مدونات

السياسة بين القناعة والإكراه: مقاربة نظرية في سلوك الفاعل السياسي

فبراير 5, 2026

السياسة بين القناعة والإكراه: مقاربة نظرية في سلوك الفاعل السياسي

الكاتب: كرم الدين حسين

تُعد السياسة من أكثر المجالات تعرضًا لسوء الفهم في الوعي العام، إذ غالبًا ما تُقاس ممارساتها بمعايير أخلاقية مجردة، وتُحاكم قراراتها بمنطق ثنائي تبسيطي: وطني أو خائن، مع الشعب أو ضدّه، ثابت أو متقلب. غير أنّ هذا التصور يغفل الطبيعة البنيوية للسياسة بوصفها مجالًا لإدارة التوازنات، لا لتحقيق المثاليات. فالسياسي لا يتحرك في فراغ قيمي، بل داخل شبكة معقّدة من الإكراهات التاريخية والمؤسساتية والدولية.

من هذا المنطلق، تسعى هذه المقاربة إلى تقديم قراءة نظرية في سلوك الفاعل السياسي، تُظهر كيف يمكن لقرارات تبدو متناقضة مع القناعات المعلنة أو مع الإرادة الشعبية أن تكون، في سياقات معينة، تعبيرًا عن منطق المسؤولية لا عن الانحراف أو الخيانة.

أولًا: السياسة كحقل إكراه

يذهب علم الاجتماع السياسي إلى أنّ السياسة ليست نتاج إرادة فردية خالصة، بل ممارسة مشروطة بالبنية. فالفاعل السياسي يتحرك داخل حقل تحدده موازين قوى داخلية وخارجية، وحدود اقتصادية وأمنية، وسقوف قانونية ومؤسساتية. ووفق هذا التصور، فإنّ القرار السياسي هو حصيلة تفاعل دائم بين الذات الفاعلة والقيود المفروضة عليها.

وتؤكد المقاربة البنيوية، كما عند بيير بورديو، أنّ الحقل السياسي يفرض منطقه الخاص، وأنّ الفاعلين مضطرون إلى التكيف مع قواعده من أجل الاستمرار داخله. وعليه، لا يُفهم تغيّر المواقف بوصفه افتقارًا إلى المبدأ، بل باعتباره استجابة لتحولات مواقع القوة داخل الحقل ذاته.

ثانيًا: الواقعية السياسية ومنطق الممكن

تشكّل الواقعية السياسية أحد أهم المداخل النظرية لفهم السلوك السياسي. فمنذ نيكولو مكيافيللي، جرى التأكيد على أنّ غاية السياسة ليست تحقيق الفضيلة الأخلاقية، بل الحفاظ على الدولة وضمان استمراريتها. فالسياسي، وفق هذا المنظور، يُحاسَب على نتائج أفعاله لا على نقاء نواياه.

وقد طوّر مفكرو الواقعية الحديثة، مثل هانس مورغنثاو، هذا الطرح عبر ربط السياسة بمفهوم المصلحة الوطنية، معتبرين أنّ الدولة، بوصفها فاعلًا عقلانيًّا، تسعى إلى تعظيم أمنها في نظام دولي فوضوي. ووفق هذا المنطق، قد تجد الدولة نفسها مضطرة إلى عقد تحالفات تتناقض مع خطابها القيمي، أو تقديم تنازلات مرحلية، درءًا لمخاطر أكبر.

ثالثًا: ماكس فيبر وأخلاقيتا القناعة والمسؤولية

يقدم ماكس فيبر إطارًا تحليليًّا بالغ الأهمية لفهم التوتر القائم بين الأخلاق والسياسة، إذ يميز بين “أخلاق القناعة”، التي تحاكم الفعل بناء على نواياه ومبادئه، و”أخلاق المسؤولية”، التي تحاكمه بناء على نتائجه وآثاره الواقعية.

ويرى فيبر أنّ السياسي الحقيقي لا يمكنه الاكتفاء بأخلاق القناعة، لأنّ ذلك قد يقود إلى نتائج كارثية على المجتمع والدولة. بل عليه أن يتحمل عبء المسؤولية، حتى وإن استدعى ذلك اتخاذ قرارات تتعارض مع قناعاته الشخصية أو مع التوقعات الأخلاقية السائدة لدى الجمهور.

رابعًا: الدولة كأولوية قصوى في الفكر السياسي

في الفلسفة السياسية الحديثة، يحتل مفهوم الدولة موقعًا مركزيًّا. فقد اعتبر توماس هوبز أنّ غياب سلطة قوية يؤدي إلى حالةٍ من الفوضى، تصبح فيها حياة الإنسان “منعزلة، فقيرة، قذرة، ووحشية وقصيرة”. ومن هذا المنطلق، تُبرَّر السلطة القوية والقرارات القسرية بوصفها ثمنًا ضروريًا للاستقرار.

وحتى في الفلسفات السياسية الأقل تشددًا، يبقى الحفاظ على كيان الدولة شرطًا أوليًا لأي مشروع أخلاقي أو سياسي، إذ لا يمكن الحديث عن عدالة أو حرية أو سيادة في ظل انهيار الدولة أو تفككها.

خامسًا: بين الإرادة الشعبية وحدود الحكم

تمثل العلاقة بين السياسي والجمهور إحدى أكثر العلاقات توترًا في النظام السياسي. فالإرادة الشعبية، على الرغم من مشروعيتها، غالبًا ما تكون آنية أو عاطفية، أو غير مطلعة على التعقيدات البنيوية للقرار السياسي. في المقابل، يُفترض في السياسي أن ينظر إلى المدى المتوسط والبعيد، وأن يوازن بين الرغبة الشعبية والمصلحة العامة.

وتُظهر نظريات الديمقراطية التمثيلية أنّ التفويض الشعبي لا يعني الخضوع الكامل للمزاج العام، بل تحميل الفاعل السياسي مسؤولية اتخاذ قرارات قد تكون غير شعبية، لكنّها ضرورية للحفاظ على استقرار الدولة ومصالحها.

سادسًا: إعادة تعريف الوطنية في التحليل السياسي

الوطنية، من منظور تحليلي، لا تُقاس بحدة الخطاب أو بدرجة التصعيد الرمزي، بل بقدرة الفاعل السياسي على حماية كيان الدولة، وضمان استقرارها، وتحقيق مصالحها الأساسية في سياق دولي تنافسي. وعليه، فإنّ اتهام السياسي بالخيانة لمجرّد تغيّر مواقفه أو تقديمه تنازلات مرحلية يعكس قصورًا في الوعي السياسي أكثر ممّا يعكس حقيقة سلوكه.

نحو قراءة عقلانية للسلوك السياسي

يخلص هذا الطرح إلى أنّ السلوك السياسي لا يمكن فهمه أو الحكم عليه خارج سياقه البنيوي والتاريخي. فالسياسة ليست مجالًا للطهرانية الأخلاقية، بل حقلًا لإدارة الإكراهات وتحقيق الممكن. إنّ الفصل بين أخلاق الفرد ومنطق الدولة، وبين القناعة الشخصية والمسؤولية السياسية، يُعد شرطًا أساسيًا لأيّ تحليل علمي رصين. وبدون هذا الفصل، سيظل الخطاب السياسي أسير ثنائيات تبسيطية تعيق الفهم، وتحوّل التحليل إلى إدانة، والسياسة إلى ساحة تخوين دائم

شارك

مقالات ذات صلة