مجتمع

بين وعود التبرعات وواقع المخيمات

فبراير 10, 2026

بين وعود التبرعات وواقع المخيمات

أحمد الياماني

  

في الأشهر الماضية شهدت المحافظات السورية حملات تبرع ضخمة، أرقامها تجاوزت مئات الملايين من الدولارات. شاشات التلفزة امتلأت بالاحتفالات، وصفحات التواصل الاجتماعي ازدحمت بصور الشيكات الضخمة والتصريحات الحماسية. قيل إنّ ملايين الدولارات جُمعت لدعم مشاريع الإعمار والخدمات وتحسين الواقع المعيشي. التصفيق كان عالياً، والوعود كانت أكبر، وكأنّ البلاد على موعد مع انفراج واسع.

لكن في ريف إدلب وريف اللاذقية، كانت الصورة مختلفة تماماً. المخيمات غرقت تحت الأمطار، والخيام امتلأت بالمياه، والوحل ابتلع الممرات الضيقة بين المساكن المؤقتة. أطفال ينامون على أرضٍ مبتلة، وأمهات يحاولن رفع الأغطية عن الطين، وآباء يسهرون الليل يحاولون تصريف المياه بوسائل بدائية. المشهد لم يكن احتفالياً، بل كان قاسياً ومؤلماً، يعكس فجوة عميقة بين الأرقام المعلنة والواقع الملموس.

 

تصريح صادم: 12 مليوناً فقط وصلت

حين صرّح محافظ إدلب بأن ما وصل فعلياً من أصل 208 ملايين دولار هو 12 مليوناً فقط، تحولت المسألة من حملة تبرع ناجحة إلى علامة استفهام كبيرة. الفارق بين الرقمين ليس تفصيلاً صغيراً يمكن تجاوزه، بل فجوة تفرض تساؤلات مشروعة.

والمسألة لا تتعلق بإدلب وحدها. تقارير متعددة وتصريحات مسؤولين محليين تشير إلى أنّ جميع المحافظات لم تستلم الأموال المعلنة بالكامل. فما أُعلن على المنصات لم يتحوّل بالكامل إلى تحويلاتٍ فعلية على الأرض. وهنا يصبح من حقّ الرأي العام المطالبة بتقريرٍ رسمي مفصل يوضح حجم التعهدات، وما تمّ تحويله فعلياً، وما لم يُنفذ بعد.

بين التعهد والإعلان الاستعراضي 

هناك فرق واضح بين “إعلان التبرع” و“دفع التبرع”. بعض الأرقام التي أُعلنت أمام الكاميرات قد تكون مجرّد تعهدات لم تتحوّل إلى التزاماتٍ مالية حقيقية. وإذا كان بعض المتبرعين قد أعلنوا ملايين الدولارات بدافع الظهور الإعلامي أو البحث عن المدح والوجاهة، ثمّ لم يلتزموا بالدفع، فإنّ هذا لا يمكن اعتباره أمراً عابراً.

العمل الإنساني لا يحتمل الاستعراض. حين يُرفع رقم كبير أمام الشاشات، فإنّ الناس تبني آمالها عليه. المتبرع البسيط الذي قدّم 50 أو 100 يورو شعر أنّه يشارك في إنجازٍ ضخم، لكنّه سيشعر بالخذلان إذا اكتشف أنّ القسم الأكبر من الأرقام لم يتحقق فعلياً. لذلك فإنّ كشف أسماء الجهات التي لم تلتزم بتعهداتها ليس فضيحة، بل خطوة نحو حماية النزاهة العامة.

 

المخيمات… الأولوية المؤجلة دائماً

في ريف إدلب وريف اللاذقية، كما في مناطق أخرى، ما تزال المخيمات تمثل الجرح المفتوح. كلّ شتاءٍ يتكرر المشهد نفسه: أمطار، غرق، انهيار خيام، وانتظار مساعدات إسعافية. السؤال المؤلم: لماذا لم تُحل المشكلة جذرياً رغم الأرقام المعلنة؟

البنية التحتية مهمة، وإعادة الإعمار هدف مشروع، لكن كيف يمكن الحديث عن مشاريع كبيرة بينما آلاف العائلات تعيش تحت أغطيةٍ بلاستيكية؟ كيف يمكن إقامة فعاليات واحتفالات ومعارض في الوقت الذي يحتاج فيه الناس إلى أرضياتٍ خشبية، وشبكات تصريف، ومساكن أكثر أماناً؟

ترتيب الأولويات ليس مسألة تقنية فقط، بل أخلاقية أيضاً. الخيمة التي تغرق أولى من أي احتفال، والطفل الذي يرتجف من البرد أولى من أي منصة مضاءة بالكاميرات.

 

الشفافية ليست ترفاً

المطالبة بالشفافية ليست هجوماً على أحد، بل حماية للجميع. المطلوب واضح وبسيط:

  • نشر قائمة كاملة بالتعهدات التي أُعلنت.
  • تحديد ما تم تحويله فعلياً إلى كل محافظة.
  • توضيح أسباب الفجوة بين الأرقام المعلنة والمبالغ المستلمة.
  • بيان أوجه الصرف بالتفصيل.

بهذه الخطوات فقط يمكن استعادة الثقة. الغموض يفتح الباب للشائعات، أمّا الوضوح فيغلقه. والمؤسسات التي تعمل في الضوء أقوى من تلك التي تعمل في الظل.

 

الثقة.. رأس المال الأهم 

الحملات الإنسانية لا تقوم على المال فقط، بل على الثقة. وإذا شعر الناس أنّ الأرقام تُستخدم للاستعراض أكثر من استخدامها لخدمة المحتاجين، فإنّ الحماس سيتراجع، والتبرعات ستقل، والضرر سيطال الجميع.

اليوم، المطلوب ليس خطاباً جديداً ولا احتفالاً آخر، بل كشف حساب شفّاف. المطلوب أن يعرف الناس أين ذهبت الأموال، ومن التزم ومن لم يلتزم، ولماذا لم تصل المبالغ كاملة إلى جميع المحافظات؟.

حين تتحوّل التعهدات إلى أموال فعلية، وتتحوّل الأموال إلى مشاريع تحمي الخيام من الغرق، عندها فقط يمكن أن يكون الاحتفال حقيقياً. الاحتفال لا يكون برقم يُقال أمام الكاميرا، بل بخيمةٍ بقيت جافة في ليلةٍ عاصفة، وبثقةٍ لم تعد مهددة مع كلّ تصريح جديد.

الناس لا تطلب المستحيل. تطلب فقط أن تكون الأرقام صادقة، والوعود ملزمة، والأولوية لمن هم في قلب المعاناة. وعندها، لن يكون السؤال: أين ذهبت الملايين؟ بل سيكون: كيف نجحنا أخيراً في تحويل التضامن إلى واقع ملموس.

شارك

مقالات ذات صلة