مدونات

التركمان السوريون وإعادة التوازن الوطني

فبراير 11, 2026

التركمان السوريون وإعادة التوازن الوطني

وسيم طوقتلي

منذ انطلاق الثورة السورية المباركة، مرت البلاد بتحوّلات عميقة على المستويات السياسية، الاجتماعية والاقتصادية، ممّا أدى الى إعادة تشكيل الخارطة المجتمعية داخل البلاد. وفي خضم هذه التحوّلات، برزت أهمية النظر إلى مكوّنات المجتمع السوري المتعددة ليس كأطرافٍ هامشية بل عناصر فاعلة يمكن أن تسهم في بناء ما بعد مرحلة النزاع. من بين هذه المكونات، يبرز المكوّن السوري التركماني في موقعٍ خاص بفضل تاريخهم العريق في البلاد، ووجودهم في عدة مناطق استراتيجية، وعلاقاتهم القوية المتشابكة مع بقية المكوّنات في المجتمع السوري.

أثرت الحرب بشكلٍ متفاوت على المناطق التي يقطنها التركمان، في جميع أنحاء البلاد، فقد دمر النظام البائد البنى التحتية، ومنع الخدمات الأساسية لعدة سنوات ما قبل وفي فترة الحرب. كما واجه التركمان السوريون في فترة حكم آل الأسد لضغوطاتٍ كبيرة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية ومختلف الفاعلين السياسيين والعسكريين، الأمر الذي أثر عليهم بشكل مباشر في عدم تنظيم تمثيل فعّال طيلة السنوات الماضية. ففي ضوء التحوّلات العميقة التي تمر بها البلاد في مرحلة ما بعد النزاع، يبرز التركمان السوريون بوصفهم مكوّنًا وطنيًّا يمتلك مقومات حقيقية للإسهام في إعادة بناء الدولة على أسس التوازن والتكامل.

فحضورهم التاريخي، وانتشارهم الجغرافي، وطبيعة تموضعهم غير التصادمي، يجعل منهم عنصر استقرار لا طرف صراع، وجسر تواصل بين مختلف المكوّنات الوطنية بدلًا من أن يكونوا جزءًا من الاستقطاب الحاد الذي أفرزته سنوات الحرب. إنّ إدماج التركمان في العملية السياسية والدستورية، وتمكينهم من تمثيلٍ عادل وفعّال، لا ينبغي أن يُنظر إليه من زاوية مطالب فئوية ضيقة، بل باعتباره استثمارًا في وحدة الدولة وتماسكها الاجتماعي. فالدولة السورية الجديدة، إذا ما أرادت تجاوز إرث المركزية والإقصاء، مطالَبة ببناء نموذج حكم يعترف بالتعددية ويحوّلها إلى مصدر قوة لا عامل تفكك. وعليه، فإنّ مستقبل الاستقرار في سوريا لن يتحقّق فقط عبر التسويات الأمنية أو الترتيبات السياسية المؤقتة، بل من خلال شراكة وطنية حقيقية يكون فيها التركمان، إلى جانب باقي المكوّنات، ركيزة أساسية في صياغة مشروع وطني جامع، يعيد للدولة توازنها، ويؤسس لمرحلة جديدة قوامها المواطنة، والعدالة، والتكامل المجتمعي.

ففي قضية الدور المجتمعي في دعم التوازن الوطني للمكونات، يمكن للمجتمع التركماني أن يسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي، من خلال إعادة بناء الشبكات الاجتماعية، التنمية المحلية، التعليم والهوية. تتيح هذه الفرص للتركمان بمشاركة حقيقية فعّالة في صياغة المستقبل الوطني السوري، عبر الانخراط في مؤسسات الدولة، المساهمة في الاصلاح ومن خلال شراكات تنموية.

إنّ الدور السياسي والمجتمعي للتركمان السوريين في مرحلة ما بعد النزاع ليس ترفًا فكريًّا، بل حاجة حقيقية لإعادة بناء التوازن الوطني في سوريا. فالانفتاح على مشاركةٍ فاعلة للمكوّنات المتنوعة ضمن مؤسسات الدولة وعمليات صنع القرار يعزّز من فرص الاستقرار الدائم والتعايش السلمي. وفي هذا الإطار، يمثل المجتمع التركماني عنصرًا مهمًا يمكن أن يسهم في تقوية النسيج الوطني وفي بناء سوريا مستقبلًا ديمقراطية، تعددية، وعادلة.

يمثّل التركمان السوريون مكوّنًا حيويًّا من نسيج المجتمع السوري، ولا يمكن لأيّ مشروعٍ وطني شامل أن يتجاهل دورهم في مرحلة ما بعد النزاع. إنّ إدماجهم في العملية السياسية ومؤسسات الدولة يعزّز فرص الاستقرار ويمنع الانعزالية، كما يسهم في بناء رؤية وطنية جامعة تستند إلى التنوع والتكامل. إنّ نجاح سوريا الجديدة يقاس بقدرتها على إشراك جميع مكوّناتها في صياغة مستقبلها بعيدًا عن المحاصصة والهيمنة.

شارك

مقالات ذات صلة