مدونات

المعلم بين الرسالة وقسوة الواقع

فبراير 5, 2026

المعلم بين الرسالة وقسوة الواقع

يونس العيسى

 

لم يكن الشاعر أحمد شوقي حين قال: “قم للمعلم وفّه التبجيلا… كاد المعلم أن يكون رسولا” يتخيّل أن يأتي زمن نضطر فيه لتحوير البيت، لا استخفافاً بقيمته، بل وجعاً ممّا آل إليه حال من حملوا رسالة العلم وأصبحوا ينتظرون مواعيد صرف الراتب والتثبيت.

فاليوم وفي الواقع المعاش، كاد المعلم أن يكون متسولاً وحاشاه ذلك، فالمعلم ليس موظفاً عادياً، بل هو مربٍ قبل أن يكون ناقل معرفة، وهو حجر الأساس في بناء الإنسان والمجتمع. في ساحات المدارس تبدأ أولى خطوات الوعي، من مربع “اقرأ”، الكلمة التي افتتح بها الوحي مسيرة الحضارة الإنسانية. ومن هذا المنطلق يُفترض أن يكون المعلم في صدارة الاهتمام والرعاية، لا في ذيل قوائم الإهمال.

بينما يشهد العالم من حولنا ثوراتٍ متسارعة في التعليم وأساليبه وتقنياته، نعيش نحن واقعاً معاكساً تسوده العشوائية والتخبط، وتُدار فيه شؤون التربية بسياساتٍ قصيرة النظر، أنتجت تراجعاً مستمراً في مستوى التعليم ومكانة المعلم معاً، وتحوّل التعليم إلى ساحة خصخصة غير مدروسة، توسعت فيها المدارس الخاصة ذات الطابع التجاري، وغاب فيها الهدف التربوي الحقيقي، والنتيجة: معلم يعمل في ظروفٍ قاهرة، براتب هزيل لا يواكب أبسط متطلبات المعيشة، في ظلّ غلاء فاحش وتدهور في سعر صرف العملة.

المعلم اليوم كائن مقهور، مظلوم مادياً ومعنوياً، مشتت الذهن، مثقل بالديون، ومحروم من أبسط حقوقه الوظيفية. يطالب بالصبر بينما يطلب منه أن يكون مديراً ومدرساً ومرشداً نفسياً وشرطياً في الباحة في آن واحد. يُحمَّل فوق طاقته، ثم يُلام على تراجع الأداء.

هو الوحيد الذي يطالب بتطوير نفسه عبر دورات شكلية لا تضيف علماً ولا مهارة، والوحيد الذي قد يتعرّض للاعتداء من طلابه، والوحيد الذي يجمع ثمن الاختبارات ليغطي نفقات المدرسة، وكأنّ كرامته جزء من الميزانية المنسية.

وسط هذا الواقع، يجد المعلم نفسه مضطراً للبحث عن رزقٍ آخر، فيتوزع بين العمل الخاص، أو المدارس التجارية، أو البحث عن فرصةٍ مع منظمة، هرباً من الفقر لا طمعاً في الثراء.

السؤال الذي يجب أن يواجهه مسؤولو التربية بجرأة: هل يدركون أنّ المعلم ليس كائناً ذاتي التغذية؟ وأنّه لا يستطيع العيش على الشعارات ولا القيام بعملية التركيب الضوئي لأنّ جسده لا يحتوي على الكلوروفيل؟

إنّ إنقاذ التعليم يبدأ بإنصاف المعلم، مادياً ومعنوياً، وإعادة الاعتبار لدوره ومكانته، فالأوطان لا تُبنى بالخطب الرنانة، بل بمعلمٍ كريم، مطمئن، قادر على أداء رسالته بكرامة. دون ذلك، سنظل ندور في حلقة الفشل، مهما كثرت الشعارات وازدانت اللافتات.

يسير التعليم في بلادنا بخطى متسارعة نحو المجهول، وكأنّنا نشاهد مشهداً بطيئاً لانهيار أحد أهم أعمدة بناء المجتمع، دون أن يتحرك أحد لإيقاف هذا السقوط. فالمؤشرات جميعها تنذر بالخطر، والواقع اليوم يؤكد أنّ التعليم بات على شفا الهاوية، نتيجة البطء في اتخاذ قرارات مدروسة وحاسمة، وفي مقدمتها حماية المعلم وضمان حقوقه.

ولم يعد الإهمال يُطال المؤسسات التعليمية فحسب والتي نالها نصيب وافر من دمار الآلة العسكرية لنظام الأسد البائد، بل أصاب جوهر العملية التربوية: المعلم. هذا الإنسان الذي يحمل رسالة التنوير وبناء العقول، بات يعيش في مستنقع التهميش والضياع، عالقاً بين أمل يتلاشى وتجاهل يتعاظم، حتى أصبح يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة.

فكيف يطلب من معلم أن يؤدي رسالته على أكمل وجه، وهو محروم من أبسط حقوقه المادية والمعنوية؟ كيف نطالبه بالإبداع، وبناء الأجيال، وصناعة المستقبل، وهو بالكاد يحصل على راتبٍ هزيل لا يساوي ثمن حاجات أسبوع واحد؟ أيّ منطق هذا الذي يجعل من حامل الرسالة أسيراً للفقر والقلق والديون؟ أيّ منطق أن لا تعالج حقوقه بسبب الترهل الإداري الذي صرح به وزير التربية؟

حقوق المعلم اليوم إمّا مسلوبة أو مؤجلة أو منقوصة، تأتي على فتراتٍ متقطعة، وكأنّها منة لا حقّ. وهذه الحالة ليست مجرّد أزمة رواتب، بل أزمة توصيف لحالة التعليم، وأزمة اعتراف بقيمة الدور الذي يؤديه المعلم في المجتمع.

الأكثر إيلاماً أنّ المعلم، رغم كلّ ذلك، لا يرفع صوته كثيراً، ولا يلوح بالإضراب الدائم، بل يواصل عمله بصمت، صابراً محتسباً، واضعاً مصلحة طلابه فوق معاناته الشخصية. لكن إلى متى يمكن لهذا الصبر أن يستمر؟ وإلى متى يُترك التعليم رهينة لهذا الواقع القاسي؟

إنّ السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: أيّ قانون يحكم هذا الواقع؟ وأين الجهات المسؤولة عن حماية حقوق المعلم؟ وبأيّ ذنب يدمر مستقبل الأجيال، ويُدفع الشباب نحو الضياع والانحراف، حين يُسحق أساس العملية التعليمية؟

إذا كانت وزارة التربية جادة في بناء أمةٍ قوية وأجيال قادرة على النهوض، فإنّ البداية الحقيقية تكون من إعادة الاعتبار للمعلم، مادياً ومعنوياً، فلا نهضة بلا معلم كريم، ولا تعليم ناجح بلا معلم مطمئن على لقمة عيشه وكرامته.

إنّنا نأمل من الحكومة أن تنظر إلى هذه القضية بجدية وصدق، وأن تبتعد عن الحلول المؤقتة والشعارات الرنانة، وتتجه نحو وضع معالجات جذرية، ملموسة، ومستدامة، تعيد للتعليم مكانته، وللمعلم كرامته، وللوطن أمله.

بعد أكثر من عامٍ على التحرير، ما تزال وزارة التربية السورية تتعامل مع واحدةٍ من أكثر القضايا حساسية في تاريخ البلاد بعقلية إدارية باردة، لا تراعي حجم المأساة ولا تعترف بطبيعة المرحلة التي عاشها السوريون منذ عام 2011. فبدل أن تميّز الوزارة بين من بقي على رأس عمله داخل منظومة النظام البائد وشارك في تلميع صورته وصفق لاحتفالاته ومسيراته، وبين من أُقصي قسراً لأنّه اختار الوقوف إلى جانب شعبه وثورته، ما تزال تضع الجميع في سلةٍ واحدة وكأنّ ما جرى لم يكن سوى “غياب وظيفي” يمكن تسويته بإجراء إداري أو غرامة مالية.

إنّ ما حدث بعد عام 2011 لم يكن تغيباً عن العمل ولا تهرباً من الواجب الوظيفي، بل كان قمعاً ممنهجاً، واعتقالاً واسعاً، ونزوحاً قسرياً، وملاحقات أمنية طالت الآلاف من المعلمين والمعلمات الذين رفضوا أن يكونوا أدوات في ماكينة التزوير والتلقين التي خدم بها النظام البائد مشروعه القمعي. هؤلاء لم يتركوا وظائفهم بإرادتهم، بل أُجبروا على الخروج حفاظاً على حياتهم وكرامتهم وموقفهم الأخلاقي.

المؤلم اليوم أنّ كثيراً من قرارات وزارة التربية ما تزال تكافئ من بقي داخل منظومة النظام السابق، وكأنّ البقاء في تلك المنظومة كان فضيلة، بينما تعاقب من خرج منها طلباً للحرية وسعياً لإصلاح فساد المؤسسات. والأغرب من ذلك أن يطلب من الضحية أن يدفع ثمن موقفه مرتين: مرة حين خسر عمله وأمنه واستقراره، ومرة أخرى حين يطالب بتحمل تبعات إدارية ومالية لأنّه لم يدفع اشتراكات لجهة كانت تطارده وتعتبره مطلوباً.

بهذا المنطق، تتحوّل الثورة في سجلات وزارة التربية من فعل شعبي عظيم إلى مخالفة إدارية، ويتحوّل المعلم الذي حمل رسالة الحرية والكرامة إلى موظفٍ متهم بالتقصير. وتكتب الثورة بلغة المحاسبة البيروقراطية، ويُطلب ممّن شارك فيها أن يشعر بالندم، وأن يتقدم بطلبات عفو وترجّ، وأن يسعى لمحو اسمه من سجل المخالفات، وكأنّه ارتكب جريمة لا موقفاً وطنياً مشرفاً.

هذه المقاربة لا تسيء فقط إلى المعلمين الثوريين، بل تسيء إلى مفهوم العدالة الانتقالية برمته، وتكرّس شعوراً عميقاً بالغبن لدى شريحة يُفترض أن تكون في مقدمة من يُنصفون ويُعاد اعتبارهم. فالمعلم ليس مجرّد موظف حكومي، بل حامل رسالة، وصانع وعي، وشريكاً أساسياً في بناء مستقبل البلاد.

إنّ المطلوب اليوم من وزارة التربية مراجعة جذرية لسياساتها وقراراتها، والانتقال من عقلية التسوية الإدارية إلى منطق الإنصاف الوطني، وأنّ ما جرى كان ثورة شعبية، وأنّ من انحاز إليها من المعلمين يستحق التكريم وإعادة الاعتبار، لا العقوبة والمساءلة.

فلا يمكن بناء تعليم حر في بلد تَحرر، بينما يُعامل الأحرار كمتهمين، ويُكافأ من خدم الاستبداد بصمتٍ أو بتصفيق، العدالة تبدأ من الاعتراف بالحقيقة، والحقيقة أنّ من خرجوا من وظائفهم بعد 2011 لم يكونوا غائبين عن واجبهم، بل كانوا في قلب واجبهم الأخلاقي والوطني، وحدها سياسات منصفة، جريئة، وواضحة يمكن أن تعيد الثقة بين المعلم والمؤسسة، وتفتح الطريق أمام بناء منظومة تربوية تليق بتضحيات السوريين وأحلام أبنائهم.

حين نقف اليوم أمام مشهد التعليم لا يسعنا إلا أن نستعير من تراثنا العربي صيغة الرثاء والوجع: قِفا نبك. فالمشهد التربوي، الذي يُفترض أن يكون عنوان النهوض وبوابة المستقبل، بات صورة مكثفة للأزمات المتراكمة، والتخبط في السياسات، وغياب الرؤية الواضحة لما نريده من المدرسة، ومن المعلم، ومن الطالب.

التعليم لم يعد يُعامل بوصفه رسالة سامية لصناعة الإنسان، بل تحوّل في جزءٍ كبير منه إلى ملفّ إداري ثقيل، أو مشروع تجاري مربح، أو مساحة تجاذب بين جهات متعددة لكلّ منها حساباتها ومصالحها، والنتيجة واحدة: ضياع الطالب بين أنظمة هشة، ومناهج متغيرة، ومدارس تفتقر لأبسط مقومات البيئة التعليمية السليمة.

وأكثر ما يلفت الانتباه اليوم هو التوسع الكبير في التعليم الخاص، ليس بوصفه خياراً رديفاً يرفع من جودة التعليم أو يخفف العبء عن المدارس الحكومية، بل بوصفه سوقاً مفتوحاً يحكمه منطق الربح قبل أيّ اعتبار تربوي. كثير من المدارس الخاصة باتت تُدار بعقلية المستثمر لا بعقلية المربي، حيث يُنظر إلى الطالب كزبون، وإلى الشهادة كبضاعة، وإلى النجاح كأداة تسويق.

في هذا السياق، تتراجع قيمة المعلم، ويُختزل دوره في مؤدٍ لواجباتٍ روتينية، بينما تغيب معايير الجودة والمحاسبة الحقيقية. وهكذا يصبح السؤال عن مستوى التحصيل العلمي، أو بناء الشخصية، أو القيم والسلوكيات، سؤالاً مؤجلاً إلى إشعارٍ آخر، في مقابل سباق محموم نحو تسجيل أكبر عدد ممكن من الطلاب.

لطالما قيل إنّ الامتحان هو المحك الحقيقي للعملية التعليمية، لكن واقع الحال يشير إلى أنّ الامتحان نفسه لم يعد معياراً نزيهاً في كثيرٍ من الأحيان. فبين تساهل مفرط هنا، وتشدد شكلي هناك، وتسريبات ووساطات وضغوط اجتماعية، تضيع فكرة العدالة التربوية، ويتحوّل النجاح إلى رقم بلا معنى، والشهادة إلى ورقة لا تعكس بالضرورة مستوى صاحبها، حيث تظهر الفجوة الواسعة بين ما يفترض أن يكون وما هو كائن فعلياً، حينها يُصدم الأهالي بمستوى أبنائهم الحقيقي، بعد سنواتٍ من الأوهام، وتُصدم المؤسسات بعجزها عن سد الفجوة التي صنعتها بنفسها.

الجهات المسؤولة، بدل أن تواجه جذور المشكلة، تنشغل في كثيرٍ من الأحيان بإدارة تفاصيل هامشية، أو بما يمكن تسميته “أثر الفراشة” في كلّ المجالات: تغييرات شكلية، قرارات جزئية، حملات مؤقتة، دون الاقتراب الجاد من لب الأزمة، وفي المقابل، يتم التغاضي عن أخطر الآثار على الإطلاق: أثر الجهل والتجهيل، فالجهل لا يصنع فقط طالباً ضعيفاً، بل يصنع مجتمعاً هشّاً، سهل الانقياد، محدود القدرة على النقد والمساءلة. والتجهيل ليس قدراً، بل نتيجة سياسات وخيارات، سواء كانت مقصودة أو ناتجة عن إهمال مزمن.

التعليم والسياسة: علاقة لا يمكن إنكارها

من المهم الاعتراف بحقيقة غالباً ما يتم تجاهلها: التعليم عملية سياسية بامتياز، كما أنّ السياسة عملية تربوية بوجهٍ آخر، فالمناهج، وأساليب التدريس، وصورة المعلم، ونوع القيم التي تزرع في عقول الطلاب، كلّها تعكس رؤية السلطة والمجتمع لمستقبلهما.

لا يوجد تعليم محايد. إمّا أن يكرس القهر والخضوع وتقبّل الواقع كما هو، أو يكون تعليمًا للتحرير، يعلّم الطالب التفكير، والشك الإيجابي، وطرح الأسئلة، والبحث عن الحقيقة. وبين هذين الخيارين يتحدّد مصير الأجيال القادمة.

السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بجرأة: أيّ تعليم نريد؟ هل نريده تعليماً يخرّج حفظة نصوص، أم مواطنين أحراراً؟ هل نريده تعليماً لإنتاج شهادات، أم لإنتاج وعي؟

الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بترميم الجدران فقط، ولا بتغيير أسماء المدارس، بل يبدأ بإعادة الاعتبار للمعلم، ووضع معايير صارمة للتعليم الخاص، وتطوير مناهج مرتبطة بحياة الطالب وواقعه، وبناء شراكة حقيقية بين المجتمع والمؤسسات التربوية، حتى ذلك الحين، سيبقى حال التعليم أقرب إلى قصيدة رثاء طويلة ونبقى نردد: قِفا نبك، لا على الأطلال وحدها، بل على مستقبل يهدر كلّ يوم بصمت.

شارك

مقالات ذات صلة