مدونات

الدراما والسلطة.. من التزوير إلى النقد المستقل

فبراير 18, 2026

الدراما والسلطة.. من التزوير إلى النقد المستقل

 أحمد الياماني

قبل كلّ موسم رمضاني، كانت الدراما السورية مسرحاً سياسياً قائماً بذاته، حيث اختلط الفنّ بالسلطة، والخيال بالواقع بطريقة منحازة. قبل سقوط النظام، كانت بعض المسلسلات تقدّم مناطق المعارضة كمساحات فوضى، ونصف عناصرها بالإرهاب، بينما كان الجيش الحر يصوَّر كتهديدٍ دائم للمجتمع. لم يقتصر الأمر على هذا؛ فقدّمت بعض الأعمال الفنية مواقف تقلّل من معاناة المدنيين أو تسخّر من الأحداث الكارثية، مثل “القصف الكيماوي” الذي طال الغوطة وريف دمشق، وهو ما يُظهر المسافة الكبيرة بين الفن والواقع الإنساني.

في هذا المناخ، لم يكن للفنانين حرية كبيرة، فالدراما كانت أداة لصياغة الرواية الرسمية، وإعادة إنتاج الخطاب الرسمي في كلّ مشهدٍ وحوار. أيّ خروج عن هذا الخطّ كان محفوفاً بالمخاطر، لذلك اختار القليل من الفنانين التجرؤ وتحدي الخطّ الرسمي والبحث عن الحقيقة.

التحوّل بعد سقوط النظام

مع سقوط النظام، تغيّر المشهد الفني فجأة. أصبح الحديث عن المعتقلين، المغيبين، المدنيين المتضررين، وقصص الانتهاكات جزءاً من الخطاب الفني الجديد. تحوّل بعض الفنانين الذين كانوا جزءاً من السردية الرسمية إلى التركيز على معاناة المدنيين وتوثيق أحداث سابقة لم يكن يمكن الاقتراب منها.

لكن التحوّل لم يكن دائماً صادقاً. كثيرون اعتمدوا على إعادة تموضع سريع و التكيف مع الظروف، والتماشي مع ما يمكن أن يُسمّى مصطلح  “التكويع”، أيّ تعديل الموقف وفق مصالح شخصية أو لتجنب التعرض للمساءلة، دون الاعتراف بخطأ ماضيهم أو مواجهة الآثار السلبية للأعمال السابقة. هذه الظاهرة ليست مجرّد اختلاف في اللغة أو اللهجة، بل انعكاس لطبيعة الصناعة الفنية التي كانت محكومة بالرقابة والسلطة والتمويل.

الدراما أداة تشكيل ووعي

الدراما ليست انعكاساً محايداً للواقع، بل أداة فعّالة لتشكيل الوعي الجماعي. عندما تُصوّر مدينة بأكملها مساحة فوضى، أو يُختزل المعارض في صورة العدو، فإنّ ذلك يعيد توجيه التعاطف ويخلق تصوراً منحازاً للواقع. الفنان يتحمل مسؤولية ليست فقط على مستوى الأداء التمثيلي، بل على مستوى أثر عمله على المجتمع.

بعد سقوط النظام، أصبح التحدي أمام الدراما السورية في تقديم سرديات متعددة الأصوات، تعكس الواقع المعقد، وتتيح مساحة لفهم التجارب الإنسانية المختلفة، بعيداً عن” التكويع” أو الانخراط في خطابٍ مؤقت وفق المصالح. القدرة على الصدق الفني، ومواجهة الماضي بجرأة، أصبحت معياراً رئيسياً لقياس قيمة أيّ عمل، لأنّ كلّ مشهد وكلّ حوار يترك أثراً في المخيلة الجمعيّة ويعيد تشكيل المفاهيم حول السلطة والمجتمع.

الاستثناءات الجريئة: حداد ورضوان

في هذا السياق، تبرز استثناءات فنية واضحة تعكس قيمة الدراما عندما تقدّم بأقلام حرة ومستقلة، وكان لها تأثير واضح على الثورة السورية وتاريخها.

في رمضان، من أبرز الأعمال:

  • “السوريون الأعداء” لفواز حداد، مسلسل قادم مبني على رواية تحمل نفس الاسم. تناول حداد بنية المجتمع السوري وأثر السلطة على المواطنين، مقدماً تحليلاً تاريخياً دقيقاً للوصول إلى فهم الواقع الذي حاول النظام فرضه. المسلسل القادم يُظهر كيف يمكن للدراما أن تكون أداةً  تاريخيّة قوية، بدلاً من أن تكون مجرّد مرآة لتبرير السلطة أو السخرية من المأساة.
  • “الخروج من البئر” لسامر رضوان، والذي يواصل تقديم أعمال جريئة بعد أعماله السابقة مثل “الولادة من الخاصرة” و”ابتسم أيها الجنرال”. رضوان يقدّم رؤية نقدية معمقة للسلطة والمجتمع السوري، مع مزيج من الرواية التاريخية والتحليل الاجتماعي، محافظاً على استقلالية فنية واضحة، بعيداً عن أيّ مجاملةٍ أو تماشٍ مع مصالح شخصية أو تيار سياسي مؤقت.

يُعد هذان العملان نموذجاً للكُتّاب الذين اختاروا مواجهة النظام الساقط  بشجاعة الحقائق، والتمسك بمصداقية النقد الفني، والتعامل باستقلالية مع الواقع السوري المعقد؛ فتحدوا الاستبداد رغم الضغوط السياسية والملاحقات والتهديدات. وبينما قدّم أحدهما رواية جريئة تُعد شهادة تاريخية حية، كانت أعمال الآخر شعلةً ساهمت في استنهاض الشعب السوري ضد الظلم.

 

المراجعة مقابل “التكويع”

التحوّلات في مواقف بعض الفنانين بعد سقوط النظام تكشف الفرق بين المراجعة الصادقة و”التكويع”. المراجعة الصادقة تتطلّب شجاعة في الاعتراف بالأخطاء السابقة، وفهم تأثير الأعمال على المجتمع، والتفاعل مع النقد والمجتمع، بينما “التكويع”  هو مجرّد تعديل للمواقف حسب الظروف الجديدة، مع الحفاظ على الشكل فقط دون مواجهة حقيقية للماضي.

هذه الفروق تحدد قيمة أيّ عمل درامي، ليس فقط كفنّ، بل وثيقة تاريخية تعكس المجتمع والسياسة والتاريخ. الجمهور يمكنه التمييز بين من اختار المصداقية وبين من اختار البقاء ضمن دائرة الأمان، بغض النظر عن النجاح التجاري أو الشهرة الإعلامية.

 تحدي الدراما السورية

اليوم، أمام الدراما السورية فرصة لإعادة تعريف نفسها. يمكنها أنّ تبني سرديات متعددة الأصوات، تعكس الواقع المعقد، وتقدم الأعمال بموضوعية وجرأة، بعيداً عن أيّ تكويع أو مصالح شخصية. التحدي يكمن في الاستفادة من الحرية الجديدة لتقديم حكايات صادقة عن المجتمع، والمأساة الإنسانية، والتاريخ السوري الحديث، دون تحويلها إلى مادة تجارية أو وسيلة لتبرير الماضي.

الدراما السورية بحاجةٍ إلى تأسيس صدق فني جديد، يعتمد على الجرأة في مواجهة الماضي، وفهم عميق لبنية السلطة وعلاقاتها بالمواطنين. وحدها الأعمال المستقلة والجريئة، مثل أعمال فواز حداد وسامر رضوان، يمكنها أن تشكّل مرجعاً حقيقياً لفهم التجربة السورية، وتعكس ما بين السلطة والفن، وما بين الواقع والخيال، بعيداً عن أيّ تحريف أو ” التكويع”.

 

 

شارك

مقالات ذات صلة