مدونات

التركمان السوريون بين التهميش وسوء التمثيل

فبراير 6, 2026

التركمان السوريون بين التهميش وسوء التمثيل

وسيم طوقتلي

 

ليس من السهل لي كوني ناشطاً في شؤون تركمان سوريا ومحور العلاقات التركية التركمانية السورية التحدث باسم مكون عانى لفتراتٍ طويلة من التهميش والإقصاء وسوء التمثيل من بعض الشخصيات رغم حضور المكوّن التاريخي والجغرافي البارز في سوريا. غالباً ما نقتصر على الخطابات دون الاطلاع على الواقع الميداني من الناحية السياسية والتعلمية والاجتماعية. من هنا أردت التحدث بقراءةٍ ميدانية بحثية عمّا لا يُقال عن التركمان السوريين، بل عمّا يريدون إيصاله وقوله كمكوّن ثان في سوريا.

في كلّ مشهدٍ يتصدّر المجتمع التركماني السوري كعاملٍ وطني أساسي جامع تكمن بداخلهم الوحدة الوطنية ورفض طلبات الانقسام وتتكرر هذه الجملة في أذهان جميع المكون، وهي: “نريد دولة واحدة جامعة لكلّ الأطياف كما نحن هم وكما هم نحن”. هذه الجملة البسيطة تكشف لنا عمق تمسّك المكون السوري التركماني بوحدة الوطن ودعمه الثابت للقضية السورية منذ بدايتها إلى ما بعد انتصارها من خلال إسقاط النظام البائد ودعمهم للحكومة الحالية في جميع الأزمات التي حصلت، وهذه الصفة والولاء للدولة لا تتشكّل عبر صدف أو حادثة تاريخية بل لها علاقة تاريخية بحدّ ذاتها في داخل المكون السوري التركماني

تعاني القضية التركمانية السورية من عدة إشكاليات مزدوجة، إحداها ضعف التمثيل من جهة، وتعدد المتسلقين مدعي التمثيل باسم المكون من جهةٍ أخرى، وبين هاتين المشكلتين يضيع الصوت الحقيقي للقاعدة الاجتماعية التركمانية، لصالح عدة خطابات غالباً ما تكون بعيدة ومنفصلة عن الواقع الميداني. فالفجوة الحاصلة بين النخب المتصدرة للمشهد والبيئة الاجتماعية التي يفترض أنّها تمثّلها آخذة بالاتّساع. فالكثير من المواقف السياسية المعلنة لا تنبع من  نقاشٍ داخلي حقيقي.

هنا أعزائي لا تكمن القصة في التمثيل التركماني فقط، فطريقة استحضارهم عند الحاجة فقط، إذ يستدعى اسمهم في الموازنات السياسية والعلاقات الأخرى، لكن يغيب رأيهم عند اتخاذ القرار، وهذا ما لمسته بوضوح خلال الفترات الاخيرة.

أنا لا أدعي التمثيل الكامل للمكوّن التركماني كوني أحد أبناء هذا المكوّن الأصيل، بل أسعى إلى نقل ما يريد المكوّن التركماني السوري قوله عبر قلمي، وهذا دوري الأساسي كباحثٍ في شؤون التركمان السوريين، لأنّ أساس الواقع الميداني هو الصوت الحقيقي للمكونات كلها.

ما يقوله التركمان السوريون اليوم مختلف تماماً عن بعض التكتلات الداعية للتقسيم، فالتركمان السوريون يريدون: “شراكة حقيقة عادلة، وتمثيلاً عادلاً يليق بدورهم عبر التاريخ، وهوية مصانة ضمن وطن جامع”. لكن خصوصيتهم تكمن في أنّ صوتهم ما زال لا يُسمع، ولا يُرى. وربما يجب تغيير ذلك. فهنالك المئات من الكفاءات داخل المجتمع السوري التركماني تزرف الدموع لأجل خدمة الوطن والسعي إلى تمثيل سوريا تمثيلاً حقيقياً يليق بها.

إنّ ما كشفته في خلال زياراتي الأخيرة لا يدعو الى القطيعة او التصعيد، بل للمراجعة فقط. مراجعة هادئة لتمثيل المكوّن السوري التركماني، ولطبيعة متطلبات المكوّن. فالقضايا تُحل داخل أطر جامعة، ومن خلال رؤية سياسية واضحة من الداخل تتفاعل مع المكوّن السوري التركماني. ففي لحظة التحوُّل التي تمر بها سوريا، يصبح الاستماع إلى الأصوات ضرورة سياسية لا ترفاً أخلاقياً. التركمان السوريون، بما يملكونه من رصيدٍ تاريخي واجتماعي، قادرون على أن يكونوا عنصر توازن في المنطقة.

من منطلق هذا الحديث، فإنّ الطريق نحو التمثيل الحقيقي للمكون التركماني السوري الفاعل لا يمر عبر الادعاء بالتمثيل فقط، بل عبر خلق مساحات تمكنه من الحديث بنفسه، ضمن مشروع وطني جامع، يعيد الاعتبار للتنوّع بوصفه مصدر قوة، لا عامل للانقسام.

 

 

.

 

شارك

مقالات ذات صلة