تأملات

عندما أُسيءَ فهمُ الآية!

فبراير 5, 2026

عندما أُسيءَ فهمُ الآية!

قال أَسْلَمُ بنُ عِمْرانَ: كُنَّا في حصارِ القُسطنطينيَّةِ، فخرجَ من المدينةِ صفٌّ عظيمٌ من الرُّومِ، وصففنا لهم صفًّا عظيمًا من المسلمينَ، فحملَ رجلٌ من المسلمينَ على صفِّ الرُّومِ، حتّى دخلَ فيهم، ثمَّ خرجَ علينا مُقبِلًا، فصاحَ النّاسُ فقالوا: ألقى بيديه إلى التَّهلكةِ!

فقامَ أبو أيوبٍ الأنصاريُّ صاحبُ رسولِ الله ﷺ فقال: أيُّها النّاسُ إنَّكم تتأوَّلون هذه الآيةَ على غيرِ ما أُنزِلَتْ فيه، نزلتْ فينا معشرَ الأنصارِ، ذلك إنَّا لمّا أعزَّ اللهُ دينَه، وكثُرَ ناصروه، قُلنا بعضُنا لبعضٍ سرًّا: إنَّ أموالَنا قد ضاعتْ، فلو أقمنا فيها، وأصلحنا ما ضاعَ منها، فأنزلَ اللهُ تعالى في كتابِه يردُّ علينا ما هممنا به، فقال: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.

الدَّرسُ الأوَّلُ:

حُكمُنا على قضيَّةٍ ما لا يكشفُ حقيقتَها بقدرِ ما يكشفُ عن حقيقةِ فهمِنا لها، فإذا ما تعلَّقَ الأمرُ بالدُّنيا فتسديدٌ ومقاربةٌ، وتقديرٌ للعواقبِ، وحسابٌ للمنفعةِ، ثمَّ المفاضلةُ بين هذا وذاك، أمّا إذا ما تعلَّقَ الأمرُ بالدِّينِ فالعقلُ يعملُ في فهمِ النَّصِّ، ولا يشتغلُ في إيجادِ حلٍّ أو حكمٍ لقضيَّةٍ قد بُتَّ فيها!

وإنَّ ممّا ابتُلينا به أنَّ العبدَ الّذي لا يرى أبعدَ ممّا تُريه إيّاه عيناه يريدُ أن يستدركَ على اللهِ تعالى، الّذي يرى الأمورَ بكلِّ جوانبِها، ما عَلِمَه العبدُ منها وما جهِلَه، فإن كان الشَّرعُ في كفَّةٍ وعقلُكَ في كفَّةٍ فقد حانَ الوقتُ أن تُراجعَ عقلَكَ، لا أن تبحثَ عن حلولٍ لقضايا أكبرَ منك وأنت بالكادِ قادرٌ على حلِّ مشكلاتِكَ الشَّخصيَّةِ!

ولستُ أُقلِّلُ من قدرِ العقلِ ولا أقولُ لك لا تُفكِّرْ، فما أطلقَ أحدٌ العقلَ كما أطلقه الإسلامُ، ولا حثَّ على التَّفكيرِ والتَّدبُّرِ كما حثَّ عليه هذا الدِّينُ العظيمُ، ولكنَّ كلَّ ذلك مشروطٌ بألّا يخلعَ المرءُ عباءةَ عبوديَّتِه للهِ، تُفكِّرُ وأنت عبدٌ، وتتأمَّلُ وأنت عبدٌ، وتستنتجُ وأنت عبدٌ، أمّا أن تطرحَ فكرًا مقابل فكرٍ ربّانيٍّ، وحكمًا مقابل حكمٍ إلهيٍّ، فهذا ليس تفكيرًا ولا تدبُّرًا، أنتَ هنا تطرحُ نفسَكَ ربًّا من حيث تدري أو لا تدري، إنَّ الّذي يُفتي بالعقلِ مع وجودِ النَّصِّ القاطعِ يُهلِكُ نفسَه ويُهلِكُ النّاسَ، ومصيرُه كنهايةِ العابدِ الّذي أفتى للّذي قتلَ تسعًا وتسعينَ نفسًا أن لا توبةَ له فقتله وأكمَلَ به المئةَ، لقد نظرَ بعقلِه إلى العددِ فاستعظمه ولم ينظرْ بالنَّصِّ إلى رحمةِ اللهِ ليعرفَ أن لا ذنبَ مهما كبُر إلّا ورحمةُ اللهِ تعالى وعفوُه أكبرُ منه!

الدَّرسُ الثّاني:

لا تحكمْ على كلِّ الأمورِ بعينِ الدُّنيا فإنَّك إن فعلتَ خسرتَ الدِّينَ ولم تربحِ الدُّنيا، وإنَّك لو حملتَ عينَ الدُّنيا وطُفتَ بها أرجاءَ التَّاريخِ لتبيَّنَ لك أنَّ عينَ الدُّنيا عمياءُ لا ترى، إنَّك لو نظرتَ إلى مصعبِ بنِ عُميرٍ فتى قريشٍ الوسيمِ المُدلَّلِ يومَ غزوةِ أُحدٍ ورأيتَهم قد غطُّوه بخرقةٍ أقصرَ من جسدِه لقلتَ متحسِّرًا: يا لهذه النِّهايةِ البائسةِ، ولكنَّ ذلك اليومَ كان خيرَ أيّامِ مصعبِ بنِ عُميرٍ إذ غادرَ فيه ضيقَ الدُّنيا إلى سعةِ الآخرةِ، وفرَّ من كدرِ هذا الكوكبِ إلى سعادةِ أهلِ الجنَّةِ!

وإنَّك لو نظرتَ بعينِ الدُّنيا إلى صهيبٍ الرُّوميِّ وهو يفدي نفسَه بمالِه ليلحقَ بالنَّبيِّ ﷺ في المدينةِ لقلتَ: أيُّ صفقةٍ خاسرةٍ هذه، ولكنَّك متى علمتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: ربحَ البيعُ أبا يحيى، ربحَ البيعُ أبا يحيى، علمتَ أنَّ للرجالِ ميادينَ تجارةٍ تختلفُ عن أسواقِ الدُّنيا!

وإنَّك لو نظرتَ بعينِ الدُّنيا إلى ماشطةِ ابنةِ فرعونَ وأولادِها يُلقَون في الزَّيتِ المغليِّ لقلتَ: أيُّ أمٍّ قاسيةٍ، ولكنَّك لو علمتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ شمَّ ريحَها ليلةَ المعراج لعلمتَ أنَّ معاركَ العقيدةِ تُقاسُ بخواتيمِها لا بمشاهدِها.

الدَّرسُ الثّالث:

أولئك الّذين قال لهم ربُّهم: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ليسوا أنا ولا أنتَ، أولئك هم الطَّاعنون في الإيمانِ البالغون فيه عُتِيًّا، الّذين استقبلوا النَّبيَّ ﷺ في مدينتِهم، وقاتلوا المشركين معه، ومنعوه ممّا يمنعون منه أعراضَهم وأولادَهم، وقدَّموا في سبيلِ دعوتِه دماءَهم وأموالَهم، ثمَّ لمّا أرادوا أن يعودوا إلى دنياهم جاءهم تحذيرُ ربِّهم، فلا تركنْ إلى ماضيكَ مهما كان جميلًا، وإنَّما حارِبْ بكلِّ ما أوتيتَ من قوَّةٍ ألّا تفسدَه!

أسلمَ أقوامٌ مع النَّبيِّ ﷺ ودفعوا زكاةَ أموالِهم، فلمّا ماتَ ارتدُّوا، فما نفعهم إيمانُهم القديمُ ولا زكاتُهم السَّالفةُ، فإن كان ماضيكَ مشرقًا فاسألِ اللهَ الثَّباتَ وزِدْ، وإن كان قاتمًا فأصلِحْ ما بقيَ يغفرْ لك ما مضى، أمّا أن تمنَّ على اللهِ بماضيكَ فأنتَ لم تفهمِ الدَّرسَ بعد: إنَّ العِبرةَ بالخواتيمِ!

الدَّرسُ الرَّابع:

الأمورُ تُقاسُ بأوقاتها وظروفِها، فثمَّةَ مواقفُ يكونُ الإقدامُ فيها تهوُّرًا، وثمَّةَ مواقفُ يكونُ الإحجامُ فيها جُبنًا، والشَّجاعةُ في موضعِها محمودةٌ مهما كانت نتائجُها، والحذرُ في غيرِ موضعِه مذمومٌ ولو أدَّى إلى السَّلامةِ، والحكيمُ من قدَّرَ الموقفَ وتعاملَ معه بما يقتضي!

انسحبَ خالدُ بنُ الوليدِ يومَ مُؤتةَ وثبتَ في اليرموك، فنالَ وسامًا نبوِيًّا حين قال لهم النَّبيُّ ﷺ: أنتم الكُرَّار!

ثمَّ وهل وصلَ إلينا هذا الدِّينُ إلّا على بحرٍ من الدِّماءِ، وهؤلاء الّذين انتشرت قبورُهم من المدينةِ إلى القسطنطينيَّةِ لم يخرجوا سياحةً ولا نزهةً، بل خرجوا وأرواحُهم على أكفِّهم يُعلون: لا إلهَ إلّا اللهُ.

 

شارك

مقالات ذات صلة