مدونات
الوعي
بعض المواقف التي نتعرّض لها تكن كالمرآة التي تنعكس فيها ذواتنا، فمن خلال هذه المواقف وتفاعلنا معها تتكوّن صورتنا الحقيقية عن أنفسنا .
وهنا يكمن مدى الوعي بالنفس و دواخلها و سرائرها، و كيف تتعامل معها بناءً على التجربة بالموقف.
يُحكى أنّ في عيادة طبيب
حدث تناوش مع الطبيب بشأن نوع العلاج، وإذا به ينفعل لمجرّد اقتراح دواء آخر، فإذا به يحتد ويشتد و أخذ الحديث منحنى هذا شأنكم !، وأنا غير مهتم!!
لحظات صمت و هدوء و إذا بالرفيق الموجود يوضّح أنّ من تتحدّث هي طبيبة، و على دراية بما تقول فهي من خلفيةٍ طبية.
هنا اتخذ الحديث مجرى آخر ونبرة الصوت هدأت و لغة حوار نقاشية بطابع طبي متحضر.
بالإضافة لاعتذار الطبيب لحدوث هذا التصادم الانفعالي، وجبر الخواطر على الله.
تفهّمت موقف الطبيب هو يدافع عن مجاله وسنوات خبرته و ما تدرّج فيه من العلم و الدراسة، و كذلك المتناوش معها هي تدافع عن أمانة أمّنها الله عليها (الجسم)، وبالطبع معرفتها ما يضره وما يفيده بالتجربة.
حينما وجدت الأرضية المشتركة
تساءلت حينها، هل هذا التفاهم الذي حدث لوجود أرضية مشتركة؟ قاعدة ثابته انطلقنا منها، لذلك سَهُل التوصل لتفاهم؟ أم هي اللغة الطبية؟ أم الهدوء المقابل العاصفة مع التوضيح؟!
ترويت قليلًا متسائلة، هل الأرضية المشتركة أولًا أم التفاهم أولًا؟ حيرة !!
لم يسعني سوى إسقاط هذه الأسئلة على واقعٍ نعيشه و نتقلب فيه.
نحن من نقف على أرض شاسعة مشتركة وتقاطعات متعدّدة و لغة متميّزة ودين يقول: “كالبنيان المرصوص“.
فما الذي غاب لنغيب؟
غياب الهدف و المعنى، تعرج الطريق، دواخل النفوس، نزغ الشيطان و تسابق على الدنيا، فألهانا التكاثر في كلّ شيءٍ ليأخذنا في تيهٍ كتيه بني إسرائيل، قد لا نستفيق منه إلا ونحن على فراش الموت.
فسورة التكاثر تحذّر وتليها سورة العصر تؤكد، فاللّه سبحانه و تعالى ينبّهنا و ينذرنا بأنّ الوقت ضيّقٌ، والعمر قصيرٌ، والإيمان مع السعي مطلبٌ.
لو أدركنا كلّ هذه المعاني بنوايا خالصة للّه و متابعة لخير الخلق كلّهم صلّى اللّه عليه وسلّم، لعقد الكلمة و شد الوثاق.
لانبسطت الأرض المشتركة ولتهيأت أسباب القوة، وكان الرشد على بصيرة.
قد يبدو هذا الكلام تنظيرًا و لكن لنا في سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الهدي و المنهاج، فغزوات الرسول الكريم، ومنها أحد علّمتنا العِبر جميعها،* إنّ عصيان اللّه و رسوله و اتّباع الهوى والانشغال بالدنيا و التنافس عليها *مآلهم الخسارة وهم الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا وبين ظهرانيهم الرسول الموحى إليه، فهي سنة اللّه في الكون.
من أنفسنا
و نزلت الآيات بسورة آل عمران” أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
إذن فهو من أنفسنا التي بين جنبينا، و بصلاح هذه الأنفس و تخليتها من كلّ ضغينة تبعدها عن ربها و تحليتها بكلّ ما يقرب وصالها بالرحمن الرحيم هو سبيل و سعي يجعل التراص أيسر والتلاحم أقوى والود أصل.
آياتٌ كثيرة بالسورة تحدّثت عن الغزوة، و تناولتها بشكلٍ مفصل لنتعلّم ونتربى فتكون خطواتنا راسخة بإيمان صادق وحكمة يؤتيها اللّه لمن يشاء و يرضى.
بالعودة للطبيب
ربما إذا كانت البداية مختلفة بالتوضيح المسبق و بيان الأسباب قبل سوق الاقتراحات للطبيب، لكان أكثر مرونة و تقبلًا للنقاش، و لاستدركنا الكثير من الوقت و الجهد.
لكن لا بأس هكذا نتعلّم و نتبين و نفهم، و تركنا الطبيب بهدوءٍ وسلامة صدر لا ضغينة ولا تقليل من شأن أحدنا للآخر.
