مدونات
علي البرغوث
في الغوطة الشرقية، حيث تماهت رائحة البارود مع الدم والكيماوي، وُلدت صحافة من نوع آخر. صحافة لا تبحث عن سبق خبري، بل عن شهادة. هناك، وسط الحصار والقصف، برز اسم محمد السعيد بوصفه أحد أكثر الأصوات ثباتاً وصدقاً في نقل مأساة السوريين إلى العالم.
محمد السعيد محمد سعدي طباجو، المولود في مدينة دوما عام 1988، لم يكن صحفياً تقليدياً، ولم يدخل عالم الإعلام عبر المؤسسات أو القاعات الجامعية. كان طالب رياضيات في جامعة حلب، قبل أن تغير الثورة السورية عام 2011 مسار حياته بالكامل. ترك مقاعد الدراسة، وانضم إلى أوائل المتظاهرين السلميين، مؤمناً بأنّ الكلمة والصورة يمكن أن تكونا شكلاً من أشكال المقاومة.
من الشارع إلى واجهة المشهد الإعلامي
مع تصاعد الحراك الشعبي، كان محمد من المؤسسين الأوائل لتنسيقية دوما، إحدى أبرز التنسيقيات الإعلامية في ريف دمشق. في تلك المرحلة، أدت التنسيقيات دوراً محورياً في كسر احتكار الرواية الرسمية، ونقل ما يجري في الشوارع المحاصرة إلى الخارج.
سرعان ما أصبح محمد السعيد ناطقاً باسم مجلس قيادة الثورة في ريف دمشق. لم يكتف بإدارة البيانات أو التنسيق الإعلامي، بل كان حاضراً في الميدان: يحمل كاميرته إلى خطوط النار، يرافق المقاتلين، ويوثق لحظات الخوف والنجاة والخسارة. رافق بعثات المراقبين الدوليين، ونسق مع مراسلين من شبكات عالمية مثل CNN وBBC، واضعاً الغوطة على خارطة الاهتمام الدولي في واحدةٍ من أكثر مراحل الصراع تعقيداً.
ما ميّز محمد لم يكن فقط حضوره الميداني، بل طريقته في السرد. لم ينقل أرقاماً جافة، بل وجوهاً وأسماء وحكايات. كان يرى في كلّ ضحية قصة يجب أن تروى، وفي كلّ مشهدٍ دليلاً لا يجوز أن يُطمس.
مجزرة الكيماوي: حين تحوّلت الكاميرا إلى شاهد اتهام
في أغسطس/آب 2013، وقعت مجزرة الغوطة الكيماوية، إحدى أبشع الجرائم في القرن الحادي والعشرين. كان محمد السعيد من أوائل الإعلاميين الذين وصلوا إلى مواقع الاستهداف. صوّر الأطفال المختنقين، العائلات المفجوعة، والمشافي الميدانية الغارقة بالعجز.
تلك المواد المصورة لم تكن مجرّد تقارير إخبارية؛ تحوّلت إلى وثائق إدانة استخدمتها منظمات حقوقية ووسائل إعلام دولية. وفي الوقت نفسه، لم يفصل محمد بين التوثيق والعمل الإنساني. أشرف على حملات إغاثة حملت أسماء تختصر فلسفة المرحلة، مثل:
“الوفاء لمدينة الشهداء”، “الوفاء لأرض الشهداء”، و“الجوع ولا الركوع”. وكان يؤمن أنّ دور الإعلامي لا ينتهي عند نقل المأساة، بل يمتد إلى الوقوف مع الناس في قلبها.
النهاية في الميدان
في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2013 ، وبينما كان يغطي معارك منطقة الجربا في الغوطة الشرقية، وقع محمد السعيد مع فريقه في كمينٍ لقوات النظام. استشهد مع أربعةٍ من رفاقه، بين إعلاميين ومقاتلين.
رحل محمد وترك خلفه زوجة وابنة رضيعة، رفيف، لم يمض على ولادتها سوى شهر واحد. لم تكن خسارته شخصية أو عائلية فحسب، بل خسارة لصوتٍ كان يمثّل الغوطة في أحلك أيامها، ولجيل كامل من الإعلاميين الميدانيين الذين تعلّموا أنّ الصحافة في زمن الحرب قد تكون ثمنها الحياة.
إرث لا يزول
بعد أكثر من عقد على انطلاق الثورة، ومع تغيّر موازين القوى وتراجع الاهتمام الدولي، ما يزال اسم محمد السعيد حاضراً بوصفه رمزاً للإعلام الحر في سوريا. وثّقت سيرته تقارير صحفية وحقوقية، من بينها مواد نشرها موقع زمان الوصل، وبقيت أعماله شاهدة على مرحلة حاول كثيرون محوها أو إعادة كتابتها.
لم يكن محمد السعيد ناقل خبر، بل جسراً بين المحاصرين والعالم. وفي زمن تزداد فيه الضوضاء وتشوه فيه الحقائق، يظلّ صوته، المسجل في أرشيف الثورة، تذكيراً بأنّ الحقيقة قد تحاصر، وقد يقتل من يحملها، لكنّها لا تموت.

