Blog

ما مصير السويداء بعد اتفاقية دمشق وقسد؟

فبراير 17, 2026

ما مصير السويداء بعد اتفاقية دمشق وقسد؟

أنس حوى 

 

مجدداً تتجه الأنظار نحو مدينة السويداء، فمع إعلان توقيع اتفاق 29 كانون الثاني 2026 الموقّع بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ودخوله حيّز التنفيذ في عدد من المناطق، يُتوقع أن تكرّس دمشق جهودها لمعالجة ملف السويداء بوصفها إحدى أبرز بؤر التوتر المتبقية في البلاد. غير أنّ هذا المسار يواجه تعقيدات مركبة؛ إذ لم تعد قضية السويداء شأناً داخلياً يقتصر على أطراف محلية، بل تطورت تدريجياً بدفع من القيادات الدينية ومليشياتها المسلحة إلى ملف ذي أبعاد إقليمية يرتبط بحسابات أمنية حساسة لكلّ من الأردن وإسرائيل.

وفي هذا السياق، باتت المحافظة حاضرة في اتصالات وتحركات دبلوماسية هدفت إلى احتواء الأزمة ومنع تدهورها، كان من بينها اجتماع عمّان في 16 أيلول 2025 الذي ضمّ الأردن والولايات المتحدة وسوريا، وسعى إلى وضع خارطة طريق للحل ضمن إطار يحفظ وحدة سوريا ويأخذ في الاعتبار الهواجس المحلية. وانطلاقاً من تداخل العوامل الداخلية مع القيود الإقليمية، تبدو فرص الاحتواء التفاوضي أقرب من سيناريو الحسم العسكري، رغم استمرار عوامل التوتر.

كما أنّ التفاهمات الجارية في شمال شرق سوريا، خاصة ما يتعلّق بوضع “قسد”، قد تؤثر في طريقة تعامل دمشق مع ملف السويداء، في ظلّ ترابط أولويات الأمن الداخلي مع الضغوط الإقليمية.

 

الحسابات الأمنية الإسرائيلية في الجنوب السوري

عقب سقوط النظام السوري ووصول فصائل المعارضة إلى دمشق، شنّت إسرائيل مئات الغارات على مواقع عسكرية داخل سوريا، تلاها تسيير دوريات في المنطقة العازلة والتمركز فيها. ومع تصاعد النقاش حول الترتيبات الأمنية في الجنوب، سعت تل أبيب لتبرير خروقاتها باعتباراتٍ أمنية وبذريعة حماية المكوّن الدرزي، لتصبح السويداء تدريجياً أحد الملفات المطروحة ضمن المفاوضات المباشرة مع دمشق.

وتعتمد إسرائيل في مقاربتها على مجموعة من المخاوف المتعلّقة بمستقبل البيئة الأمنية في سوريا. فهي تسعى لضمان حدود آمنة خالية من مليشيات مدعومة من إيران أو عناصر حزب الله، والضغط على دمشق لمنع أيّ حضورٍ لحركة “حماس” داخل الأراضي السورية. كما تعتبر إسرائيل ملف الدروز قضية مهمة داخلياً، كونهم جزءاً فعّالاً في المجتمع والجيش الإسرائيلي، ما يجعل التخلي عن دروز سوريا أمراً مكلّفاً سياسياً، ويدفعها للبحث عن ترتيبات تحمي خصوصيتهم وتضمن تماسكها الداخلي وسمعتها أمام حلفائها.

ويتجاوز القلق الإسرائيلي هذه الاعتبارات إلى هاجسٍ أوسع بعد هجمات السابع من أكتوبر، إذ تخشى تل أبيب تكرار أيّ اختراق أمني على جبهتها الشمالية، خاصة إذا صعدت قوى ذات خلفية إسلامية داخل الحكم في دمشق، لذلك تستخدم إسرائيل الضغط السياسي والعسكري لتقليل مصادر التهديد قبل أن تتشكّل. ويظلّ ملف الجولان من أكثر القضايا حساسية، إذ تسعى إسرائيل لترسيخ سيطرتها عليه ضمن صيغة قانونية، ما يجعل أيّ ترتيباتٍ أمنية في الجنوب السوري مرتبطة بهذا الهدف مباشرة. كما تحافظ على موقف حذر تجاه أيّ وجودٍ عسكري أو أمني تركي بالقرب من حدودها، وتفضّل إبقاء هذا الدور محدوداً، بما يقلل نفوذ القوى الإقليمية على مجالها الحيوي. ومن هنا يمكن فهم تمسكها بالوجود في بعض النقاط الاستراتيجية مثل جبل الشيخ والمنطقة العازلة، ليس كإجراءٍ مؤقت فقط، بل كجزءٍ من سياسة لمراقبة الحدود بدقة.

ومع تعثر المفاوضات، تميل إسرائيل إلى إطالة أمد التوتر عبر وضع عراقيل أمام التفاهمات المرتبطة بالمحافظة، بما يتيح لها تحسين شروطها في أيّ اتفاقٍ أمني محتمل، بينما تميل المقاربة الأمريكية لفصل ملف السويداء عن المسار التفاوضي بين دمشق وتل أبيب وربطه بترتيبات الاستقرار الأوسع في سوريا، انطلاقاً من إدراك واشنطن أن استقرار البلاد يشكّل ركناً مهماً في أيّ مشروع سلام إقليمي. ورغم التعهدات الإسرائيلية -سابقاً- بدعم بعض المجموعات الدرزية، فإنّ الموقع الجغرافي للسويداء، إلى جانب الرفض الأردني والسوري لفتح ممرات عسكرية، شكّلا قيوداً عملية حدّت من فرص التدخل المباشر، دون أن يمنع ذلك تل أبيب من مواصلة توظيف الملف سياسياً.

 

تأثير شرق الفرات على الحل في السويداء

مع اندلاع المواجهات في السويداء، برزت مؤشرات على دعم مادي وإعلامي لمشروع الحكم الذاتي الذي طرحه حكمت الهجري، وسط تقارير تحدّثت عن مساعدات عسكرية ومالية من “قسد” وتشجيع خطاب الانفصال. غير أنّ التحوّلات الميدانية في شمال شرق سوريا ولا سيّما خسارة “قسد” مناطق لصالح الحكومة السورية وبدء تنفيذ تفاهماتٍ لإعادة هيكلة قواتها أضعفت موقع الهجري وحلفائه، وفرضت واقعاً جديداً قد يدفعهم إلى خفض سقف مطالبهم.

كما أنّ هذا التراجع يسلط الضوء على الدور الاستراتيجي الذي تؤديه دمشق في ربط ملفات شمال شرق البلاد بالملفات المحلية في الجنوب. إذ يخلق ضعف “قسد” في الشرق هامشاً أكبر للحكومة للتفاوض على ترتيبات أمنية في السويداء، ويجعل الضغوط الإقليمية والدولية أكثر تأثيراً على أيّ صيغةٍ للحكم المحلي. بعبارةٍ أخرى، تحوُّلات شرق الفرات لم تعد مجرّد شأنٍ شمالي، بل أصبحت عنصراً موازناً يحدد مسار حل ملف السويداء، ويضع سقفاً لطموحات أيّ مليشيات محلية قد تسعى لتوسيع حكمها الذاتي.

 

مسارات محتملة لحلّ ملفّ السويداء

تتراوح المسارات المحتملة في السويداء بين ثلاثة سيناريوهات رئيسة: التصعيد وانزلاق الأوضاع نحو مواجهة عسكرية واسعة، يظلّ احتمال هذا السيناريو محدوداً بسبب كلفته السياسية والداخلية العالية ورفض الدولة السورية له، إضافة إلى أنّه قد يحفّز الدروز داخل إسرائيل على التحرّك تضامناً مع السويداء. بينما سيناريو الجمود وبقاء المحافظة بؤرة توتر، قد تفضله إسرائيل مؤقتاً لأنّه يزيد الضغوط على دمشق ويتيح لها تحصيل مكاسب أكبر، لكنّه مرفوض من دمشق والولايات المتحدة والأردن، لأنّه يهدّد استقرار سوريا وسيادتها، ويثير القلق الأردني بشأن تهريب المخدرات والممنوعات، ويتعارض مع مشروع السلام الأمريكي؛ أمّا الاحتواء، الذي يبدو الخيار الأنسب حالياً، إذ يمنح الدولة السورية القدرة على إدارة السويداء ضمن مؤسساتها دون كلفةٍ بشرية أو سياسية كبيرة، ويضمن استقرار الحدود بالنسبة للأردن، ويدعم مسار الولايات المتحدة في تعزيز وحدة واستقرار سوريا.

 تشير المعطيات الحالية إلى أنّ سيناريو الاحتواء يظل الأكثر ترجيحاً في السويداء، إذ يمكّن الدولة السورية من إدارة المحافظة ضمن مؤسساتها دون تكاليف بشرية أو سياسية كبيرة، ويحقّق استقرار الحدود بالنسبة للأردن، ويدعم مسار الولايات المتحدة في تعزيز وحدة واستقرار سوريا. في المقابل، يظلّ التصعيد غير ممكن عملياً بسبب كلفته العالية واحتمالية تحفيز تحرك الدروز داخل إسرائيل، فيما قد يوفّر الجمود بعض المكاسب المؤقتة لإسرائيل لكنّه مرفوض من دمشق والأردن والولايات المتحدة لأنّه يهدّد استقرار وسيادة البلاد. وعليه، يُرجَّح أن تفضّل دمشق الحل التدريجي القائم على الاحتواء، مستفيدة من دعم القوى الإقليمية والدولية، مع الحفاظ على توازن دقيق بين الضغوط المحلية والمخاوف الأمنية الإقليمية.

شارك

مقالات ذات صلة