مقالات سوريا

الناجون وموقعهم في الذاكرة الجمعية

فبراير 4, 2026

الناجون وموقعهم في الذاكرة الجمعية

ميسون محمد

تواجه المجتمعات الخارجة من الحروب إشكالية أساسية في إعادة بناء ذاكرتها العامة، تتمثّل في كيفية تعريف الألم وتحديد من يملك حقّ تمثيله. ففي كثيرٍ من السياقات الانتقالية، يتحوّل حجم المعاناة إلى معيار ضمني للانتماء الوطني أو الشرعية الأخلاقية، ما يؤدي إلى تصنيف الأفراد والجماعات وفق ما تعرضوا له من أذى مباشر. ونتيجة لذلك، لا يُنظر إلى الناجين دائماً كجزءٍ من المجتمع المتضرر، بل يُوضعون في موقع إشكالي، يُطلب منهم تفسير نجاتهم بدل الاعتراف بتجربتهم.

هذه الإشكالية لا تقتصر على الحالة السورية، بل تتكرر في مجتمعاتٍ عديدة شهدت نزاعات مسلحة، حيث يُختزل مفهوم الضحية في الأذى الجسدي أو الخسارة المادية، بينما يتم تهميش الأضرار النفسية والاجتماعية طويلة الأمد، رغم كونها عناصر مركزية في فهم آثار الحرب على المجتمع.

 

شرعية الألم: من يملك حق السرد؟

تميل المجتمعات في مراحل ما بعد النزاع إلى تبنّي سردية عامة واحدة للمعاناة، بهدف خلق شعور بالتماسك وضبط الذاكرة الجماعية. غير أنّ هذا التوحيد غالباً ما يتم على حساب تجارب لا تنسجم مع النموذج السائد للألم. في هذا السياق، يظهر ما يمكن تسميته بعدم تكافؤ الاعتراف بالمعاناة، حيث تُمنح بعض التجارب مكانة مركزية، بينما تُدفع تجارب أخرى إلى الهامش أو تُعامل بوصفها أقل مشروعية.

الناجون الذين لم يتعرضوا للاعتقال أو القصف المباشر أو التهجير القسري يقعون غالباً ضمن هذه الفئة المهمّشة. فرغم أنّهم تكبدوا خسائر فعلية، فإنّ معاناتهم لا تُقرأ جزءاً من التجربة الجماعية، بل حالة استثنائية تحتاج إلى تبرير. في الحالة السورية، تعزز هذا التصور بسبب التفاوت الكبير في مستويات العنف بين المناطق، ما أدى إلى تفسير النجاة أحياناً بوصفها مؤشراً على القرب من السلطة، بدل النظر إليها كنتيجةٍ لعوامل ظرفية معقدة، تشمل الموقع الجغرافي، التوقيت، والخيارات المحدودة المتاحة للأفراد.

 

العدالة الانتقالية والاعتراف بتعدد التجارب

تُظهر تجارب العدالة الانتقالية في دولٍ مثل جنوب أفريقيا ورواندا والبوسنة أنّ بناء سلام مستدام لا يتحقق عبر فرض سردية واحدة للمعاناة. فقد أدركت لجان الحقيقة والمصالحة في هذه البلدان أنّ اختزال التجربة الجمعية في نموذجٍ واحد للضحية يعيد إنتاج الانقسام بدل معالجته.

لذلك، تمّ فتح المجال أمام شهادات متنوعة، شملت من تعرضوا لانتهاكات جسدية مباشرة، ومن عانوا تفكك العلاقات الاجتماعية، أو فقدان الإحساس بالأمان، أو تآكل الهوية الفردية والجماعية. هذا التعدد لم يكن هدفه المساواة بين التجارب، بل الاعتراف بأن كل تجربة تمثل جزءاً من الحقيقة الكلية، ولا يمكن فهم آثار الصراع دون استحضارها مجتمعة.

انطلاقاً من ذلك، لا ينبغي التعامل مع الناجين بوصفهم خارج الإطار الأخلاقي للصراع، بل باعتبارهم شهوداً اجتماعيين يملكون معرفة ضرورية لفهم كيفية عمل العنف وتأثيره طويل الأمد على الأفراد والمجتمع. إشراكهم في النقاش العام حول الذاكرة والمصالحة يسهم في كسر احتكار نموذج واحد للضحية، ويفتح المجال أمام قراءة أكثر واقعية لتجربة الحرب.

 

من المقارنة بين الأوجاع إلى الاعتراف بالتنوع

إعادة بناء العقد الاجتماعي بعد الحروب تتطلب تجاوز منطق المفاضلة بين أشكال المعاناة. فالألم ليس مورداً نادراً يتنافس عليه الأفراد، بل تجربة إنسانية متعددة المستويات. كلّما توسّع نطاق الاعتراف بالتجارب المختلفة، زادت فرص إعادة بناء الثقة داخل المجتمع.

في المقابل، يؤدي حصر السردية في تجارب محددة إلى إنتاج أشكال جديدة من الإقصاء، ويؤسس لانقسامات أخلاقية طويلة الأمد، تعيق أيّ مسار جدي نحو المصالحة الوطنية القائمة على الشمول والعدالة.

 

بعد التحرير: عندما تتحول النجاة إلى موضع اتهام

في السياق السوري، ما زال هذا التحوّل غائباً إلى حدٍّ كبير. فالسردية السائدة تميل إلى تصنيف الأفراد وفق ما قدّموه من تضحياتٍ مرئية، لا وفق ما عاشوه من تجارب معقدة. وأي مسار حقيقي نحو العدالة يبدأ بإعادة تعريف الناجي، لا بوصفه شخصاً أفلت من الموت، بل باعتباره شاهداً على انهيار المجتمع وآليات التكيف معه.

بعد التحرير، برز انقسام واضح في الخطاب بين السوريين المقيمين في الخارج أو في المناطق المحررة، وبين من بقوا في مناطق سيطرة النظام. إذ جرى تحميل الفئة الأخيرة مسؤولية الصمت أو البقاء، واعتبار ذلك تقصيراً أخلاقياً أو سياسياً. هذا الطرح يتجاهل واقع الخوف، والقيود الأمنية، والارتباطات العائلية، والظروف الاقتصادية، ومنع السفر، التي حدّت من خيارات الأفراد.

كما أنّ كثيرين ممّن بقوا في الداخل تعرضوا لأشكالٍ مستمرة من العنف النفسي والحرمان والتهديد غير المباشر، وهي تجارب لا تقل أثراً، حتى إن اختلفت في شكلها. اختزال موقفهم في الصمت أو اللامبالاة يمثل قراءة تبسيطية، ويؤدي إلى إقصائهم من الذاكرة الوطنية، رغم كونهم جزءاً أصيلاً من تجربة النجاة السورية.

 

 

نحو ذاكرة جمعية بلا إقصاء

تقع على عاتق المؤسسات الحقوقية والثقافية والإعلامية مسؤولية مركزية في المرحلة المقبلة، تتمثّل في توسيع إطار الاعتراف بالتجارب المختلفة، وتمكين الأفراد من سرد تجاربهم دون خوفٍ من التشكيك أو الوصم. فالنجاة ليست امتيازاً يُحاسَب عليه الإنسان، بل شكل من أشكال الذاكرة التي تكشف جوانب من الواقع لا يمكن توثيقها بالوسائل التقليدية.

إنّ استيعاب تجربة الناجين لا يعني المساواة بين الألم والنجاة، بل فهم العلاقة بينهما. فالمجتمع لا يتعافى عبر تقديس المعاناة، بل عبر تحليلها وفهمها ضمن سياقها الإنساني والاجتماعي. وعندما يُعاد تعريف الناجين كشهودٍ لا كمتهمين، تتحوّل الذاكرة الجمعية من ساحة للمقارنة الأخلاقية إلى مساحة للفهم والتكامل، وهو شرط أساسي لأيّ سلامٍ حقيقي ومستدام.

 

شارك

مقالات ذات صلة