سياسة
تُعدّ ألمانيا إحدى أكبر دول اللجوء للسوريين في أوروبا بعد الثورة السورية. فقد لجأ إليها عدد كبير من السوريين، قُدّر وفق إحصائيات مكتب الأجانب الألماني بنحو 950 ألف شخص. راهنت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، خلال عهدها، على طاقاتهم الكبيرة وخبراتهم المتنوعة، فيما سعى كثيرٌ من السوريين إلى تشكيل مجموعات تنسيق وتجمعات تزعم تمثيل الجالية. إلا أنّ الواقع أظهر صورة مغايرة تماماً، جالية واسعة بدت كأنّها سوق شعبي ضخم، أقرب إلى “سوق الجمعة” في المحافظات السورية، تطغى عليه العشوائية، والانقسامات، وإثارة النزاعات بكلّ أشكالها، وغالباً من دون إدارة واضحة أو إطار ناظم.
قبل سقوط الأسد، وعلى سبيل المثال لا الحصر، ظهرت في ألمانيا عدة مجموعات طبية ارتفع صوت كل واحدة منها بوصفها الممثل الشرعي للأطباء السوريين، الذين يُقدَّر عددهم بنحو 10 آلاف طبيب. هدفت هذه المجموعات، نظرياً، إلى تشكيل أدوات ضغط فاعلة للدفاع عن مصالح الأطباء، لكن النتيجة جاءت معاكسة، إذ انشطرت كلّ مجموعةٍ إلى مجموعاتٍ فرعية أصغر، ومع كلّ انقسام كان التأثير يتضاءل، إلى أن انتهى الأمر بتفتت كامل أفقد هذه المبادرات أيّ وزنٍ حقيقي أو قدرة على التأثير.
وهنا يبرز السؤال البديهي: كيف يمكن لمجتمعٍ يضم مئات الآلاف أن يصل إلى هذا المستوى من التشرذم والعجز عن التأثير السياسي والاجتماعي، حتى وهو يعيش في أكبر بلد لجوء له؟ الإجابة، من دون تجميل أو مواربة، بسيطة وقاسية في آنٍ واحد: لأنّ تنظيم الهموم، والخلافات، والطموحات الشخصية، أكثر تعقيداً بكثيرٍ من تنظيم ملفات اللجوء نفسها، وأكثر استنزافاً من المعاملات الألمانية المستفزة.
منذ بدايات لجوء السوريين إلى ألمانيا، برزت انقسامات حادة على أسس جغرافية، وفكرية، وهوياتية، ضمن صفوف السوريين أنفسهم. كلّ مجموعة سارعت إلى تقديم نفسها بوصفها “التمثيل الحقيقي” للسوريين، فيما جرى التعامل مع الآخرين باعتبارهم مجموعات هامشية، أو منحرفة عن “الخط الصحيح”. لم يكن الخلاف على البرامج أو الأولويات، بل على الشرعية نفسها: من يحقّ له الكلام باسم السوريين، ومن يملك صكّ التمثيل، ومن يجب إسكات صوته.
هذا التشرذم لم يبقَ حبيس النقاشات النظرية، بل كان واضحاً في كلّ منصات التواصل والنقاش، من مجموعات فيسبوك التي تحوّلت إلى ساحات تصفية حسابات، إلى اللقاءات المحلية التي غالباً ما انتهت بانقساماتٍ جديدة بدل الخروج بتفاهمات. ومع كلّ محاولة للتنسيق، كانت الشكوك تتقدّم على الثقة، والاتهامات تسبق أيّ عمل مشترك.
زاد المشهد تعقيداً مع انتشار اتهامات بتبعية بعض الهيئات أو المبادرات لأحزابٍ أو قوى سياسية من الداخل السوري، مقابل محاولات أخرى للاستئثار بالتمثيل الرسمي للجالية، وكأنّ الاعتراف أو الشرعية مورد نادر يجب احتكاره. وبدل أن تكون هذه الكيانات أدوات تنظيم وضغط، تحوّلت في نظر كثيرين إلى منصات صراع داخلي، أعادت إنتاج أمراض السياسة السورية نفسها، ولكن هذه المرّة على أرض ألمانية وبأدواتٍ جديدة.
وهكذا بدت الجالية السورية، بكلّ ثقلها العددي وتنوعها، أشبه بسوق مكتظ بلا ضابط مرور: أصوات عالية، اتجاهات متضاربة، وحركة دائمة من دون مسار واضح أو نتيجة ملموسة.
في كانون الثاني/ ديسمبر 2024، ومع سقوط الأسد، برزت موجة جديدة من محاولات الاستئثار بقيادة الجالية السورية. حيث سارعت بعض المجموعات التي وصلت إلى دمشق، مباركةً، إلى تقديم نفسها بوصفها المتحدث الشرعي باسم الجالية في الخارج، قبل أن تعود سريعاً من رحلتها الاحتفالية، فلم تمضِ هذه الادعاءات من دون ردّ. فقد امتلأت منصات التواصل، ولا سيّما الفيسبوك السوري، بسيل من الاتهامات المتبادلة، تراوحت بين التشكيك الصريح بالشرعية، ووصم بعض الوجوه بالتشبيح، ورفض قاطع لأي محاولة لاحتكار التمثيل. تحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة صراع مفتوحة، عكست مرّة أخرى عجز الجالية عن إنتاج إطار جامع، وأظهرت كيف يمكن للحظة يفترض أن تكون جامعة أن تتحوّل سريعاً إلى مناسبة جديدة للانقسام وتصفية الحسابات.
كان التمثيل الدبلوماسي الرسمي للسوريين في أوروبا، وما يزال، من أكثر الملفات إثارة للجدل. ففي الأيام الأخيرة، فجّرت تعيينات وزارة الخارجية السورية موجة واسعة من الانتقادات داخل أوساط السوريين في الخارج، على خلفية ما وُصف بغياب المعايير المهنية، وضبابية آليات الاختيار، وترتيب غير مفهوم لأولويات تعيين السفراء والقناصل.
من حيث المبدأ، تشدد الأعراف الدبلوماسية الدولية على أن يكون السفير دبلوماسياً ذا خبرة، وأن يقوم التعيين على الكفاءة والتدرّج المهني قبل أيّ اعتبارٍ آخر. صحيح أنّ جميع الدول تحرص على أن يكون ممثلوها في الخارج منسجمين مع رؤية الحكومة الحاكمة في البلد الأم، لكن هذا الانسجام يفترض، نظرياً على الأقل، أن يكون سياسياً في التوجه لا عائلياً في الاختيار. غير أن الحالة السورية، بحكم تعقيدها الاستثنائي، بدت وكأنّها تجاوزت هذا الحد.
فالملف السوري، منذ أكثر من عقد، لم يعد شأناً داخلياً، بل تحوّل إلى طبقٍ دائم على طاولات المؤتمرات الدولية والاجتماعات الأممية، وأصبح الداخل السوري نفسه يتحرك ضمن شبكة كثيفة من التسويات والتوازنات الخارجية. في مثل هذا السياق، كان يُفترض ببناء الأذرع الدبلوماسية الخارجية للدولة السورية أن يتم بعناية مضاعفة، وأن يكون “خيطياً” بمعنى التنسيق المحكم بين السفارات والقنصليات والسياسة العامة للدولة، من دون أن يتحول هذا الخيط إلى رباط ولاء شخصي أو عائلي يختزل الدولة ومصالحها.
الانتقادات الموجهة إلى هذه التعيينات لا تصدر عن الجاليات السورية في ألمانيا وحدها، بل يشارك فيها دبلوماسيون سابقون ومراقبون يرون أنّ العديد من الأسماء المطروحة تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير المهنية المطلوبة. ويحذّر هؤلاء من أنّ مثل هذه الخيارات قد تُضعف قدرة سوريا على التفاوض، وتقلل من فاعلية حضورها السياسي، وتحدّ من قدرتها على بناء علاقات متينة مع الدول المضيفة في مرحلة هي بأمسّ الحاجة فيها إلى استعادة موقعها الخارجي.
النتيجة العملية، حتى الآن، كانت اتساع الفجوة وتآكل الثقة بين الجاليات السورية وممثليها الرسميين. فاختيار شخصيات على أساس الولاء وحده، بغض النظر عن الكفاءة أو الخبرة، جاء في وقت تتطلّع فيه الجاليات السورية عموماً، والجالية السورية في ألمانيا على وجه الخصوص، إلى تمثيل فاعل في قضايا تمسّ حياتهم اليومية مباشرة، من حقوق اللاجئين، إلى سياسات الاندماج، وصولاً إلى الاعتراف الدولي بوضعهم القانوني والسياسي.
بدل أن تجد هذه الجاليات في السفارات والقنصليات واجهات تفهم السياق الأوروبي، وتدرك تعقيدات اللجوء، وتحمل خبرة حقيقية في السياسة الخارجية، بدا كثير من التعيينات وكأنّها مكافآت سياسية أو “هدايا تذكارية” لدوائر النفوذ. وتراوحت ردود الفعل بين السخرية والإحباط، وطرحت مجدداً سؤالاً قديماً متجدداً: ما معنى التمثيل الحقيقي لسوريي المهجر في مرحلة سياسية جديدة لم تستقر ملامحها بعد؟
لماذا لم يُعيَّن سوريون من أبناء الجاليات في أوروبا، ممّن راكموا خبرات سياسية وقانونية وإدارية، في مواقع دبلوماسية متقدمة؟ الجواب المؤلم أنّ التعيينات لا تُبنى، حتى الآن، على الثقل البشري أو الشرعية المجتمعية، بل على القرب من مراكز القرار في الداخل السوري. وهكذا تجد الجاليات نفسها أمام معادلة مختلة: كتلة بشرية واسعة، فاعلة ومؤثرة في بلدان إقامتها، لكنها بلا صوت حقيقي في التمثيل الرسمي، في مقابل جهاز دبلوماسي لا يعكس بالضرورة تنوع هذه الجاليات ولا تطلعاتها.
المشهد في جوهره لا يقتصر على أسماء سفراء أو قناصل، بل يكشف أزمة أعمق تتعلّق بعلاقة الدولة السورية بجالياتها في الخارج. فبدل أن تكون السفارات جسور تواصل وحلقات وصل، تحوّلت في نظر كثيرين إلى رموزٍ لتمثيل باهت، غير محوري، وضعيف الصلة بأولويات السوريين في المهجر. وهي مفارقة تختصر حال جالية كبيرة العدد، محدودة التأثير، تبحث منذ سنوات عمّن يسمعها، لا من يتحدّث باسمها فقط.
ويكتمل هذا المشهد القاتم عند النظر إلى حالة التشرذم المزمنة داخل الجالية السورية نفسها، حيث تحوّل الفراغ التمثيلي إلى فرصة مفتوحة لمن أراد “ركوب الموجة”. في غياب أطر جامعة وشفافة، قدّم كثيرون أنفسهم بوصفهم متحدثين باسم السوريين، أو وسطاء يمتلكون علاقات خاصة مع حكومات دول اللجوء، أو مفاتيح سحرية لحل المشكلات. سرعان ما تكاثرت الأسماء والواجهات، وكلٌّ يدّعي القرب من مراكز القرار، فيما الواقع يكشف أنّ
معظم هذه الادعاءات لم تتجاوز حدود الصور التذكارية واللقاءات البروتوكولية.
هذا السلوك لم يكن بلا ثمن. فقد انعكس مباشرة على حياة السوريين في المهجر، حيث اختلطت الأصوات الجدية بالضجيج، وتاهت المطالب الحقيقية بين مبادرات فردية تبحث عن الظهور أكثر ممّا تبحث عن الحلول. أُهدرت فرص للتأثير، وتشوّهت صورة الجالية أمام المؤسسات الرسمية في دول اللجوء، التي وجدت نفسها أمام ممثلين كُثر، بلا قاعدة واضحة ولا تفويض حقيقي. وهكذا، بدل أن تتحول الجالية السورية إلى كتلة ضغط منظمة، بقيت أسيرة تنافس شخصي ضيق، دفع السوريون العاديون ثمنه في ملفاتهم، وحقوقهم، وإحساسهم المتزايد بأنهم، مرّة أخرى، بلا من يتحدّث عنهم بصدق



