آراء

السودان بين توازن القوة ومعادلة الدولة: مقاربةٌ مصريةٌ لفرص الوساطة

فبراير 16, 2026

السودان بين توازن القوة ومعادلة الدولة: مقاربةٌ مصريةٌ لفرص الوساطة

من منظورٍ مصري، لا يُختزل النقاش في سؤال بقاء الرباعية أو رحيلها، بل في سؤال القدرة على منع انهيار الدولة السودانية ذاتها. الحرب التي اندلعت منذ أبريل ٢٠٢٣ لم تعد مجرد صراعٍ بين الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، بل تحولت إلى معركةٍ على تحديد من يملك العنف المشروع ومن يملك تمثيل الدولة. في هذا السياق، يصبح الحديث عن أي إطارٍ تفاوضيٍ حديثًا عن موازين قوى فعليةٍ، لا عن صيغ بروتوكولية. القاهرة، بحكم الجغرافيا والتاريخ، لا ترى السودان ملفًا خارجيًا، بل امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، وحدودًا مفتوحةً، ونهرًا واحدًا، وتشابكات اجتماعيةً لا تقبل رفاهية التجربة والفشل.

التفاؤل الذي يلوح في الخطاب الأمريكي بشأن إمكانية بلورة وثيقة سلامٍ، والحديث عن توافقٍ دوليٍ يمكن أن يحال لاحقًا إلى مجلس الأمن، يقرأ في القاهرة بوصفه مؤشرًا على رغبةٍ في إعادة تدوير المسار السياسي لا إعلانًا عن اختراقٍ حاسمٍ. فالإيحاء بوجود نصٍ شبه مكتملٍ، وبإمكانية تحويله إلى مرجعيةٍ دوليةٍ، يعكس محاولةً لصنع زخم تفاوضيٍ، لكنه لا يبدد التعقيد الميداني ولا يضمن امتثال الأطراف. من زاويةٍ مصريةٍ، أي وثيقةٍ لا تشفع بموازين قوةٍ واضحةٍ على الأرض تبقى هشة، وأي حديثٍ عن هدنةٍ إنسانيةٍ مراقبةٍ دوليًا يظل مرهونًا بقدرة الوسطاء على انتزاع التزاماتٍ صلبةٍ من طرفين لا يزال كل منهما يراهن على الوقت والحسم في الميدان.

تتمسك القاهرة بالوساطة الرباعية لأن هذه الصيغة تعكس شبكة النفوذ الحقيقية المحيطة بالسودان؛ دولٌ تملك أدوات تأثيرٍ سياسيةً واقتصاديةً وعسكريةً متفاوتةً، وقادرة نظريًا على دفع الأطراف إلى الطاولة. الاعتراضات المتبادلة على وجود هذا الطرف أو ذاك في الوساطة لا تقرأ في مصر باعتبارها دليلًا على خلل الإطار، بل بوصفها اعترافًا ضمنيًا بوزنه. فالوسيط الذي لا يملك أوراقًا لا يثير تحفظات أو ريبة. السياسة ليست اختبارًا أخلاقيًا للحياد، بل إدارة تضارب المصالح ومحاولة تحويله إلى مساحة تقاطعٍ ممكنةٍ، ولو بحدود دنيا.

خارطة الطريق المطروحة — هدنةٌ إنسانيةٌ مؤقتةٌ يعقبها وقف إطلاق نارٍ أطول ثم عملية سياسية مدنية،  تبدو متسقة في منطقها النظري، لكنها تصطدم ببيئةٍ يغلب عليها اقتصاد الحرب وتعدد تمركزات السلاح. الجيش السوداني أعلن بوضوحٍ أنه لن يقبل ترتيبات تمنح خصمه فرصة إعادة التموضع، وهو موقف مفهوم عسكريًا حتى وإن أطال أمد الصراع. ومن القاهرة، ثمة إدراك بأن أي هدنةٍ لا تقترن بانسحابات متبادلة واضحة وآلية رقابة صارمة قد تتحول إلى تثبيتٍ لمناطق نفوذٍ مسلحةٍ، بما يهدد وحدة الدولة على المدى البعيد. لذلك ينظر إلى أي حديث عن إعلان وشيك؛ سواء ارتبط بلحظة رمزية أو بمناسبة سياسية دولية باعتباره خطوة تحتاج إلى أساس عملي متين، لا مجرد توافق لفظي.

التقدم العسكري الذي حققه الجيش في بعض الجبهات يغير الحسابات التفاوضية، إذ إن الطاولة تعكس الميدان، لكن التجربة السودانية تظهر أن الحسم العسكري لا يبني وحده شرعية مستقرة ما لم يترجم إلى تسوية سياسية شاملة تعيد احتكار العنف إلى سلطة مدنية لاحقًا. في الحساب المصري الأوسع، السودان جزء من معادلة إقليمية تشمل أمن البحر الأحمر وتوازنات القرن الأفريقي وملفات المياه، وأي فراغ هناك قد يفتح الباب لتدخلات دولية جديدة تعيد رسم المشهد بعيدًا عن المصالح العربية المباشرة. الرباعية ليست صيغة مثالية ولا خالية من تضارب المصالح، لكنها في اللحظة الراهنة تبدو الإطار الأكثر قدرة نسبيًا على إدارة الأزمة ومنع انزلاقها إلى تفكك دائمٍ. وفي نهاية المطاف، يبقى السلام قرارًا سودانيًا أولًا، غير أن الجغرافيا تفرض على مصر أن تبقى فاعلًا حاضرًا في كل معادلة تمس استقرار جوارها المباشر.

غير أن مقاربة القاهرة لا تنطلق من حسابات القوة الصلبة وحدها، بل من تصورٍ أوسع لمعنى الدولة في السودان. فالدولة هناك لم تكن منذ الاستقلال بنية مؤسسية مكتملة الاحتكار للعنف، بل ساحة تنازع بين مركز هش وأطراف مسلحة تتغذى على التهميش التاريخي والاقتصاد الريعي والشبكات العابرة للحدود. ومن ثم، فإن أي تسويةٍ لا تعالج جذور اختلال العلاقة بين المركز والأقاليم، ولا تعيد تعريف علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة المدنية، ستظل مجرد هدنة مؤجلة الانفجار.

في هذا الإطار، تدرك القاهرة أن معضلة السودان ليست فقط صراع جناحين مسلحين، بل أزمة بنية حكم ممتدة منذ عقود. لذلك تميل الرؤية المصرية إلى مقاربة تدريجية تحفظ كيان الدولة أولًا، ثم تفتح المجال لإعادة ترتيب المجال السياسي. الأولوية هنا لمنع التفكك، حتى لو جاء ذلك على حساب تسويات مثالية أو مطالب ثورية آنية. فالدولة حين تنهار، لا تعود المفاوضات قادرة على إعادة بنائها بسهولة، بل تتحول الساحة إلى تعددية سلطات أمراء حرب يصعب إخضاعها لاحقًا.

من زاوية مصرية كذلك، لا يمكن فصل الحرب السودانية عن تحولات الإقليم الأوسع. البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل ساحة تنافس دولي تتقاطع فيها مصالح قوى كبرى وإقليمية. والقرن الأفريقي يعيش بدوره مخاضات إعادة تشكيل سياسي وأمني. في مثل هذا السياق، يصبح استقرار السودان معاملًا ضابطًا لتوازنات دقيقة. أي انهيار ممتد هناك قد يفتح المجال لتمركزات عسكرية أجنبية إضافية، أو لتحالفات جديدة تعيد رسم خطوط النفوذ على حساب المصالح العربية.

ملف مياه النيل حاضر بدوره في الخلفية، حتى وإن لم يذكر صراحة في مسارات الوساطة. فالسودان ليس فقط جارًا، بل شريكًا في معادلة مياه تمس الأمن الوجودي لمصر. دولة سودانية مستقرة، قادرة على اتخاذ قرارات سيادية واضحة، تمثل بالنسبة للقاهرة ضمانة لاستمرار قنوات التنسيق والحوار. أما دولة منهكة بالصراع الداخلي، أو خاضعة لمراكز نفوذ متنازعة، فتعني بيئة تفاوضية غير قابلة للتنبؤ.

من هنا، تبدو الوساطة الرباعية، على الرغم ما يعتريها من تناقضات، محاولة لضبط إيقاع التنافس الإقليمي بدل تركه ينفلت في مسارات متوازية. القاهرة تراهن على أن تجميع الأطراف ذات النفوذ في إطار واحد يقلل من احتمالات العمل المنفرد الذي قد يغذي الاستقطاب. ليس الهدف صناعة انسجام كامل بين الوسطاء، بل إدارة اختلافاتهم ضمن سقف يمنع تحول السودان إلى ساحة تصفية حسابات مفتوحة.

غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في جمع الأطراف حول طاولة، بل في تعريف ما الذي يتفاوض عليه تحديدًا. هل هو تقاسم سلطة مؤقت بين قوتين عسكريتين؟ أم إعادة تأسيس شاملة للعقد السياسي؟ التجربة السودانية بعد ٢٠١٩ تظهر أن الشراكات الهجينة بين العسكر والمدنيين، من دون حسم واضح لمسألة احتكار العنف، تظل عرضة للانهيار عند أول اختبار جدي للمصالح. ومن ثم، فإن أي عملية سياسية قادمة تحتاج إلى وضوح أكبر في مسألة دمج القوات المسلحة، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وضبط الاقتصاد الموازي الذي غذى نفوذ المجموعات المسلحة.

في القراءة المصرية، لا يمكن القفز مباشرة إلى انتخابات أو ترتيبات دستورية نهائية في ظل اختلال أمني عميق. التدرج هنا ليس ترفًا، بل ضرورة عملية. هدنة إنسانية حقيقية، تتبعها ترتيبات أمنية انتقالية واضحة المعالم، ثم مسار سياسي مدني تدريجي يضمن مشاركة أوسع من مجرد أطراف السلاح. أي استعجال قد ينتج نصوصًا جميلة على الورق، لكنها عاجزة عن الصمود في مواجهة الوقائع الميدانية.

ومع ذلك، تدرك القاهرة أن الوساطة ليست عملية ميكانيكية تدار من الخارج فقط. الشرعية النهائية لأي اتفاق ستظل رهينة قبول سوداني داخلي. القوى المدنية، ولجان المقاومة، والفاعلون الاجتماعيون، كلهم عناصر لا يمكن تجاهلها في أي معادلة استقرار مستدام. الرهان الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل توازن القوة القائم إلى فرصة لإعادة بناء الدولة، لا إلى صيغة تجميد صراع بانتظار جولة قادمة.

ختامًا، لا تنظر مصر إلى السودان من زاوية النفوذ فقط، بل من زاوية المصير المشترك. المعادلة المطروحة اليوم ليست بين غالب ومغلوب، بل بين دولة يمكن إنقاذها بصعوبة، أو كيان قد ينزلق إلى تفكك طويل الأمد. الوساطة، أيًا كان إطارها، ليست غاية في ذاتها، بل أداة لمنع هذا الانزلاق. وفي لحظة إقليمية مضطربة، قد يكون الحد الأدنى من الاستقرار إنجازًا بحد ذاته، يمهد لاحقًا لإعادة صياغة عقد سياسي أكثر رسوخًا. فالدول لا تبنى بالشعارات، بل بتوازن دقيق بين القوة والشرعية؛ والسودان اليوم يقف تمامًا عند هذه المعادلة الصعبة.

شارك

مقالات ذات صلة