مجتمع

إضراب الكرامة.. تعليمٌ معلّق ورواتب لا تكفي

فبراير 10, 2026

إضراب الكرامة.. تعليمٌ معلّق ورواتب لا تكفي

دخل قطاع التعليم في شمال سوريا مرحلة شلل جزئي مع اتساع رقعة إضراب الكرامة الذي نفّذه معلمون في إدلب وريف حلب الشمالي، احتجاجاً على تدنّي الرواتب وتدهور ظروف العمل.

 توقفت مئات المدارس عن التدريس، بينما وجد آلاف الطلاب أنفسهم خارج الصفوف، في وقتٍ تعاني فيه العملية التعليمية أساساً من نقص الكوادر وضعف التمويل، ورغم تشابه الأسباب العامة للإضراب، إلا أنّ واقع المعلمين يختلف بين المنطقتين.

 ففي إدلب، يبلغ متوسط راتب المعلم نحو 130 دولاراً شهرياً، مقابل قرابة 95 دولاراً في ريف حلب الشمالي، وسط ارتفاع متواصل في تكاليف المعيشة، هذا التفاوت لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطال عدد المدارس والطلاب، وآليات الإدارة التعليمية، ومستوى الدعم المتاح لكل منطقة.

يأتي الإضراب في سياقٍ تعليمي هشّ، حيث تراكمت الأزمات على مدى سنوات، من نزوحٍ واسع وتراجع في الدعم، إلى غياب سياسات واضحة تضمن استقرار المعلم واستمرارية التعليم، ومع استمرار تعليق الدوام في عددٍ من المدارس، تبرز أسئلة تتجاوز مطلب زيادة الأجور، لتلامس مستقبل التعليم في شمال سوريا بأكمله.

إضراب الكرامة في ميزان الأرقام

لم يكن “إضراب الكرامة” في إدلب وريف حلب الشمالي مجرّد احتجاج عابر، بل تعبير عن حاجة المعلم للاعتراف بدوره في ظل سنوات من الأزمة الاقتصادية والمعيشية، حيث يبني المعلمون يومياً مستقبل آلاف الطلاب في بيئةٍ تعليمية معقّدة ومجهدة.

في إدلب وحدها، يعمل أكثر من 12 ألف معلم في ما يزيد على 900 مدرسة، تستقبل أكثر من 200 ألف طالب، بأجور لا تتجاوز 130 دولاراً، ضمن اكتظاظ صفوف وعدد حصص يفوق طاقة الكوادر، هذا الواقع يجعل الإضراب أكثر من مجرّد مطالبة مالية، بل رفضاً لإهمال الكرامة المهنية والمعنوية، وصرخة لإنصاف المعلمين الذين يشكلون العمود الفقري للعملية التعليمية.

 أثر الإضراب كان مباشراً، حيث توقف الدوام في مئات المدارس، وأصبح صوت المعلم واضحاً في كلّ زاوية من إدلب، مذكّراً الجميع بأنّ العملية التعليمية لا تقوم بلا كادر متحفّز ومستقر.

في ريف حلب الشمالي، يختلف المشهد من حيث الحجم، مع نحو 500–600 مدرسة تخدم قرابة 150 ألف طالب، ويعمل فيها نحو 7–8 آلاف معلم برواتب أقل من 95 دولاراً. ورغم العدد الأقل، كان إضراب المعلمين تعبيراً عن رفض التجاهل والتهميش، وحرصاً على حماية مستوى التعليم واستقرار الطلاب، مؤكدين أن مطالبهم ليست رفاهية، بل شرط أساسي لاستمرار العملية التعليمية.

الأرقام هنا ليست مجرد بيانات، بل مرآة لحجم الالتزام والصبر الذي يتحلّى به المعلمون.

الإضراب في إدلب وريف حلب الشمالي يعكس قوة المعلم وأهمية دوره في المجتمع، ويظهر أنّ أيّ إصلاحٍ حقيقي للعملية التعليمية لا يمكن أن يقوم دون ضمان حقوق المعلمين، لأنّ المعلم هو حجر الأساس في بناء جيل مستقبلي واعٍ ومتعلم.

انعكاسات الإضراب ودور المعلم في المجتمع

إضراب الكرامة لم يكن مجرّد توقف عن التدريس، بل كان رسالة واضحة للمجتمع حول قيمة المعلم وأهميته في استقرار التعليم، الطلاب والأهالي شعروا فوراً بغياب المعلم عن الصفوف، ومع ذلك، ارتبط الإضراب برفضهم للنظر إلى المعلم كعنصرٍ منفصل عن العملية التعليمية، بل دعامة أساسية تتقاطع مع حياة كلّ أسرة وشاب متعلم.

في المدارس التي توقفت، ظهر تأثير الإضراب في عدة مستويات: اضطراب الجدول اليومي للطلاب، تأجيل المشاريع والاختبارات، وتحديات في متابعة المناهج، لكنّه في المقابل، أعطى المعلم موقعه الرمزي، حيث أصبح صوت المعلم مدخلاً لفهمٍ أعمق للظروف الاقتصادية والاجتماعية في شمال غرب سوريا.

 الأهالي، رغم القلق على تعلم أبنائهم، أبدوا تفهماً واسعاً لمطالب المعلمين، مع إدراكهم أنّ استمرار التعليم يتطلّب الاعتراف بحقوق من يقدّمونه، فيما أظهر الإضراب كذلك فجوة كبيرة بين العملية التعليمية والمجتمع المدني، حيث لم يعد المعلم مجرّد موظف حكومي، بل عنصر ضغط اجتماعي ونقابي قادر على توجيه الانتباه إلى القضايا المعيشية بشكلٍ جماعي.

من هنا، ظهر التنسيق بين المدارس والإدارات المحلية، الذي حاول الحفاظ على الحد الأدنى من التعليم أثناء الإضراب، في حين بقي المعلمون متمسكين بمطالبهم، مؤكدين أنّ كرامتهم جزءٌ لا يتجزأ من جودة التعليم واستقرار المجتمع.

ويمكن الإشارة إلى أنّ هذه التحركات في إدلب وريف حلب الشمالي تشكّل نموذجاً للتعبير المشروع عن حقوق المعلمين، وهي دعوة ضمنية لصانعي القرار في مناطق أخرى من سوريا كحمص ودمشق وحماة وغيرها، لمراجعة سياسات الدعم والتقدير للمعلم، حتى في المناطق التي لم تشهد الإضراب، بما يضمن أنّ العملية التعليمية لا تقوم إلا بمعلمٍ محترم ومقدّر.

صدى إضراب الكرامة

الإضراب لم يكن مجرّد تحرك وظيفي، بل تأكيد على قيمة المعلم وكرامته المهدورة لسنوات.

 في إدلب وريف حلب الشمالي، وقف المعلمون متحدين أمام ظروف صعبة، برواتب لا تكفي احتياجاتهم الأساسية، ومع ساعات عمل وأعباء تتضاعف، ليُظهروا أنّ استمرار العملية التعليمية لا يمكن أن يقوم بلا احترام دورهم ومكانتهم. هذا التحرك يحمل معنى مزدوج: إصرار المعلم على حقوقه، ورفض أيّ تهميش رغم الضغوط اليومية، وإظهار قدرة القطاع التعليمي على الصمود أمام تحديات مستمرة.

 الإضراب أصبح بذلك أكثر من إجراء احتجاجي، بل رمزاً للثبات والمهنية والكرامة المهنية، حيث يرسّخ أنّ المعلم ليس عنصراً قابلاً للاستبدال، بل حجر أساس لأيّ عملية تعليمية ناجحة. وفي خضم هذه الحركة، يتضح أنّ الكرامة ليست رفاهية، بل شرط أساسي لضمان أن يواصل المعلم عمله بكفاءةٍ والتزام، وأن يكون صامداً أمام التحديات.

 إضراب الكرامة إذن، يمثل قوة المعلم نفسها، وضرورة الاعتراف بها، بعيداً عن أي أرقام أو مقارنة، كإشارةٍ واضحة إلى أنّ المعلم هو قلب التعليم وروحه. 

إضراب الكرامة في إدلب وريف حلب الشمالي لم يكن مجرّد تحرك مؤقت، بل تجسيد لإرادة المعلم في الدفاع عن كرامته وحقّه في بيئة عمل لائقة، فهو يؤكد أنّ أيّ نقاشٍ عن تطوير العملية التعليمية أو الاستقرار التعليمي لا يمكن فصله عن احترام المعلم ومنحه المكانة التي يستحقها.

من خلال هذا الإضراب، أصبح واضحاً أنّ المعلم ليس عنصراً قابلاً للاستبدال، بل حجر الأساس لكلّ مدرسة وكلّ طالب وكلّ مستقبل تعليمي.

 التحديات اليومية التي يواجهها المعلمون من أعباء العمل، ساعات الحصص الكثيرة، والضغوط الاقتصادية، لم تضعف عزيمتهم، بل جعلتهم أكثر تماسكا وإصراراً على تحويل صوتهم الفردي إلى رسالة جماعية قوية.

الإضراب يعكس كذلك قوة موقف المعلم ووضوح مطالبه، حقوق عادلة، رواتب كافية، وكرامة مهنية لا يساوم عليها أحد، ورغم أنّ التحديات ما تزال قائمة، فإنّ هذه الحركة وضعت المعلم في مركز المشهد، وأظهرت أنّ أيّ إصلاحٍ حقيقي للعملية التعليمية يبدأ بالاستماع إليه وتحقيق مطالبه المشروعة.

ختاماً، يمكن القول إنّ إضراب الكرامة نموذج لصمود المعلم وإصراره على الدفاع عن دوره وتذكير الجميع بأنّ العملية التعليمية لن تكون مستقرة أو ناجحة إلا إذا كان المعلم محترماً ومقدَّراً، وأنّ كلّ خطوة نحو تحسين وضع المعلمين هي خطوة نحو مستقبل تعليمي أفضل لكلّ السوريين.

 

شارك

مقالات ذات صلة