مجتمع
في قلب المدن السورية، رغم سنوات النزاع والدمار، ظلّ الهاتف المحمول وشبكة الإنترنت وسيلتي المواطن للبقاء على اتصالٍ بالعالم، إلا أنّ هذه الوسائل الأساسية، التي تُعتبر في كثيرٍ من الدول حقاً عاماً، في سوريا تتحوّل يومياً إلى اختبارٍ للصبر والقدرة على التكيّف مع الواقع الرقمي المحدود.
على الورق، تتحدّث وزارة الاتصالات عن مشاريع تحديثية، توسعة نطاق الشبكات، والتحوّل الرقمي الذي سيجعل من خدمات الاتصالات في متناول الجميع، لكن على الأرض، الواقع مختلف: سرعات ضعيفة، انقطاعات متكررة، أسعار مرتفعة مقارنة بالدخل، وخدمات لا تلبي أبسط احتياجات المواطن.
هذا التباين بين الخطاب الرسمي وتجربة المستخدم اليومية ليس مجرّد خللٍ تقني، بل انعكاس لأزماتٍ أوسع تتعلّق بالاحتكار، غياب الاستثمار الاستراتيجي، ونقص التخطيط بعيد المدى، لتصبح تجربة المواطن اليومية مرآة لضعف الإدارة العامة في قطاعٍ يُفترض أن يكون عنصراً أساسياً في إعادة بناء الدولة السورية الجديدة.
فبينما تُعلن الوزارة عن “تطوير رقمي شامل”، يجد المواطن نفسه مضطراً للبحث عن حلولٍ بديلة، أو تحمل تكاليف إضافية للحصول على خدمة شبه مستقرة، أو الاكتفاء بخياراتٍ محدودة للغاية.
تطرح هذه الفجوة أسئلة جوهرية: هل الاتصال في سوريا حقّ أم امتياز محدود؟ هل يمكن للدولة أن توازن بين الاحتكار وضمان وصول الخدمات بأسعار عادلة؟ وما هي تكلفة السنوات الطويلة من الإهمال على المواطن وعلى الاقتصاد الرقمي ككل؟
الاتصالات بين الإدارة المغلقة والسوق المحدود
لا يمكن قراءة واقع الاتصالات في سوريا بمعزلٍ عن بنية الإدارة التي تدير هذا القطاع. فالمشكلة لا تبدأ عند جودة الشبكة أو عدد الأبراج، بل عند نموذج الحوكمة نفسه، حيث تُدار الاتصالات كقطاع مغلق، محدود الخيارات، لا يتيح للمستخدم سوى التكيّف مع ما هو متاح، هذا النموذج يجعل من أيّ حديثٍ عن تطوير أو تحديث مجرّد إعلان نوايا، ما لم يُرفق بتغييرٍ جذري في آليات العمل والرقابة.
ففي سوق تتحكّم به جهات قليلة، تغيب المنافسة بوصفها أداة طبيعية لتحسين الخدمة وضبط الأسعار، المواطن هنا لا يختار بين بدائل حقيقية، بل بين مستويات متفاوتة من القصور، ومع غياب المنافس، تتحوّل التسعيرة إلى قرارٍ أحادي لا يعكس لا جودة ما يُقدَّم ولا الواقع المعيشي العام، بل يُفرض كأمرٍ واقع على المستخدمين، سواء كانوا طلاباً أو موظفين أو أصحاب أعمال صغيرة يعتمدون على الاتصال في نشاطهم اليومي.
الأخطر من ذلك أنّ هذا الاحتكار لا يعيق فقط تحسين الخدمة، بل يحدّ من أيّ نقاش عام حول المساءلة والشفافية، فعندما لا تتوفر خيارات بديلة، يغيب الضغط المجتمعي الفعلي لتصحيح الخلل، وتبقى شكاوى المستخدمين محصورة في الفضاء الرقمي أو الأحاديث اليومية، دون أن تتحوّل إلى أدوات تغيير حقيقية.
وهنا، يصبح قطاع الاتصالات مثالاً واضحاً على كيف يمكن للإدارة المغلقة أن تعيد إنتاج أزمات قديمة بأدوات جديدة، حتى في أكثر القطاعات ارتباطاً بمستقبل الدولة وقدرتها على مواكبة العصر.
كلفة الاتصال: أرقام لا تعترف بدخل السوريين
إذا كان الخطاب الرسمي يذهب بعيداً في الحديث عن قفزات تقنية مرتقبة، فإنّ الأرقام وحدها كفيلة بإعادة النقاش إلى الأرض. ففي السوق السورية اليوم، تُسعَّر خدمات الإنترنت لدى شركتي سيرياتيل وMTN بمستويات لا تتناسب مع أيّ شريحة اجتماعية تقريباً.
لا الموظف الحكومي قادر على تحمّلها من راتبه، ولا العامل الحر، ولا حتى العاطل عن العمل الذي بات الاتصال بالنسبة له وسيلة بحث عن فرصة، لا ترفاً إضافياً.
للحصول على حزمة إنترنت محدودة ببضع غيغا بايتات، يُطلب من المستخدم دفع ما يقارب 10 دولارات كلّ 10 أيام، أي ما يعادل جزءاً كبيراً من نصف دخل شهري كامل، مقابل خدمة متذبذبة لا تضمن الاستمرارية أو الاستقرار.
هذه المعادلة تضع المواطن أمام خيار قاسٍ: تقليص استخدامه للاتصال إلى الحد الأدنى، أو استنزاف دخله في خدمة لا ترقى إلى مستوى الحاجة الفعلية، ناهيك عن الجودة.
المفارقة أنّ هذا الواقع لا يقتصر على الأطراف أو المناطق البعيدة، بل يظهر بوضوح في العاصمة دمشق نفسها، انقطاعات متكررة، تفاوت حاد في الإشارة، وسرعات لا تتناسب مع الكلفة المدفوعة، في مدينة يُفترض أن تكون الواجهة الأولى لأي تطوير تقني.
وإذا كان هذا حال العاصمة، فالسؤال يصبح أكثر إلحاحاً عند النظر إلى المناطق التي تحررت حديثاً بعد معركة ردع العدوان، حيث تغيب أعمدة الشبكات في بعض القرى، وتظهر الإشارة بشكل متقطع، إن ظهرت أصلاً.
في مقابل هذا المشهد، يواصل الخطاب الرسمي الحديث عن تقنيات متقدمة: الجيل الخامس، الشبكات الضوئية، والتحوّل الرقمي الشامل. وعود تبدو، في نظر المستخدم، منفصلة تماماً عن تجربته اليومية، فبينما يُطلب من المواطن دفع كلفة اتصال مرتفعة لقاء خدمة غير مستقرة، لا يلمس على الأرض سوى فجوة تتسع بين ما يُقال وما يمكن استخدامه فعلياً.
وهكذا، تتحوّل الاتصالات من أداة تمكين إلى عبءٍ إضافي، ومن حقّ أساسي إلى اختبارٍ يومي للقدرة على الاحتمال.
خطاب التهدئة وامتحان الوقت
في مواجهة هذا الواقع، يختار وزير الاتصالات ووزارته خطاباً يقوم على الدعوة إلى الصبر، باعتبار ما يجري اليوم مرحلة انتقالية لا بدّ منها قبل قطف ثمار “الإصلاح” المنتظر.
في أكثر من ظهور إعلامي، يقدَّم تردّي الخدمة بوصفه إرثاً ثقيلاً، وتُسوَّق الحلول على أنّها مسألة وقت، لا أكثر، غير أنّ هذا المنطق يصطدم بسؤال بسيط: كم من الوقت يستطيع المواطن أن ينتظر؟
من جهة أخرى، تتسرّب أخبار حكومية عبر الصحافة الاقتصادية الدولية تتحدّث عن مفاوضات واسعة تجريها الحكومة السورية مع شركات اتصالات إقليمية ودولية، من بينها “زين” الكويتية، و”أوريدو” القطرية، و”فودافون” البريطانية، التي تمتلك مجموعة “إي آند” الإماراتية حصة مؤثرة فيها.
وبحسب هذه المصادر، فإن الصفقة المحتملة تتضمن رسوماً تقارب 700 مليون دولار، إضافة إلى استثمارات بنحو 500 مليون دولار لتحديث الشبكة ورفع قدرتها الاستيعابية، وسط حديث عن دعم مالي من بنك قطر الوطني ومؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي.
هذه الأرقام، على ضخامتها، لا تعني شيئاً فورياً للمستخدم العادي، فحتى لو سارت المفاوضات بسلاسة، وحدد موعد نهائي للمزاد في 23 شباط/ فبراير، فإن النتائج العملية لن تظهر قبل عام أو عامين على أقل تقدير، أي أن المواطن يُطلب منه عملياً الاستمرار في الدفع والصبر، في انتظار مشاريع لم تدخل بعد حيز التنفيذ، ولم تُحسم تفاصيلها، ولم تُقدَّم أيّ ضماناتٍ بشأن انعكاسها الفعلي على التسعير وجودة الخدمة.
المفارقة أنّ الحديث عن فتح السوق ومنح رخص جديدة يُطرح كحلّ مستقبلي، بينما تُدار الأزمة الحالية بذات الأدوات القديمة وذات الهيمنة السابقة “خلال حكم النظام البائد”، وبينما تُقدَّم هذه الوعود على أنّها اختراق سياسي واقتصادي، يعيش المستخدم إحساساً متنامياً بأنّ الوقت يُستهلك أكثر ممّا يُستثمر.
فالصبر الذي تتحدث عنه الوزارة لم يعد مفهوماً مجرّداً، بل أصبح كلفة يومية يدفعها المواطن من دخله، ومن فرصه في العمل والتعلّم والتواصل. وهنا، يتحوّل السؤال من “متى ستتحسن الشبكة؟” إلى “هل يمكن للناس أن ينتظروا عاماً أو عامين إضافيين على هذا النحو؟”. في بلد يخرج تدريجياً من حربٍ طويلة، لا يمكن التعامل مع الاتصالات كملفّ مؤجل أو وعد مؤجل التنفيذ.
فالاتصال اليوم ليس خدمة ثانوية، بل شرط أساسي لإعادة بناء الاقتصاد، والتعليم، والعلاقة بين المواطن والدولة. استمرار الفجوة بين الخطاب الرسمي وتجربة الناس اليومية يهدد بتكريس فقدان الثقة، مهما كانت الوعود كبيرة أو الأرقام المعلنة مغرية.
الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المؤتمرات أو التصريحات، بل بقدرة المواطن على استخدام خدمة عادلة، مستقرة، ومتناسبة مع دخله، وحتى يتحقّق ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستلحق السياسات بالواقع، أم سيُطلب من السوريين صبرٌ إضافي لا يملكون كلفته؟



