لو أنّهم حصلوا على “ترخيص استثنائي” لرفع الأسعار دون خوف من أي محاسبة.
التجار: “رمضان موسم للربح السريع”
في هذا الشهر، أصبح تجار اللحوم والدواجن يتعاملون مع الأسعار وكأنّها أرقام تتزايد في لعبة لا وجود لأيّ رحمةٍ أو تفكير في حالة المواطن السوري، بل كل ما يهمهم هو زيادة أرباحهم يتسابقون لرفع الأسعار في هذا الشهر الفضيل، ويبدو أنّهم لا يكترثون بمصير أولئك الذين لا يملكون القدرة على شراء حتى الخبز.
“الربح السريع” هو شعارهم في رمضان هذا العام، في وقتٍ يمضي فيه المواطن السوري أيامه في البحث عن أقل سبل العيش وليس بعيداً عن الواقع، يبدو أن التجار في سوريا اعتقدوا أنّ رمضان هو موسم استثمار في “آلام المواطن”.
الليرة السورية: “شبح يُطارد المواطن يومياً”
وفي النهاية، لا يمكن أن نتحدّث عن هذه الأزمات دون الإشارة إلى الليرة السورية، التي أصبحت اليوم في حالة من السقوط الحر مع تدهور العملة بشكل متسارع، تحوّلت الأسعار إلى أرقام تفوق التصور المواطن السوري اليوم يشعر كما لو أنه يلاحق سراباً في عالم الأسعار الجنونية، حيث كلّ شيءٍ أصبح بعيد المنال.
إنّه لمن المؤسف أن نصل إلى هذه الحالة، حيث يتحوّل المواطن إلى شخصٍ يبحث عن الأمل في طعامه واحتياجاته اليومية، بينما يتمّ استغلاله في وضح النهار من قبل أسعار فاقت الحدود.
خلاصة الفاتورة الرمضانية
إذا كنت تظنّ أنّ رمضان هو شهر للرحمة والمغفرة، فلا بدّ أن تكون قد نسيت أنّ هذه “الرحمة” لم تصل بعد إلى أسعار المواد الأساسية في سوريا، اللحوم و الدواجن أصبحت كائنات نادرة، الغاز أصبح حلماً مستحيلاً، والأرز والسكر والزيت سلع ترفيهية من طراز “اللا متاح”.
بينما يتنعم التجار بأرباحهم الطائلة، يعاني المواطن السوري في صمت، يبحث عن الأمل في قلب “أسواق الفوضى”، ويخوض معركة “النجاة اليومية” في ظلّ هذه الأسعار المدهشة.

