آراء
التدافع بين الحقّ والباطل سُنّة لا تتبدّل، غير أنّ من أخطر صوره في هذا الزمن التدافع على الفضاء؛ الفضاء الذي تمرّ عبره الكلمة، وتُبنى فيه القناعة، وتُناصر من خلاله القضايا، أو تُخنق وتُشوَّه وتُدفن بهدوء.
نحن نعيش زمنًا نمارس فيه مفارقة قاسية؛ نستخدم أدوات صنعها الباطل، ثمّ نستغرب حين تُوجَّه ضدّ الحقّ. كأنّنا نصوّب البنادق التي لم نصنعها نحو صدورنا، أو نمسك السكاكين التي لم نحدّها ونضعها على أوداجنا بأيدينا، ثمّ نلوم النتيجة.
ما نعتقده فضاءً إلكترونيًا حرًا، هو في حقيقته سجن واسع؛ لا تُرى قضبانه، لكن يُحسّ أثرها. سجن تتحكم فيه خوارزميات لا تعترف بالحقّ لكونه حقًّا، ولا ترفض الباطل لكونه باطلًا، بل تُصنّف وتُقيّد وتُبرز وتُخفي وفق ميزان القوة والهيمنة.
كم من حقٍّ ضُيّع لأنّه لم يجد فضاءً يحميه؟
وكم من حقيقة زُوّرت لأنّها عبرت من بوابة الباطل؟
وكم من قضية خمدت لأنّ أهل الحقّ قبلوا أن تكون روايتهم رهينة في فضاء لا ينتمي إليهم؟
المشكلة ليست في وجود فضاء للباطل، فذلك جزء من سنن التدافع، إنّما الإشكال حين يرضى أهل الحقّ بالإقامة الدائمة فيه، ويكتفون بالشكوى من قسوته، دون عملٍ جاد على صناعة فضائهم الخاص.
نحن بحاجة إلى تدافع من نوعٍ آخر؛ تدافع في الإنتاج لا الاستهلاك، في الإنشاء لا التذمّر، في صناعة الفضاء لا الارتهان له. تدافع يفهم أنّ الكلمة بلا فضاء آمن تذبل، وأنّ القناعة بلا منصة عادلة تُحرّف، وأنّ الحقّ إذا عاش في فضاء الباطل طويلاً، دُفع ثمنًا باهظًا.
وهنا تتوزّع المسؤوليات بوضوح، ولا مجال للتنصّل منها.
المحسنون مطالبون بإعادة تعريف العطاء؛ فالعطاء اليوم ليس فقط سدّ حاجة آنية، بل بناء بنية تحمي الوعي وتؤمّن الكلمة.
والعلماء مطالبون بأن يجعلوا من هذه الفضاءات مشروعًا من مشاريع وقتهم، لا هامشًا مؤجلًا.
والمستثمرون مطالبون بتحمّل مخاطرة محسوبة، فكلّ مشروعٍ للحقّ يولد ضعيفًا قبل أن يشتد.
وأمّا المؤثرون وصنّاع الرأي، فمسؤوليتهم أخلاقية قبل أن تكون رقمية؛ الهجرة الجزئية أو الكلية، والدعم المبكر، لا الانتظار حتى تكتمل التجربة.
وأما عامة الناس، فهم الزخم الحقيقي؛ هم الذين يُحيون الفضاء بالوفاء، ويُميتون غيره بالهجر.
ليس المطلوب اليوم قطيعة عاطفية متسرعة، ولا هجرة فجائية غير محسوبة. الحكمة تقتضي فهم الواقع كما هو؛ فالفضاء الذي يملكه الباطل – رغم قسوته – لا يخلو من بعض المزايا. لكن الواجب هو البدء الجاد في صناعة فضاءات ناضجة، منافسة، ذات قيمة مضافة، ثمّ الانتقال إليها بوعي وتدرّج.
هذا تدافع طويل النفس، لا ضجيج فيه ولا استعجال، لكنّه واضح الوجهة. تدافع يدرك أنّ المعركة ليست منشورًا يُحذف، ولا حسابًا يُقيّد، بل من يملك الفضاء الذي يعيش فيه الحقّ.
والله غالب على أمره، ولكن الغلبة لا تُمنح لمن يكتفي بالرصد، بل لمن فهم سنن التدافع، وأحسن العمل بها.




