تأملات

إبستين الأمريكي وجو الصيني.. عيوب بنيوية في النظام العالمي

إبستين الأمريكي وجو الصيني.. عيوب بنيوية في النظام العالمي

خطر في بالي مع ظهور وثائق جيفري إبستين، المتهم بجرائم جنسية، عدة خواطر، منها ابتداء الشرح الرباني لتصرفات المترفين وفسوقهم: «وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا»، ثمّ سحبتُ من رفوف مكتبتي تحقيقًا استقصائيًّا مطولًا عن فضيحة سرقة صندوق التنمية الماليزي وقصة “جو لو”، الرجل الصيني الذي خدع وول ستريت وهوليوود والعالم، وهو كتاب من تأليف توم رايت وبرادلي هوب. استدعائي لتفاصيل قضية سرقة صندوق التنمية الماليزي لمدى التشابه الكبير في نمط حياة الترف بين إبستين وجو، وانعكاس ذلك على قصور النظام العالمي عن معالجة كثير من الثغراث التي تُفرِز أمثال ظاهرة إبستين وجو الصيني.

اختفى مبلغ لا يقل عن 4.5 مليار دولار من صندوق السيادة الماليزي، سرقه النصاب “جو لو”، وقد كان مقربًا من رئيس الوزراء الماليزي نجيب عبد الرزاق، وأنفقه جو في بناء شركة إنتاج في هوليوود، واقتناء واحد من أكبر اليخوت في العالم الذي صُنع بناءً على طلبه، وإقامة حفلات ماجنة على نطاق واسع في أرجاء المعمورة. وهذه القضية تمثل واحدة من أكبر عمليات الاختلاس المالي في التاريخ. كل هذا النمط من الحياة يذكّرني بحياة إبستين.

كان “جو لو” كاذبًا متسلسلًا، أدرك كيف يسير العالم بصورة فعلية. يكشف الكتاب عن وحشية الرأسمالية وفساد هذه الطبقة. جو واحد من كبار المبذرين الذين عرفتهم طبقة الأثرياء المترفين، ممّن يجوبون العالم جوًّا. وعندما تقرأ صفحات قصة هذا النصاب يتكشّف أمامك أنّ الموضوع ليس مجرّد قصة لنجاح واحد من مصرفيي وول ستريت، بل الأمر في صميمه تجلٍّ لإخفاقات الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين، وبالتحديد قدرة “جو لو” على أخذ الكثير، خادعًا في ذلك مصارف وول ستريت، ومدققي الحسابات، والمشرعين، والبنوك، ونجاحه في توظيف ثروة هائلة لشراء الصداقات مع أشهَر الممثلين والعارضات في العالم، والسهولة التي جعل بها الجميع يقتنعون بأنّه ذو مصداقية، فقط لأنّه يملك الثروة الضخمة، دون السؤال عن مصدرها أو طبيعة عمله، كلّ ذلك يشير إلى مجتمعٍ عالمي يتملكه حب المال والبهرجة وحب الترف والفساد الخلقي.

عالم تحتل فيه الملاذات الآمنة السرّية للأموال مكانة مخصوصة، يضع فيها غاسِلُو الأموال والمجرمون والمتهربون من الضرائب حصيلة الثروة. ويشير الكتاب إلى أنّ أحد التقديرات الحديثة يقول إنّ مقدار الأموال المخبأة في المراكز المالية الخارجية، منذ عام 1970، يبلغ 32 تريليون دولار. رقم يعادل اقتصاد الولايات المتحدة والصين مجتمعتين!

يوضح مؤلفو الكتاب أنّ سرقة القرن منحت جو حياة مذهلة للغاية ومترفة. وقصة السرقة هي انعكاس لعالم الرأسمالية واللامساواة. يشرح الكتاب كذلك نمط حياة جو الذي عاش في أجنحة رئاسية، واستدعي المشاهير جوًّا من أرجاء العالم، يجتمعون وهُم يعبّون الشامبانيا، وفي الحفلات يحضر الممثل ليونادرو دي كابريو، وشملت قائمة المدعوين لحفل عيد ميلاد جو نجومًا في هوليوود، ومصرفيين كبارًا، وشخصيات نافذة. وقد أشار العاملون في الكازينوهات والملاهي الليلية إلى جو وكونه واحدًا من زبائنهم الأكثر إنفاقًا، وأنّه واحد من الحيتان، وهو مصطلح يعني الذين ينفقون ثروة طائلة في ليلةٍ واحدة في هذه الحفلات.

حضرت المغنية برتني سبيرز حفلة لجو وتلقت مبلغًا من ستة أرقام لقاء حضورها الوجيز، وهذا كان سلوك جو في جذب المشاهير عبر دفع الأموال الضخمة لهم لحضور مناسباته، وتضمنت خطة جو تكوين صداقات مع أشهَر شخصيات في العالم، ومواعدة النساء المشهورات، والتلاعب بالقطاع المالي العالمي عبر الرشى والحوالات الوهمية. وتُجسِّد هذه السرقة مثالًا على السلطة المهولة التي يملكها من يتقنون التحكم في المال وإنفاقه وتكوين العلاقات وشراء ذمم السياسيين.

في جزيرة بينانغ

زُرْتُ جزيرة بينانغ في ماليزيا في إحدى المرات القليلة التي جرّبت فيها مفهوم السياحة، وكِدتُ أغرق عندما هبطت المظلة بي إلى وسط المياه، فقد كانت المظلة مربوطة بالقارب الذي يجرّها لترتفع في عناء السماء وتطلّ على منظر عجيب يجمع بين روعة زرقة البحر وجمال صفاء السماء وأنا بينهما معلق بحبل مشدود، أتلو الشهادتين وأنا في بحر الصين الجنوبي، آخر مكان توقعَت أمّي أن أصل إليه، وما لبث أن انقطع الحبل وهبطتُ من ارتفاع شاهق إلى المياه.

في تلك الجزيرة ذاتها وُلد جو لو من العِرق الصيني الموجود في ماليزيا، وفي المدرسة ارتبط جو لو مع رضا عزيز، ابن زوجة رئيس الوزراء الماليزي نجيب عبد الرزاق. انتبه الفتى الصغير جو في المدرسة الداخلية إلى قيمة العلاقات الشخصية، فقد تعرَّف كذلك إلى ابن سلطان بروناي، البلد الصغير الغني بالنفط، المتاخم لماليزيا، فقد كان هذا الفتى ممّن يُقِلُّهم السائقون بسيارات رولز رويس عند نهاية الفصل الدراسي.

تصرَّف جو لو لاحقًا بطريقة إظهار الثراء الفاحش حتى يبهر الأنظار بعد أن نفّذ سرقته، استعمل الإبهار وحجز الكازينوهات لنفسه ولرفاقه شخصيًّا، لإضفاء طابع الخصوصية على حفلاته، وتقديم أنواع المشروبات والمقبلات كافة. استخدام جو النساء في حفلاته يذكّرني بطريقة إبستين، حتى لو لم تصل إلى الممارسة مع القاصرات، لكنه جعل من النساء سلعة في معرض الصفقات والفنادق، وظهرت في إحدى حفلاته عارضة ترتدي ثوب سباحة، لا أكثر، مصنوعًا من أوراق الخس، في لحظة ما من الحفلة، عبرَت ساحة الرقص، واستلْقَت على سطح المشرب، وغطى النادل جسدها شبه العاري بالسوشي، ليتناوله الحاضرون بعيدان الطعام. راقب اللص جو لو المشهد مبتسمًا، فيما ضج المحتفلون بالضحك، في مشهدٍ يبتذل المرأة ويحتقرها.

تحوَّل “جو الصيني” إلى جاتسبي العظيم الآسيوي، في إسقاط لروايةٍ شهيرة عن ثري أمريكي كتبها الروائي فيتزجيرالد عن رجلٍ ثري غامض يقيم حفلات باذخة في كلّ ليلة سبت. إنّ ممارسة نفس الطرق من إغشاء البصر بالترف، واستعمال النساء في الحفلات أدوات للمتعة، والصمت عن مصدر الثروات، وفساد البنوك عبر الرشى، وفساد مدققي الحسابات، تتكرر في كثيرٍ من القضايا والحالات كما نرى.

الفساد بين رجال الأعمال ورجال السياسة

بين رجال الأعمال ورجال السياسة تلازم في قضية إبستين، نماذج كثيرة من هذا الجوّ العفن من العلاقات، نقرأ في أوراق إبستين عن وساطة من رجل الأعمال الياباني يسأل إبستين عن خروج معتقل سوري من سجون بشار الأسد وهل يعرف إبستين طريقًا لهذا الأمر، فيردّ إبستين أنّ هذه الأمور لا تُناقَش على الإيميل.

في حالة اللص جو الصيني، اجتمعت رغبات وأطماع من السياسي مع أهل المال، والحالة هنا العلاقة المريبة بين جو مع رئيس الوزراء الماليزي نجيب عبد الرزاق الذي سهّل بغفلته حدوث الصفقات والسرقة. كان لدى نجيب رئيس الوزراء الماليزي ولع بالأنواع الغالية من السيجار، وإعجاب بسلوك الطبقة الإنجليزية الراقية، وهذا الانصياع لرغبات الترف تجلّى في حالة زوجته روزما التي استطاع “جو لو” أن يقدّم لها الرشى والهدايا الفخمة، وكان جو يشتري لها أغلى الجواهر.

في أواخر عام 2009، وصل جو إلى أموال سائلة بما يفوق أيّ إنسانٍ على الأرض تقريبًا، ولم يتملكه الحياء بشأن إنفاقها، جذب الأنظار في نيويورك ولاس فيغاس، وجمع بين الاحتفالات الصاخبة وبناء شبكة من العلاقات الشخصية. كانت الثغرات في النظام العالمي تساعده، فهو ينقل الأموال من صندوقٍ ماليّ سياديّ حكوميّ يُدار بطريقةٍ سيئة دون رقابة في العالم النامي، ويحوّلها إلى ملاذاتٍ آمنة يحيط بها الغموض ضمن نظام ماليّ يفتقر إلى الضوابط، ويكاد الخلل يعمّ مفاصلة كافة، واستطاع أن يستفيد من كلّ الثغرات المظلمة التي لا يلتفت إليها المشرّعون بصورةٍ كاملة.

سأعطيك مثالًا: أنفق جو لو وحاشيته بين أكتوبر/تشرين الأول 2009 ويونيو/حزيران 2010، المدة التي تعادل ثمانية أشهر لا أكثر، 85 مليون دولار لابتياع الخمور، والمقامرة في لاس فيغاس، وتأمين الطائرات الخاصة، واستئجار اليخوت الفخمة، والدفع لعارضات الإثارة ومشاهير هوليوود لكي يحضروا حفلاتهم. لقد جلب النادلات بالطائرة من نيويورك إلى ماليزيا من أجل إحدى حفلاته. لذلك أرى أنّ نمط جنون إبستين مكرر في هذه الأوساط. اشترى جو حقائب بيركين من إنتاج إيرميس، التي يبدأ سعرها باثنَي عشر ألف دولار، ويرتفع ليبلغ ستة أرقام، من أجل أصدقاء، وأصدقاء أصدقاء، وأشخاص التقاهم للتو حتى.

كان جو الشخص الأكثر إنفاقًا طِبقًا لشهادة واحد ممّن تعرّف إليه، وجو يستطيع أن يقول على مائدة الغداء في مطعم في لندن: «من يود أن يتناول العشاء في نيويورك؟»، ثمّ يستأجر طائرة خاصة ليحدث الأمر سريعًا، وتجد أنّك تتناول العشاء في مانهاتن. أنتج جو فيلم «ذئب وول ستريت»، ووفّر للمخرج سكورسيزي ما يحلم به الجميع في هوليوود، تمويلًا غير محدود يترافق مع سيطرةٍ فنية مطلقة على العمل. وتنبّه البطل الرئيسي بيلفورت الذي ألهم سيناريو فيلم «ذئب وول ستريت» إلى حكاية قصة حياته وأنّ ما يفعله جو هو إنفاق شخص سرق هذه الأموال، انتبه وهو لص سابق إلى تصرفات لص حاليّ يُضيع الأموال بلا مبالاة.

ليس هذا فحسب، بل تصرفات جو جلبت الانتباه من أحد الدبلوماسيين العرب إلى هذا الترف والجنون، وهو ذاته الدبلوماسي الذي تلقى رشى من جو لو بلغت 60 مليون دولار مقابل عمولة في مقابل أن يعرّف جو إلى شخصيات مهمة تقوم على إدارة صندوق سيادي خليجي. حذر الدبلوماسي من تصرفات جو في الحفلات التي قد تلفت الأنظار إلى مصدر الأموال وتثير علامات الاستفهام. إنّ التداخل بين رجال الأعمال والسياسة والدبلوماسية يتجلّى في قضية إبستين وفي فساد هذه الطبقة المخملية.

لقد صار أصحاب المليارات ملوكًا اليوم، مثل لويس الرابع عشر، رفل جو لو وأمثاله في كلّ المجالات حتى مجال اللوحات الفنية النادرة، فقد اشترى لوحة لفان جوخ، وعاش مثل إبستين في عالم تُلبى فيه على الفور كلّ نزواته. إنّ المشكلة في النظام العالمي المالي والدولي الذي يتيح الثغرات للسرقة والإفساد وشراء الذمم بالمال.

تكمن عبقرية اللص جو لو في استشعاره أنّ أكبر مصارف العالم، بمدققي حساباتها ومحاميها، لن تضع العراقيل أمام مخططه إنّ اشتمت رائحة أرباح كبيرة. لا يمكن أن نعتبر السبب هو ضعف الجهاز الرقابي الماليزي، لكن ذلك يعكس فساد مديرين تنفيذين في العالم المتحضر! في عواصم مثل لندن وجنيف ونيويورك ولوس أنجلوس وسنغافورة وأماكن أخرى، جمع جو بين العالمين ماليزيا والغرب، وعرف تمامًا كيف يتلاعب بالنظام الدولي.

شارك

مقالات ذات صلة