آراء
عندما نعود بالذاكرة الى زمن ازدهار بغداد العباسية، نجد أنّه لم يكن “السوق” الذي نفهمه في مخيلتنا مجرّد مكان تتبادل فيه السلع والبضائع التي تأتي إلى العراق من شتى أنحاء العالم كالصين والهند و أوروبا ومصر و السودان وغيرها، بل كان السوق في ذلك الزمان البعيد فضاءً تتشكّل فيه الأفكار والعقليات و الرؤى، وسوق “الوراقين” على وجه الخصوص –وهو المحلات المتخصصة ببيع الكتب ونسخها وتجليدها- لم يكن صفًا من الدكاكين المزدحمة بالورق والحبر، بل كان مساحة يتحرك فيها الفكر بين الناس كما تتحرك النقود بين أيدي الشارين والبائعين، فهناك لم يكن الناس يشترون كتبًا فقط، بل كانوا يقتربون من المعرفة نفسها، ويتعلّمون كيف يناقشون ويختلفون.
فدكاكين الورّاقين لم تقتصر على النسخ والبيع، بل أصبحت مجالس مفتوحة، يجلس فيها عالم إلى جانب تاجر، ويقف شاعر يقرأ قصيدته أمام طلاب علم اللغة والأدب، وتدور مناقشات في اللغة والفقه والأدب والفلسفة والطب والجغرافيا والرحلات، فلم يكن العلم معزولًا في المسجد وحده، بل خرج إلى الشارع، إلى قلب الحياة اليومية وعلى الأرصفة. ومع هذا الخروج تغيّر موقع المعرفة في المجتمع العباسي القديم، فلم تعد شأنًا خاصًا بطبقةٍ محدّدة، بل صارت أقرب إلى الناس وبسطائهم .
فانتشار صناعة الورق في بغداد كان نقطة تحوّل حقيقية في مسيرة المعرفة الشعبوية في تاريخنا العربي ، والكتاب لم يعد نادرًا أو باهظًا كما كان من قبل، وأصبح من الممكن نسخه بسرعةٍ أكبر وتداوله على نطاق أوسع بين الناس، وهذا التطور البسيط في ظاهره غيّر علاقة الناس بالعلم، فلم يعد التلقي شفهيًا فقط، بل أصبح قائمًا على القراءة والمقارنة والتفكير والمطالعة، لأنّ النص المكتوب منح الناس فرصة أن يعودوا إليه متى شاؤوا، وأن يناقشوه، وأن يقارنوه بين الآراء المختلفة.
ومع الوقت، لم يعد أهل السوق مجرّد باعة، وأعني به سوق الورّاقين، فكثيرٌ من الباعة في ذلك السوق كانوا علماء و شعراء ورواة حديث وأدباء، وبعضهم وصل إلى مناصب مؤثرة في الدولة العباسية، والتاجر يمكن أن يكون قارئًا، والورّاق يمكن أن يكون صاحب رأي سياسي، وصاحب الحرفة يمكن أن يشارك في نقاشٍ فكري عميق جداً، و هكذا تشكّلت طبقة واسعة تهتم بالعلم وتشارك في الحياة الثقافية العباسية.
ولكن لمن يتأمل المشهد بعدسةٍ أوسع يجد أنّ هذا الاتّساع في النطاق العلمي والمعرفي بين عامة الناس لم يكن مريحًا دائمًا، فأحياناً نجد أنّ بعض الكتب أثارت جدلًا واسعًا، فتدخّل بعض الخلفاء والسياسيين خوفًا من وقوعه ومنعوا بيع أنواع معينة من الكتب، وهذا يكشف أنّ السوق لم يكن مجرّد مكان اقتصادي فيه بيع وشراء، بل كان يؤثر في تشكيل عقول عامة الناس في بغداد، وعندما تخشى السلطة السياسية كتابًا، فهذا يعني أنّ القراءة أصبحت مؤثرة، وأنّ الأفكار خرجت من الدوائر الضيقة إلى فضاءٍ أوسع مثير للحركة.
فتجربة سوق الورّاقين الفكري في العصر العباسي تبيّن أنّ المعرفة تزدهر حين تختلط بالحياة اليومية. وخصوصاً حين يكون الكتاب قريبًا من يد الناس، وحين يصبح النقاش جزءًا من الروتين اليومي، ويبقى السؤال الذي يستحق أن نفكر فيه .. مع وفرة النسخ والكتب و توفرها ورقيًّا وإلكترونيًّا في زماننا .. لماذا لم تعد الحصيلة المعرفية لدى شعوبنا العربية تفي بالغرض وتشفي الغليل؟





