Blog

الحسكة بين إرث الماضي وتحولات الحاضر

فبراير 8, 2026

الحسكة بين إرث الماضي وتحولات الحاضر

يوسف شندي الراوي

تصنف محافظة الحسكة، الملقبة بـ “قلب إقليم الجزيرة”، أحد أهم المرتكزات الجيوسياسية “الأكثر تعقيداً وأهمية” في الجغرافيا السورية والشرق أوسطية؛ فهي المنطقة التي تتداخل فيها السويات الحضارية الموغلة في القدم، والتي تعود إلى الألفية الثامنة قبل الميلاد، والتي شهدت تحولات سياسية وعسكرية كبرى أعادت رسم ملامح السيادة السورية في مطلع عام 2026.

إنّ فهم الحسكة اليوم لا يقتصر على دراسة تقسيم إداري سابق، بل يتطلّب رؤية بانورامية تربط بين إرث الإمبراطوريات كـ “الميتانية” و”الآشورية”، وبين الاتفاقات السيادية المعاصرة التي أنهت حالة الانقسام، وأبرزها اتفاق الاندماج التاريخي الأخير.

تبرز محافظة الحسكة كـ”سرة” الهلال الخصيب، حيث تختزن في باطنها أسرار نشوء المجتمعات الزراعية الأولى، وفي ظاهرها نسيج بشري فريد يجمع العرب والأكراد والسريان والآشوريين والأرمن في نموذج للتعايش الذي صمد أمام أعنف التحولات منذ الأزل.

السجل الحضاري والأثري (عشرة آلاف عام من الاستقرار)

تشير الدراسات الأثرية المعمقة والحفريات إلى أنّ منطقة الحسكة هي إحدى أقدم المناطق المأهولة في العالم، حيث يعود الاستقرار البشري الدائم فيها إلى العصر الحجري الحديث.

  1. مملكة ميتاني وعاصمة الضباب “واشوكاني”:

خلال العصر البرونزي المتأخر (1550-1260 ق.م)، برزت “مملكة ميتاني” كقوة إقليمية عظمى سيطرت على حوض نهر الخابور وطرق التجارة الدولية.

وتعتبر مدينة “واشوكاني” (Washukanni)، التي يرجح علماء الآثار وقوعها تحت “تل الفخيرية” بالقرب من مدينة رأس العين، القلب النابض لهذه الإمبراطورية التي نافست الفراعنة والحثيين؛ ويرتبط اسم المدينة لغوياً بالكلمة الكردية “باشكاني” (Bashkani) التي تعني “مصدر الخير” أو “البئر الجيد”، وهو ما يعكس الوفرة المائية التاريخية للمنطقة.

  1. الحواضر الأثرية الكبرى ودلالاتها التاريخية:

لا تُعد محافظة الحسكة مجرد رقعة جغرافية في الشمال السوري، بل هي مخزنٌ تاريخي هائل يضم تحت ترابه أكثر من 1000 تل أثري، لم تبُح الأرض إلا بأسرار 150 تلاً منها حتى الآن.

هذه الحواضر لم تكن مجرد تجمعات سكنية، بل كانت مراكز إشعاع حضاري صاغت ملامح التاريخ الإنساني المبكر.

حموقار وتل حلف.. فجر التنظيم والفن

تبدأ الحكاية من “حموقار”، التي تعود للألف الرابع قبل الميلاد، وتُصنف كواحدةٍ من أقدم المدن المنظمة في العالم؛ حيث كشفت التنقيبات فيها عن أنظمة ري معقّدة ونظام إداري متطور اعتمد على “الأختام” لضبط الحراك الاقتصادي؛ وبالقرب منها، يبرز “تل حلف” (غوزانا) الذي يعود للعصر الحجري الحديث، ليكون مهد “حضارة تل حلف” الشهيرة بفخارها الملون الأخاذ ومنحوتاتها البازلتية المهيبة التي كانت تُزين المعابد والقصور.

تل براك وتل موزان.. مراكز القوة والروح

وعند مفترق الطرق التجاري الحيوي بين الحسكة والقامشلي، يشمخ “تل براك” (ناجار)، وهو حلقة وصل تجارية تعود للألفية الرابعة قبل الميلاد، ويشتهر عالمياً بـ “معبد العيون” الذي يعكس معتقدات فنية ودينية فريدة؛ أما “تل موزان” (أوركيش)، فقد كان القلب النابض للحضارة الحورية، بصفته العاصمة الدينية والسياسية، حيث وثقت الرُّقُم الطينية المكتشفة فيه شبكة معقّدة من العلاقات الدولية التي أدارها الحوريون آنذاك.

تل الفخيرية.. لغز العواصم الضائعة

يبرز “تل الفخيرية” شاهداً على صمود مذهل واستقرار بشري استمر 5000 عام (حتى عام 800 ميلادي). ويُعتقد على نطاق واسع أنّ هذا الموقع هو ذاته “واشوكاني”، العاصمة المفقودة للمملكة الميتانية، ممّا يجعله أحد أهم المراجع التاريخية لإثبات استمرارية الاستيطان الحضاري في المنطقة عبر العصور.

التحوُّل السياسي المعاصر (اتفاق 18 يناير 2026 والسيادة)

بعد سنواتٍ من الصراع والتعقيدات الميدانية التي أعقبت أحداث 2011، وسقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، شهد مطلع عام 2026 تحوُّلاً جذرياً في المشهد السياسي.

  1. اتفاق الاندماج التاريخي (الشرع – عبدي)

في 18 كانون الثاني 2026، وقّع الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، مع قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، اتفاقاً للاندماج الكامل في مؤسسات الدولة، تضمن الاتفاق 14 بنداً أساسياً:

  • الاندماج العسكري والأمني: دمج كافة عناصر “قسد” ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السورية بشكل فردي.
  • السيطرة على الموارد الاستراتيجية: تسليم كافة حقول النفط والغاز (مثل الرميلان والجبسة) والمعابر الحدودية (اليعربية وسيمالكا) للحكومة المركزية.
  • الإدارة المدنية: حل مؤسسات “الإدارة الذاتية” ودمج موظفيها في الوزارات، مع الاحتفاظ بـ “تمثيل إداري محلي” لمحافظة الحسكة لضمان الخصوصية الإدارية.
  • الأمن الإقليمي: الالتزام بإخراج العناصر العسكرية غير السورية (PKK) خارج الحدود لضمان استقرار السيادة ومعالجة هواجس الجوار.
  1. المرسوم التشريعي رقم 13 لعام 2026 – المواطنة والهوية

أصدرت الرئاسة السورية المرسوم رقم 13، الذي اعتبر “وثيقة مواطنة تاريخية” لإنهاء عقود من التهميش:

  • الاعتراف بالهوية الثقافية واللغوية الكردية كجزءٍ أصيل من النسيج الوطني.
  • منح الجنسية السورية لـ “مكتومي القيد” من الأكراد، ومعالجة كافة آثار إحصاء عام 1962 الجائر.
  • اعتماد عيد “النوروز” عطلة وطنية رسمية والبداية في تطوير مناهج لغوية كردية للعام الدراسي 2026-2027.

 الديموغرافيا والنسيج الاجتماعي (مختبر التعايش الإنساني)

تتميّز الحسكة بتركيبة سكانية متنوعة إذ يقطنها نحو 1.5 مليون نسمة حسب تقديرات كانون الثاني 2026 .

  • التوزع العرقي: تشكل القبائل العربية الغالبية (نحو 67.6% من القرى)، يليهم الأكراد بنسبة تقدر بـ 26%، مع وجود السريان، الآشوريين، الأرمن، التركمان ضمن التركيبة السكانية بنسب متفاوتة.
  • المكونات المسيحية وهجرات القرن العشرين: استقبلت المنطقة السريان والأرمن الناجين من مذابح “سيفو” (Sayfo) عام 1915. وفي عام 1933، شهدت المنطقة “هجرة الخابور” الكبرى عقب مذبحة سميل في العراق، حيث استقر 30 ألف آشوري في 35 قرية على ضفاف نهر الخابور.
  • اليهود في القامشلي (تاريخ الاندماج): ساهم اليهود في تأسيس مدينة القامشلي عام 1926 كمركز تجاري؛ أسسوا “سوق عزرا” (سوق اليهود) عام 1928، وكان التاجر “عزرا بن ناحوم بن إسحق” محل ثقة تامة من جميع السكان؛ تلاشت أعدادهم تدريجياً نتيجة الهجرات التي بدأت عام 1948 وانتهت بمغادرة آخرهم عام 1999.

الاقتصاد والموارد (الرئة الاقتصادية وسلة الخبز)

تمثل الحسكة العمود الفقري للاقتصاد السوري بفضل تكامل مواردها النفطية والزراعية:

  • قطاع الطاقة والسيادة الطاقية: تضم المحافظة أضخم الحقول مثل “الرميلان” و “الجبسة”؛ يُقدر الإنتاج في مطلع 2026 بنحو 80 ألف برميل يومياً، مع خطط للوصول إلى 100 ألف برميل في الربع الأول من العام.
  • الزراعة وتحديات الأمن الغذائي: تنتج الحسكة أكثر من نصف إنتاج سوريا من القمح؛ ومع ذلك، يواجه القطاع تحدي انخفاض منسوب المياه الجوفية بنسبة 82%، ممّا تسبب بتضرر 90% من المحاصيل في بعض المناطق ودفع المزارعين للنزوح نحو المدن بشكل متزايد.

الأزمة الإنسانية والخدمية (صراع المياه والنزوح)

تعد قضية المياه في مدينة الحسكة من أكثر الملفات إيلاماً تفاقماً، فمنذ عام 2019، تحوّلت محطة “علوك” (التي تضم 30 بئراً ارتوازياً) إلى أداةٍ في الصراعات الدائرة، ممّا حرم أكثر من مليون نسمة من مياه الشرب المستدامة.

النزوح: سجلت تقارير “أوتشا” في 26 كانون الثاني 2026 نزوح أكثر من 170 ألف شخص عبر محافظات حلب والحسكة والرقة.

تستضيف مدينة القامشلي وحدها نحو 97,900 نازح، تليها المالكية بـ 32,000 نازح.

 مستقبل الحسكة 2027-2026 (الحملات المجتمعية)

تستطيع أن تدخل الحسكة مرحلة “الانتقال من النزاع إلى التعافي المستدام” من خلال المبادرات الشعبية والوطنية الكبيرة والمستمرة:

  • الحملات “المجتمعية”: المبادرة الشعبية الوطنية (المنظمة) التي تهدف لجمع التبرعات لصالح إعادة إعمار البنية التحتية هي الحل الأمثل والنوعي في ظلّ التحديات الراهنة والمتفاقمة؛ ومن الممكن أن تستلهم مثل هكذا مبادرات من نجاح حملة “حلب ست الكل” التي جمعت 426 مليون دولار في 3 أيام؛ ومن الجيد جداً أن يتم التركيز في مثل هكذا مبادرات على حلّ أزمات من نوع أزمة محطة “علوك” بحيث تكون هكذا حلول واسعة التأثير ومستدامة الريع، لا تقديم حلول مؤقتة وسريعة؛ بالإضافة إلى دعم مشاريع الري الحديث ما قد ينعكس بشكلٍ كبير على المنتج الزراعي الأساسي والاستراتيجي، بالإضافة إلى إعادة إعمار المساكن والبيوت للشريحة الأكثر حاجة.
  • صندوق التنمية السوري: هي المؤسسة المركزية التي يجب أن تشرف على توجيه الاستثمارات (نحو 14 مليار دولار خطة وطنية) نحو قطاعات الصحة والتعليم والطاقة في إقليم الجزيرة؛ بالإضافة إلى تخصيص حالة خاصة لمنطقة الجزيرة ومشاريعها.
  • الاستقرار الثقافي والأدبي: تعزيز الفعاليات المشتركة كأعياد “النوروز” و”أكيتو”؛ وتكريم الإرث الأدبي لمبدعين مثل سليم بركات، الذي جعل من اللغة العربية “وطناً” لهويته الكردية والجزراوية.

الخلاصة:

محافظة الحسكة بعمقها الحضاري الذي يلامس فجر البشرية وبواقعها السياسي المتجدد حتى اللحظة، تظلّ أحد الأركان الأساسية في بناء سوريا الجديدة.

إنّ استمرار نجاح اتفاق الاندماج التاريخي الأخير، والاعتراف بالحقوق الثقافية للمكون الكردي، والبدء في تحضير وإطلاق حملات الإعمار الشعبية، يمثّل الضمانة الوحيدة لاستعادة دور “الجزيرة” كمنارةٍ للحضارة وسلة متنامية لخبز وكرامة السوريين جميعاً.

شارك

مقالات ذات صلة