مدونات

الفاعل السياسي السوري ما له وما عليه

يناير 29, 2026

الفاعل السياسي السوري ما له وما عليه

عبد الهادي الكوكو

أصبحنا نجد الجرأة على التحليل والنقد قبل أن تتوفر خلفية علمية قوية في قواعد العمل السياسي، فأصبح استيعاب تعريف السياسة أمراً مُلِّحاً يقي كثيراً من مصارع هذه اللعبة لدى الفواعل السياسية. الاختلاف الأيديولوجي يُعد من أبرز أسباب نشوء الصراع حول شكل الدولة والحُكم، فكثير من الأيديولوجيات تسعى للهيمنة على العالم وتعمل على السيطرة السياسية والاقتصادية والمصلحية على المشهد. 

وكلّ إيديولوجيا لا بد أن تستند إلى منظورٍ قيمي يرى صاحب الرؤية أنّ مشروعه هو الذي يجب أن تنضوي تحت مظلته المناطق الأخرى، فيكافح من منطلقه العقائدي لبناء الدولة وفق زعمه. ولعلنا في الساحة السورية نجد أنّ السياسة في تعريفاتها الكبرى كالسياسة فن الممكن، والسياسة فن التنازلات، والسياسة فن القوة وتوزيعها بين الأطراف، كلّها تعريفات غائبة في العقل السوري. 

تبرز مقولة معاوية بن أبي سفيان “لو أنّ بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت إن هم شدوها أرخيتها وإن أرخوها شددتها” كحل للمنطق الغائب في الشارع السوري عبر المزاوجة بين القوة الصلبة والناعمة، فلا سبيل لصانع القرار السياسي إلا استخدام القوة الناعمة في كسب العقول والقلوب، وبذلك يكسب استحقاقاً لاستخدامه القوة الصلبة في حينها التي تهدف إلى إخضاع الآخر وكسر إرادته. 

وبهذا نجد أنّ دهاء اللاعب السياسي يزيد من رصيد أوراق قوته باستمرار حتى يصنع ثقلاً لقراره على أرض الواقع. مع مطالبة بعض القوى المحلية في سوريا بإقامة دولة مستقلة أو الاستئثار بالقرار السياسي، نجد أنّ من الضروري إعادة تعريف مكوّنات ووظائف الدولة، إذ تتمثّل مكونات الرئيسية للدولة السورية بـ: 

– الشعب: وأهم تحدٍّ عند بناء الدولة هو البحث عن درجة التجانس وتماسك الأفراد عبر عناصر الثقافة والدين واللغة. 

– الإقليم: الإقليم أو الموضع الجغرافي يملك تأثير كبير على سياسة الدولة، وفق التغيرات الجيوسياسية الحاصلة نجد أنّ حدود النظام السياسي تحدده تضاريس الإقليم وليس العكس. 

– الحكومة: يمكننا القول إنّ الحكومة يمكن النظر إليها من خلال تمثيل السلطة إمّا من خلال تمثيل السلطة للدولة أو من خلال بنيتها عبر الأجهزة والمؤسسات الحكومية أو من خلال ممارسة طريقة اتخاذ القرار. فعلى الطرف السياسي أن يحدد كيف يريد أن يمثل هذه الحكومة في إقليمه. 

– السيادة: تعني امتلاك الدولة سلطة الهيمنة الداخلية على إقليمها وأفرادها، واستقلالها عن السيطرة الخارجية، وتتجسّد في قوةٍ وإرادة سلطة الدولة داخلياً، وفي الاستقلال عن الدول الأخرى وعدم الخضوع لها. 

أمّا عند التكلم عن وظائف الدولة، فإنّنا نجد أنّ الوظائف الوجودية الأساسية: (الوظيفة العسكرية، الوظيفة الأمنية، الوظيفة القضائية، الوظيفة الخارجية، الوظيفة المالية). وبعد الوجود لا بدّ من الاستقرار؛ فنجد الوظائف الخادمة للاستقرار: (الصحة والتعليم، الضمان الاجتماعي، بناء الطرقات والجسور والسكك، اتصالات وتنظيم الصناعة). 

لتتجه بعدها الدولة إلى التطوير والتنمية عبر: الوظائف التنموية، والوظائف التوزيعية، والوظائف الجزائية. وهذا في الحالة السورية يظهر وضوحاً، أنّ لا سبيل لقيام الدولة إلا بقوامة جميع المناطق والقوى المحلية بإطارٍ تكاملي تشاركي في بناء منتظم الدولة الحديثة. 

رجالات الدولة المنشودة يحتاجون إلى رصيد معرفي كبير ومهارات لممارسة الفعل السياسي؛ وأهم ما يجب أن يكتسبه في وعائه المعرفي هو: 

  • جوهر العملية السياسية: عبر معرفة لب العملية السياسية، وهو ممارسة القوة والسلطة والنفوذ.

– الاقتصاد الكلي: القرار السياسي ينعكس مباشرة على الاقتصاد والقرار الاقتصادي ينعكس على السياسة ودخول الطرف السياسي معترك ساحات التدافع متسلحاً بخلفيةٍ اقتصادية قوية يجنبه الفشل السياسي. 

– سايكولوجية الجماهير: فالجمهور وخصائصه محط نظر رجل السياسة، وعلم الاجتماع يزوده بكثيرٍ من المفردات الهامة للتعبير السياسي. 

– ثقافة المجتمع: على الفاعل السياسي أن يدرس العرقيات والمذاهب والديانات والأفكار الموجودة في المجتمع، ويتعرف على الإرث الثقافي حتى يحسن توجيه الخطاب له والتعامل معه. 

– الظواهر العالمية: رجل السياسة يتحرك وفقاً لضرورة المرحلة وبناءً على الظروف المحيطة المناسبة؛ فحساباته مبنية على المحيط العالمي الذي تتحرّك فيه الأفكار، فهو لا يتحرك في فراغات، وعليه أن يزن الأمور بحكمةٍ من خلال الظواهر المحلية والعالمية. 

– مهارات استراتيجية: مثل التفاوض، والتخطيط الاستراتيجي، والتحليل السياسي، والتواصل الدولي. الفاعل السوري في الوقت الراهن عليه أن يُحسن المغامرة عوضاً عن المقامرة. 

فالمغامر يأخذ قراراً منطقياً وفق أسس علمية وبحث في البدائل والخيارات. والسياسي المغامر لديه القدرة على اتخاذ قرار عندما يكون الموقف فيه نسبة من الغموض. أمّا المقامر فهو الذي يتحرك بعفوية دون تخطيط أو بقدر من التخطيط البسيط الذي لم يستوفِ شروطه. 

وهذا ما يحكم على الفاعل السياسي أن يرى الواقع كما هو لا كما يتمنى أن يراه، وبالتالي المبالغات يجب الحذر منها؛ لأنّ الملعب السياسي في النهاية سيكشف القدرات. تبرز قدرة النخب الفاعلة على معرفة الطريق الموصل لتحقيق المشتركات الخاصة والعامة باعتبار الزمان والمكان والقدرات؛ وليس باعتبار ما ينبغي أن يكون وفق منظور الحلم الشخصي المنشود والتوجه الخاص، فهو يسعى لمعرفة الممكن من الأهداف في اتجاه الحلم وليس الحلم في حد ذاته. 

وبهذا فهو يعمل في أقصى ما يمكن تحقيقه في ضوء الروافع المتوفرة ولا يعيش أسيراً لفكرة إمّا كلّ شيء أو لا شيء. وبذلك يصمم على أن يتحرك باعتبار الروافع المتوفرة التي تسمح بتحقيق هذه الأهداف أو الروافع التي يتوقع إيجادها وفق التفاعلات. 

ونعني بالروافع أيّ الأرجل والدعامات القادرة على حمل هذه الأهداف والتحرك بها عبر الموارد والقدرات قبل أن يراهن على عون الآخرين الذي قد يأتي أو لا يأتي. 

وكم من مشاريع بنيت على الروافع المتوهمة واعتمدت على الآمال التي خانت أصحابها في لحظة الحقيقة ومواجهة الواقع! وبذلك الطاولة السياسية للفاعلين إذا حملت من أوزان الأهداف أكثر ما تتحمل فإنّها ستنكسر حتماً، فلا بد لصانع القرار أن يُحسن صناعة الطاولات ولا يُحَمّل أيّ طاولة أكثر ممّا تتحمل؛ فليس براعته في أن يحمل أوزاناً ثقيلة بل البراعة في أن تصمد الطاولة تحت وزنه حتى يتمكن من الوصول إلى غيرها.  

دائماً ما تكون الأيديولوجيا الصلبة التي تتنزل على الطاولة المليئة بالشعارات والخطابات -التي لا تجلب نصراً- تضر بصاحب الشعارات تلك. فكلّما زادت القدرة الاستراتيجية للجهة السياسية زادت قدرة الطاولة على تحمل المزيد من الأيديولوجيا، فإذا أردت أن تتحمل أكثر فعليك أن تُعدل من الروافع الموجودة أسفلها كي تستطيع تحمل الأوزان الزائدة. 

ختاماً؛ السياسة السورية في الوقت الراهن ترفع شعار فن المناورة، ورجل السياسة يحدد الخيارات ويقدّم بدائل التعامل في مختلف المواقف السياسية. فالدمج بين أكثر من أسلوب يوفر العديد من الخيارات والهدف في النهاية الانتصار. لذلك لا سبيل للحكومة السورية والأطراف المحلية في الجغرافيا السورية ألا تُعدم وسيلة في إيجاد البدائل ودائماً ما يفكّر بعقلية “أنّه ممكن” كما أنّه “يقبل النسبية”، بعكس رجل الأيديولوجيا الذي منطقه “الأسد أو لا أحد”، “الركوع أو الجوع”، “الصدر أو القبر” فرجل السياسية يتمكّن من الخيارات أمامه وما يستطيع الحصول عليه ثمّ ينظر في الحصول على الأفضل.

شارك

مقالات ذات صلة