مدونات
علي البرغوث
في أواخر يناير/ كانون الثاني 2020، وبينما كانت مدينة معرة النعمان التاريخية تتهاوى تحت ضغط القصف الجوي الروسي والتقدّم البري لقوات الحكومة السورية، اختار رجلٌ واحد أن يبقى. اسمه أحمد مصطفى الحصري، ابن المدينة، الذي تحوّل في ساعاتها الأخيرة إلى رمز محلي للمقاومة الفردية في واحدةٍ من أكثر مراحل الحرب السورية دموية.
وُلد الحصري عام 1977 في معرة النعمان، المدينة المعروفة بإرثها الثقافي والفلسفي المرتبط بالشاعر أبي العلاء المعري. درس الشريعة الإسلامية في جامعة دمشق، وعُرف بين معارفه بهدوئه ونزوعه إلى التعليم والعمل المجتمعي، بعيداً عن أيّ حضورٍ عسكري لسنواتٍ طويلة. ومع اندلاع الاحتجاجات السورية عام 2011، شارك الحصري في الحراك السلمي، قبل أن تدفعه تطورات الحرب لاحقاً إلى حمل السلاح، وفق مقربين منه، باعتباره “خياراً اضطرارياً” لحماية المدنيين.
اللحظة الفاصلة
مع تصاعد العمليات العسكرية مطلع عام 2020، أصبحت معرة النعمان هدفاً مركزياً في الحملة العسكرية الحكومية المدعومة من روسيا. وفي 28 يناير/ كانون الثاني، اتخذت فصائل المعارضة قراراً بالانسحاب لتجنب الحصار الكامل، في وقتٍ كانت فيه عشرات آلاف العائلات تغادر المدينة تحت القصف.
في تلك اللحظة، قرّر الحصري البقاء. وبحسب روايات محلية وتسجيلات مصورة بثتها لاحقاً وسائل إعلام موالية لروسيا، تمركز الحصري منفرداً في منطقة وسط المدينة، مستفيداً من معرفته الدقيقة بأزقتها وبناها المتهالكة. ولفترة قُدرت بنحو ثلاث ساعات، أجبر رتل عسكري متقدم على التوقف والتعامل مع مصدر نيران واحد، في مشهد نادر في حروب العصر الحديث.
لا توجد أرقام مستقلة حول الخسائر، لكن أهمية الحادثة لم تكمن في نتائجها العسكرية المباشرة، بل في توقيتها ورمزيتها. فقد وفرت تلك الساعات الإضافية، وفق ناشطين محليين، وقتاً ثميناً لمدنيين كانوا لا يزالون يحاولون مغادرة المدينة.
بين الرمز والواقع
قُتل أحمد الحصري بعد استهداف المبنى الذي تحصّن فيه، إثر نفاد ذخيرته أو اقتراب نفادها، بحسب الروايات المتداولة. ومع سقوطه، دخلت قوات النظام المدينة بالكامل، لتطوى بذلك صفحة من تاريخ معرة النعمان الحديث.
لكن قصة الحصري لم تنته عند هذا الحد. فخلال أسابيع، تحوّل اسمه إلى رمزٍ متداول على وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً في أوساط النازحين من شمال سوريا. أطلق اسمه على أطفال وُلدوا في مخيمات النزوح، وانتشرت صورته بوصفه “حارس المدينة الأخير”، في تعبيرٍ مكثف عن الفقدان والحنين والاحتجاج الرمزي على واقع الهزيمة.
يرى باحثون في الشأن السوري أنّ قصة الحصري تعكس تحوّلاً في سرديات الحرب: من المعارك الكبرى والجبهات الواسعة، إلى أفعالٍ فردية تحمل معاني تتجاوز وزنها العسكري. ويقول أحدهم إنّ “هذه القصص لا تغير مسار الحرب، لكنها تغير طريقة تذكرها”.
مدينة بلا سكان.. وذاكرة بلا صمت
اليوم، ما تزال معرة النعمان شبه خالية من سكانها، وتغطي الدمار أحياء كاملة منها. وبين الركام، تعيش قصة أحمد الحصري بوصفها جزءاً من الذاكرة الجمعية للمدينة وسكانها في المنفى.
بالنسبة لكثيرين، لم يكن الحصري بطلاً بالمعنى العسكري التقليدي، بل شاهداً أخيراً على مدينة رفضت أن تسلم دون كلمة وداع. وفي حرب طغت فيها الطائرات والصواريخ بعيدة المدى، بقيت حكايته تذكيراً بأنّ الأفراد، أحياناً، يصبحون عناوين لمدن كاملة.



