سياسة
بعد أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد، لا يبدو أنّ العلاقات السورية اللبنانية تعود إلى “طبيعتها”، بقدر ما تحاول اختراع طبيعة جديدة بالكامل. طبيعة لا تقوم على الوصاية ولا على القطيعة، ولا المجاملات الدبلوماسية التقليدية، بل على إدارة إرث ثقيل من الملفات السياسية والأمنية والإنسانية، في مقدمتها ملف السجناء السوريين في السجون اللبنانية، الذي تحوّل مؤخراً إلى اختبارٍ حقيقي لشكل العلاقة بين دمشق وبيروت في المرحلة الجديدة.
في الظاهر، يبدو اتفاق نقل مئات السجناء السوريين من لبنان إلى سوريا خطوة تقنية قضائية، لكن في العمق، هو مرآة لعلاقة كاملة تعاد صياغتها من الصفر، بعد عقود من التشابك القسري، وسنوات من العداء المكتوم، ومرحلة انتقالية ما تزال هشّة في البلدين.
ذاكرة مثقلة وحدود غير محايدة
لم تكن العلاقة بين سوريا ولبنان يوماً علاقة دولتين متكافئتين. فمنذ الاستقلالين المتوازيين، ظلّ لبنان في الوعي السياسي السوري “ملفاً خاصاً”، بينما عاش اللبنانيون عقوداً وهم ينظرون إلى دمشق بوصفها مركز قرار يتجاوز حدود الجغرافيا. ومع دخول الجيش السوري إلى لبنان في سبعينيات القرن الماضي، ثمّ تحوّل هذا الوجود إلى وصاية سياسية وأمنية، تشكّلت ذاكرة لبنانية جماعية يصعب محوها أو تجاوزها بسهولة.
انسحاب القوات السورية عام 2005 لم ينهِ هذه العلاقة المركبة، بل نقلها إلى مستوى أكثر تعقيداً. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، عاد لبنان ليكون ساحة خلفية للصراع: لاجئون، تهريب، تدخل عسكري مباشر من “حزب الله”، واستقطاب سياسي حاد داخل المجتمع اللبناني نفسه.
كلّ ذلك جعل العلاقة بين البلدين رهينة الماضي، ومعلّقة على توازنات إقليمية أكثر من كونها نتاج قرار سيادي مشترك.
سقوط الأسد: فراغ أم فرصة؟
جاء سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 ليكسر هذا الجمود التاريخي. فجأة، لم تعد دمشق مركز ثقل أمنياً قادراً على فرض شروطه، ولم تعد بيروت مضطرة للتعامل مع “جار قوي” من موقع الدفاع الدائم.
لكن هذا التحوّل لم يكن تلقائياً ولا سهلاً. فالدولة السورية الجديدة ورثت مؤسسات منهكة، وملفات حقوقية شائكة، واقتصاداً مدمّراً، فيما كان لبنان غارقاً أصلاً في واحدةٍ من أسوأ أزماته الاقتصادية والسياسية. ومع ذلك، بدا الطرفان مضطرين أكثر من أيّ وقتٍ مضى إلى إعادة فتح الملفات المغلقة، لا بدافع المصالحة الأخلاقية، بل بدافع الضرورة. ومن هنا، برز ملف السجناء السوريين في لبنان كأحد أولى ساحات الاختبار.
السجناء السوريون في لبنان: ملف مؤجل انفجر
يقبع في السجون اللبنانية آلاف السوريين، بعضهم موقوف منذ سنوات طويلة دون محاكمة، وبعضهم مدان بجرائم تتراوح بين الدخول غير الشرعي، والمخالفات الجنائية، ووصولاً إلى قضايا أمنية مرتبطة بسنوات الحرب السورية.
هذا الواقع شكّل عبئاً مضاعفاً على لبنان اكتظاظ خانق في السجون، وضغط حقوقي داخلي ودولي، وتوتر دائم مع المجتمع السوري في لبنان.
وفي المقابل، ظلّ الملف معلّقاً سياسياً، إذ لم يكن ممكناً التفاهم مع نظام الأسد السابق على صيغة شفافة أو قانونية لنقل السجناء، وسط مخاوف من مصيرهم بعد الإعادة، واستخدامهم كورقة سياسية أو أمنية.
لكن بعد سقوط النظام، تغيّر المشهد، فالدولة السورية الجديدة وجدت نفسها مطالبة بإظهار سلوك مختلف، بينما رأت الحكومة اللبنانية فرصة لمعالجة ملف مزمن دون كلفة سياسية عالية.
اتفاق نقل السجناء: ماذا يعني فعلاً؟
إقرار اتفاقية نقل مئات السجناء السوريين من لبنان إلى سوريا هو أول اتفاق ثنائي عملي بين البلدين بعد سقوط الأسد، ويتجاوز في رمزيته عدد السجناء المشمولين به.
سياسياً، يعكس الاتفاق اعترافاً متبادلاً بوجود دولتين تتعاملان بندّية، لا بمنطق الوصاية أو الإملاء. وقضائياً، يؤسس لتعاون قانوني طالما غاب أو شُوّه. إنسانياً، يفتح باباً لمعالجة أوضاع سجناء ظلّوا عالقين بين نظامين وحدود مغلقة.
لكن الأهم، أنّ الاتفاق وضع العلاقة السورية اللبنانية أمام اختبار الثقة: هل تستطيع دمشق الجديدة ضمان حقوق هؤلاء السجناء؟ وهل يلتزم لبنان بآليةٍ شفافة لا تخضع للمزاج السياسي أو الضغوط الأمنية؟.
بين الترحيب والقلق
في لبنان، قوبل الاتفاق بارتياح رسمي، خصوصاً من الجهات المعنية بإدارة السجون، لكنّه أثار في الوقت نفسه تساؤلات حقوقية. منظمات مدنية لبنانية وسورية عبّرت عن مخاوف من أن تتحول عملية النقل إلى “تخلٍّ عن المسؤولية”، إذا لم تُرفق بضمانات حقيقية لمعاملة السجناء ومحاكمتهم العادلة داخل سوريا.
أمّا في سوريا، فقد جرى تقديم الاتفاق بوصفه مؤشراً على عودة الدولة لممارسة دورها السيادي تجاه مواطنيها في الخارج. غير أنّ قطاعات من الرأي العام السوري، خصوصاً من المتضررين من التجربة الأمنية السابقة، ما زالت تتعامل بحذرٍ مع أيّ ملف أمني، حتى لو جاء مغلفاً بخطاب جديد.
هذا التباين في المقاربات يعكس هشاشة المرحلة، ويؤكد أنّ الاتفاق ليس نهاية الطريق، بل بدايته فقط.
ما بعد السجناء: ملفات تنتظر
إذا نجح اتفاق نقل السجناء، فمن المرجح أن يفتح الباب أمام ملفات أكثر تعقيداً، أبرزها عودة اللاجئين السوريين، إذ يضغط لبنان باتجاه عودة واسعة، فيما تصر دمشق على ربط العودة بإمكانات اقتصادية وأمنية محدودة. هنا، سيُختبر مدى قدرة الطرفين على الفصل بين الإنساني والسياسي.
ضبط الحدود ومكافحة التهريب
سنوات الحرب حوّلت الحدود السورية اللبنانية إلى مساحةٍ سائبة. إعادة ضبطها تتطلّب تعاوناً أمنياً حقيقياً، لا شعارات.
إعادة تعريف الدور الإقليمي
تراجع نفوذ اللاعبين التقليديين، وفي مقدمتهم “حزب الله”، يفتح المجال أمام إعادة تموضع إقليمي، قد يمنح العلاقة الثنائية استقلالية أكبر، أو يزجّها في صراعات جديدة.
علاقة بلا أوهام
ما يجري اليوم بين سوريا ولبنان ليس مصالحة رومانسية، ولا قطيعة نهائية مع الماضي. إنّه مسار براغماتي، تحكمه المصالح، وتقيّده الذاكرة، وتضغط عليه الأزمات.
اتفاق نقل السجناء السوريين من لبنان إلى سوريا ليس حلاً سحرياً، لكنّه مؤشر واضح على أنّ الطرفين يحاولان الخروج من منطق إدارة الأزمات إلى منطق تنظيم الخلاف. وهذا بحد ذاته تطور مهم، وإن كان هشًّا.
بعد أكثر من سنة على سقوط نظام بشار الأسد، تبدو العلاقات السورية – اللبنانية أمام خيارين: إمّا تحويل هذه الخطوات المحدودة إلى مسارٍ ثابت يعيد بناء الثقة تدريجياً، أو العودة إلى دائرة الشك والملفات المؤجلة، حيث يتحوّل كلّ اتفاق إلى عبءٍ جديد بدل أن يكون فرصة.
في الحالتين، لم يعد ممكناً العودة إلى ما كان عليه الأمر سابقاً. العلاقة تغيّرت، والسؤال لم يعد إن كانت ستتغيّر أكثر، بل في أيّ اتجاه؟

