Blog
الكاتب: عادل العوفي
تناقلت كتب التاريخ، وتوّجت عن جدارة واستحقاق شخصية “أبي رغال” رمزًا للخيانة لدى العرب. ومن هذه الشخصية استلهمنا اللقب، وأصبحنا نطلقه على كلّ خائن وعميل ابتُليت بهم هذه الأمة في مختلف الأزمنة والعصور. لكن دعونا نتخيل لو عاش “أبو رغال” بيننا في العصر الحالي، هل كان سيقوى على الاحتفاظ والذود عن “لقبه” المخزي وسط معركة حامية الوطيس يخوضها كثيرون لمنافسته وانتزاع الصدارة منه بأفعال لا تقل خسة ودناءة عن فعلته الشنيعة تلك؟
المؤكد أنّنا كنّا سنصطدم بـ”جيوشٍ إلكترونية” مهمتها الدفاع عن فظاعة “أبي رغال”، بل والتهليل لما تصفه بإنجازاته العظيمة في سبيل إعلاء راية الحق والحقيقة. فنحن اليوم نعيش زمنًا انقلبت فيه الآية، وأصبحت أصوات الباطل، رغم نشازها، تنهق في كلّ مكانٍ لتشوش وتلعب لعبتها المعروفة في التمويه والخداع. لكن قبل مواصلة الإبحار في خيال الربط بين الماضي والحاضر، لا بدّ من التذكير بشخصية “أبي رغال” وكيف تبوأ هذا الموقع المتشح بالعار.
المهمة الوضعية: دليل أبرهة الحبشي
تعود القصة إلى عام الفيل، في الواقعة الشهيرة المذكورة في القرآن الكريم، حين جاء “أبرهة بن الصباح الحبشي” لهدم الكعبة سنة 571. فبعد أن تمكّن الإثيوبيون من هزيمة آخر ملوك الدولة الحميرية، المسمى “شميفع أشوع”، وأحكموا قبضتهم على صنعاء واتخذوها عاصمة لليمن، بنى “أبرهة الحبشي” بيتًا من الذهب أسماه “القليس” —سُمي بذلك بسبب ارتفاعه— ليكون قبلة للعرب ومكانًا للحج بدلًا من الكعبة. لكنّه اصطدم برفض الناس زيارة هذا المكان، وإصرارهم على مواصلة الحج إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة.
عندها قرر التوجه بنفسه إلى الكعبة لهدمها، لكنه لم يكن يعرف الطريق المؤدي إليها، فبدأ البحث عن دليل عربي يرشده إلى مكة. ورغم محاولاته إغراء العرب بالمال، رفض كثيرون السير إلى جانب جيش أبرهة، الذي كان يتقدّمه الفيل الضخم، باستثناء شخص واحد وافق على تولي هذه المهمة، وهي المهمة التي جعلت منه رمزًا للخيانة والعار، وهو “أبو رغال الثقفي”.
وتوجد روايات متضاربة بشأن السبب الرئيسي لتوجه أبرهة نحو مكة. فمنها ما يذكر أن أعرابيًّا تغوط في “القليس” يوم افتتاحه. بينما جاء في تفسير القرطبي (ج 20 – ص 187) وصف مختلف للواقعة، إذ ذكر أنّ أبرهة بنى هيكلا على ساحل البحر أسماه “القليس” بصنعاء، وأنّ فتية من قريش خرجوا تجارًا إلى أرض النجاشي، فنزلوا قرب الهيكل وأوقدوا نارًا لطعامهم، ثمّ ارتحلوا، فهبت ريح عاصفة وأضرمت النار في البناء فاحترق. فلما بلغ الخبر النجاشي غضب غضبًا شديدًا، فجاءه “أبرهة بن الصباح”، و”حجر بن شرحبيل”، و”أبو يكسوم الكندي”، وتعهدوا له بإحراق الكعبة وسبي مكة. وكان النجاشي هو الملك، وأبرهة قائد الجيش، وأبو يكسوم نديم الملك، وحجر بن شرحبيل أحد قواده، فساروا ومعهم الفيل.
ويذكر الطبري في تاريخه أنّه مع تقدّم جيش أبرهة واجه قبيلة “ذو نفر”، التي دخلت معه في معركة شرسة دفاعًا عن البيت الحرام، لكن الغلبة كانت لأبرهة الذي واصل طريقه حتى بلغ بلاد “خثعم”. وهناك خرجت له القبائل بقيادة “نفيل بن حبيب الأكلبي الخثعمي”، فهزمهم وأسر قائدهم. ثمّ وصل إلى الطائف، حيث خرج إليه “مسعود بن معتب بن مالك” من رجال ثقيف، وقال له —كما ورد في كتب التاريخ—:
“أيها الملك، إنّما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد —يقصدون اللات— إنّما تريد البيت الذي بمكة، ونحن نبعث معك من يدلك عليه.”
فتجاوز عنهم، وبعثوا معه أبًا رغال ليدله على الطريق إلى مكة.
وفي الطريق إلى مكة، وتحديدًا في منطقة تُسمى “المغمس” قرب عرفة ومزدلفة ومنى، توفي “أبو رغال”، حيث يُقال إنّه أصيب بمرض شديد أنهكه، فلم يتمكن من مواصلة المسير مع جيش أبرهة، ومات قبل أن يكمل معهم الطريق. ودُفن هناك، وظلّ قبره يُرجم من العرب بعد أداء الحج، قبل ظهور الإسلام.
“أبو رغال”في عصر “الترند”
هذه هي قصة “أبي رغال” كما روتها كتب التاريخ. لكن الأيام كشفت أنّ هذه الشخصية لم تغب، وأنّها لا تزال حاضرة في عصرنا الحالي، ليس كشخصٍ، بل كفكرةٍ لم تمت. لقد أصبحنا نعيش زمن “الأحفاد” الذين يسيرون على النهج ذاته، والدليل ما عشناه لأكثر من عامين في الحرب التي تعرض لها أبناء قطاع غزّة، حيث بلغ العجز حد عدم القدرة حتى على إدخال كسرة خبز أو قنينة ماء لإغاثة المحاصرين والمجوعين.
والأدهى من ذلك أنّنا نشهد كيف انتفض العالم بأسره، واحتل اسم غزّة الميادين وباحات الجامعات بمختلف اللغات، في حين صدرت من ذوي القربى شعارات مضللة ومسيئة، تبرر وحشية وجرائم الكيان الصهيوني، وتعلن الاصطفاف في خندقه دون حياءٍ أو خجل.
من هذا المنطلق، يصبح استحضار سيرة “أبي رغال” ضرورة، ليس بوصفه مجرد شخصية تاريخية، بل كرمزٍ دائم يذكر الأجيال الجديدة بأنّ خنجر الخيانة ظلّ موجها في الظهر منذ الأزل، وأنّ ما يحدث اليوم ليس إلا امتدادًا لما سبق. فهذا النمط لم ينقرض، بل لا يزال يتكاثر بأوجه مختلفة، وسيظل كذلك حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها.




