تأملات

سورة الشرح وهي تشرح صدرك

فبراير 9, 2026

سورة الشرح وهي تشرح صدرك

تستوقفني أسماء السور كما تستوقفني آياتها، كسورة الشرح وفي قولٍ آخر الانشراح، وفي كليهما كأنّ جبلاً انزاح عن صدرك فاستطعت التنفّس، يقول العارفون باللّه إذا شعرت بالضيق رددها، فإنّ فيها سحراً عجيباً يزيل عن ظهرك وزره الذي أنقضه.
أحاول أن أتأمّلها، فأستمتع أكثر بهذا الجمال الإلهي الكامن في كلّ حرف.
(ألم نشرح لك صدرك) إنّها آية مليئة بالحنان الإلهي اللدني، وكأنّي أشعر بكل هذا التعطّف الإلهي والذي يظهر بأنّه ينتظر إجابة من رسول الله ﷺ، بأنْ يقول النبي لربّه: (بلى يا ربّي لقد شرحت صدري بك)، والجميل أنّ هذه السورة مكيّة، وقد نزلت في بداية الدعوة للنبي صلوات اللّه وسلامه عليه، وقد ضاق صدره بتكذيب قريش له، أيّ قبل الفتح وقبل النصرة وقبل الهجرة للمدينة المنورة، لكن اللّه عز وجل يتعامل مع نبيه على تمام الشرح والفرج واليسر، من شدة أنّ الفرج أمرٌ مقضيٌّ بإذنه عزّ وجلّ، أي أنّ اللّه عزّ وجلّ لم يقل سنشرح لك صدرك وسنضع عنك وزرك الذي أنقض ظهرك، بل تعامل مع كل هذا على أنّه فعلٌ ماضٍ ومنتهٍ
(ووضعنا عنك وزرك) تراودني فكرة ماهية الوزر، والذي يرادفه معنى العبء والهمّ، وباعتقادي أنّه لا همّ أعظم على الإنسان من أن يكون كافراً وضالّاً ومحجوباً عن الله، أي بمجرّد اتصالك باللّه عزّ وجلّ، وأن يقربك اللّه له، فقد وضع عنك وزرك، أتوقف عند الفعل (وضعَ) ولكي أستشعره أكثر، أحاول أن أفهم ضدّه، فضدّ (وضع عن)، (وضع على)، تخيّل أنْ تمسك صخرة وتضعها فوق ظهر كائن حيّ، فالوضع بهذا الشكل يعني تمام الاستواء، تضع المزهرية على الطاولة، تضع القبعة على الرأس، ومن معاني الوضع أن يكون ثابتاً وإلا لن يتمَّ معناه، وسيخرج من ثباتية الوضع إلى التخلخل، وبذلك أن يأتي أحد ويقول وضعت عنك الصخرة، أي حملتها عنك، تولّيتُ هذا الأمر الذي أنهكك بكليّته، فليرتح جسدك ولترتح روحك.
إنَّ أجملَ وأرفعَ وأعظمَ حبّ وصلنا في الوجود، هو حبّ اللّه عزّ وّجل لسيدنا محمد ﷺ، إنّه حب يعلم الحبّ، من أراد أن يتفقه في الحب عليه أن يتذوق معاني حب اللّه عزّ وجلّ للنبي ﷺ، ومعاني حب النبي ﷺ لله عزّ وجلّ، واللّهِ حبٌّ إن تذوقهُ العبدُ لا يفيق من حلاوة عذوبته.
(ورفعنا لك ذكرك) يلفتني هنا، أنّ الرفعة لا تأتي إلا بعد التعب والرضى، يعني لكي تصل لمقام (رفعنا لك ذكرك)، عليك أن تبلغ مقام ( شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزرك) ، هذا هو الترتيب الإلهي المتقن للمؤمن، لا يوجد شيء اسمه (أن تصعد السلم مرة واحدة وفجأة والأمور كلّها على أجمل ما يكون)، فهذا الأمر ليس سنّة كونيّة، السنّة الكونية لك، تكون بالتدرّج، اشعر بالسكينة لمراد الله لك في كلّ أحوالك واستسلم له، النتيجة هي أنّ اللّه يرفع لك ذكرك.
ثمّ تأتي هذه الطمأنة العظيمة (فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا )، ولأنّه لا يوجد حرف في القرآن إلا له معنى، وكلّ تكرار ظاهريّ، ليس مجرّد تكرارٍ على صعيد المعنى الباطنيّ، يعني المنع يتخلله عطاء، العذاب يتخلله لطف، المحنة تتخلها منحة، يتخللها أي ليس بعدها، يعني ليس بعد العسر ستتذوق اليسر بل معه، وخلاله، وأثناءه، يشبه الأمر أن نتعجب من أهالي الشهداء في غزّة، وهم يصبرون ويحمدون الله عزّ وجلّ، هذا لطف من اللّه جرى عليهم أثناء هذه المحنة العظيمة، فكان يسراً مع العسر وهكذا في كلّ أمور الإنسان وتفاصيل حياته.
(فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب)
يعني أن تعودَ من مراد اللّه لك في الدنيا إلى مراد اللّه لك في الآخرة، فأنت على مراده في كلّ الأحوال، أي لا تنسى أنّ مراد اللّه لك من سعيك في الدنيا هو جزء فقط من حياتك وعليك أن تعود بعدها إلى خصوصيتك ( كعبد مطلق لله ) تجتهد في العبادة والتقرّب منه.
(وإلى ربك فارغب)
بصراحة هذه آية تخطف القلب، كيف يرغب العبد بربه؟ يعني أن تعبد الله وأنت راغبٌ به، وأنت لديك ميول قلبي ومحبة عظيمة لتعبده، وأنت لا تشعر بثقل أو أنّك تؤدي واجباً وتريد أن تنتهي منه، لا يريد اللّه عزوجل ذلك، يريدك أن تعبده برغبة، بحب، بود، بقرب، وهذا منتهى العبادة، وأعظم مراحل القرب لله عزوجل، أن تعبده راغباً إياه وحده، ولأنّك تحبه قبل كل شيء.
وصلّى اللّه على سيّدنا محمّدٍ مَنْ شرح الله صدره، وتولّى أمرَه، وصنعَ على عينه عمرَه، وأسدلَ عليه ستره، ووضع عنه وزرَه، ورفع ذكره، وأوهبه كوثرَه، وعلى آله وصحبه وسلّم.

شارك

مقالات ذات صلة