آراء

لماذا لم يحمِ مجلسُ سلام ترمب صحفيي البعثة المصرية؟

يناير 28, 2026

لماذا لم يحمِ مجلسُ سلام ترمب صحفيي البعثة المصرية؟

ثلاثة صحفيين فلسطينيين استُهدفوا بالقتل وأُطفئت كاميراتهم. ثلاثة صحفيين فلسطينين جدد كانوا أبطالًا يؤدون واجبهم وسط جحيم الاحتلال صاروا هم أنفسهم خبرًا ونبراسًا. المفارقة المقززة ليست في الجريمة وحدها بل في المسرح الذي تلاها. مجلس سلام ترمب الذي يزعم أنّه جاء لينهي الحرب ويصنع الاستقرار فشل حتى في حماية أبسط حقّ في أيّ نزاع؛ حقّ الصحفي في الحياة. هؤلاء لم يحملوا سلاحًا ولم يكونوا طرفًا في اشتباك. فقط كانوا يمارسون نقل الحقيقة، يحملون عنّا جميعا كشف جرائم الاحتلال في فلسطين. لكن الحقيقة في حرب الإبادة هذه ليست محايدة في ميزان القوة. الحقيقة خطر في أصعب أزمان الصحافة. الاحتلال يظنّ واهمًا أنّه باستهداف الصحفي لا يقتل شخصًا، بل يقتل الدليل والذاكرة والمحكمة القادمة.

إنّ موت الصحفيين الثلاثة داخل بعثة مصرية ليس حادثًا هامشيًّا يمكن طيه ببيانٍ بارد أو أسف دبلوماسي. هو رسالة مكتوبة بالدم الحار الغالي تقول بوضوح إنّ هذا نموذج ترمب لما سمّاه مجلس السلام لا حصانة فيه لأحدٍ ولا قيمة لأيّ قانون ولا احترام لأيّ مؤسسة. هذا ليس فشلًا عابرًا في إجراءات الحماية ولا مجرّد ثغرةٍ أمنية؛ بل هو سقوط مدوٍّ لفكرة السلام نفسها حين تتحوَّل إلى لافتةٍ تُستخدم لتغطية القتل المنهجي وتصفية الشهود. فلا معنى لأيّ حديثٍ عن تهدئةٍ أو ممرات آمنة أو ضمانات دولية بينما الصحفيين الذي يُفترض أنّهم محميون بصفتهم مدنيين ومهنيين يسقطون الواحد تلو الآخر دون مساءلةٍ أو حتى اعتراف صريح بأنّ ما جرى جريمة لا لبس فيها.

المجلس الذي يقدّم نفسه كقناةٍ للتهدئة لا يملك من شروط السلام شيئًا لأنّه ببساطةٍ يتعامل مع غزّة وكأنّها فراغ سياسي. كأنّها أرض بلا شعب بلا حقوق بلا تاريخ بلا صوت. وهنا تحديدًا يبدأ الانهيار الأخلاقي والسياسي للمجلس. كيف تصنعُ سلامًا بينما تُقصي الطرف الأكثر نزفًا والأكثر حضورًا في الجريمة؟ تشكيلة المجلس كما تعرض وتدار تغفل بشكل شبه كامل صوت غزّة وتستبدله بخبراء ووسطاء ومبعوثين يتحدّثون عنها لا معها. وهذه ليست زلة بروتوكولية بل خطة؛ تفريغ غزة من إنسانيتها ثمّ إعادة تعبئتها في ملفاتٍ أمنية ثمّ تسويق ذلك كحلٍّ سياسي.

أيّ سلام يبدأ بإلغاء الفلسطيني من المعادلة هو سلامٌ واهٍ استعماري. يعيد توزيع السيطرة لا الحقوق ويعيد ترتيب المشهد لا العدالة ويمنح المعتدي مساحة إدارة الأزمة بدل أن يحاسبه على صنعها. وحين تغيب غزّة عن الطاولة يصبح دمها مجرّد رقم ويصبح حصارها مجرّد بند وتصبح حياتها مادة للتفاوض لا قيمة يجب حمايتها. المجلس لا يتعامل مع غزّة باعتبارها صاحبة حقّ بل باعتبارها مشكلة يجب احتواؤها. وهذا هو جوهر الكارثة. لأنّ السلام الحقيقي لا يبنى على احتواء الضحية بل على ردع الجريمة وإعادة الحقّ لأصحابه.

الأخطر من التشكيلة هو المرجعية. مجلس سلام ترمب لا يتحرك ضمن منظومة شرعية دولية متوافق عليها بل يتصرف وكأنّه بديل عنها. تقويض دور الأمم المتحدة  واستبعادها ليس تفصيلًا. والتجاوز على الاتحاد الأوروبي ليس خلافًا في وجهات النظر. وتهميش القانون الدولي ليس مجرد واقعية سياسية. هذه عملية تفكيك مقصودة لما تبقى من نظامٍ دولي لصالح نموذج واحد؛ شرعية القوة الغاشمة. بهذا السلوك يتمّ عمليًّا إلغاء الرباعية الدولية التي كانت نظريا على الأقل إطارًا دوليًّا جامعًا يوازن المصالح ويضبط المسار. أمّا الآن فالمعادلة صارت فجة؛ قرارٌ من ”الأعلى“ وإملاءٌ من الخارج وفرضٌ على الأرض بلا مساءلة.

المجلس يتصرف تحت مظلة شرعية مصطنعة. شرعية تنتجها الصورة والبيانات واللقاءات لا القانون ولا المؤسسات ولا الإجماع الدولي. وهذه شرعية لا تصمد أمام أول اختبار حقيقي؛ اختبار الدم. وها هو الدم جاء وسقط الصحفيون الثلاثة فسقط معهم الادعاء بأنّ هناك سلاما تُنوى إدارتُه. وحين يتمّ تجاوز الأمم المتحدة وتهميش أدواتها تصبح كلّ مفاهيم الحماية بلا معنى. تصبح حياة المدنيين رهينة ترتيبات سياسية لا تعترف أصلا بمبدأ المساءلة. وفي هذا الفراغ تولد الجرائم وتموت الحقيقة ويصبح القتل مجرّد تفصيل قابل للتدوير في نشرات الأخبار.

قتل الصحفيين ليس خطأً عملياتيًّا. قتل الصحفيين سياسة واستراتيجية. لأنّ الصحفي ليس مجرّد ناقل للخبر. الصحفي هو الذي يربط الفعل بالفاعل. هو الذي يمنع الجريمة من التحوّل إلى غبار. وعندما يُقتل الصحفي داخل بعثة رسمية فهذه ليست فقط جريمة ضد الصحافة؛ بل جريمة ضدّ الإنسانية. ضدّ مفهوم الدبلوماسية المحصّنة الممثلة في البعثة باعتبارها مساحة محايدة. ضدّ أيّ تصور أنّ هناك خطوطًا حمراء في هذا الصراع. ثمّ يأتي مجلس يدّعي السلام ولا يملك حتى الجرأة على تسمية الأشياء بأسمائها، ولا طرح الأسئلة الواجبة؛ من قتلهم؟ كيف قتلوا؟ من المسؤول؟ أين التحقيق؟ أين المحاسبة؟

إذا كان هذا المجلس عاجزًا عن حماية الصحفيين فهو عاجز عن حماية المدنيين. وإذا كان عاجزًا عن حماية المدنيين فهو عاجز عن حماية أيّ سلام. وإذا كان عاجزًا عن المحاسبة فهو ليس مجلس سلام بل مجلس إدارة جريمة حرب. لا يمكن أن يُطلب من الصحفيين أن يذهبوا إلى الجحيم ثمّ يقال لهم إنّ موتهم كان ثمنًا لازمًا للواقعية السياسية. ولا يمكن أن تتحوّل المهنة التي يُفترض أنّها عين وضمير العالم إلى هدف سهل بلا ثمن. فحين يسقط الشهود تبقى الرواية الرسمية وحدها. وحين تقتل الكاميرا يصبح القتل أسهل. وحين يغيب التحقيق يصبح تكرار الجريمة هو القاعدة.

ليس مجلسًا للسلام بل صفقة ترمبية جديدة. وكلّ صفقة تبرم فوق جثث الصحفيين هي صفقة ضدّ الحقيقة وضدّ العدالة وضدّ الحقيقة. إنّ إخفاق مجلس سلام ترمب في حماية الصحفيين الثلاثة ليس فقط إخفاقًا أمنيًّا بل إفلاس سياسي. لأنّه يكشف أنّ هذا المجلس لا يريد السلام كقيمة بل السلام كغطاءٍ. غطاء لتبييض العنف وإعادة إنتاج السيطرة وتصفير الشرعية الدولية وإسكات غزّة.

أكتب جازمة أنّ فشل مجلس السلام المزعوم في حماية صحفيي البعثة المصرية يرجع لعدة أسباب متشابكة: أولًا لأنّه بلا تفويض حقيقي ولا أدوات تنفيذ. حماية الصحفيين تحتاج قوة ردع واضحة؛ قواعد اشتباك معلنة، ضمانات مرور، آلية تحقيق فوري، وعقوبات عند الانتهاك. مجلس بلا صلاحيات ولا التزامات ولا قدرة على المحاسبة يتحوّل إلى مكتب علاقات عامة.

ثانيًا لأنّ المجلس يتحرك خارج الشرعية الدولية أو على هامشها. عندما يتمّ تهميش الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وتفريغ فكرة الرباعية الدولية، تصبح الحماية مجرد وعود سياسية وليست التزاما قانونيًّا. والوعود في الحرب لا تساوي شيئًا أمام منطق القوة.

ثالثًا لأنّ تركيبة المجلس نفسها منحازة وتقصي صوت غزّة. إقصاء الطرف الأكثر تضررًا يعني أنّ المجلس لا يرى المدنيين كأصحاب حقّ بل كملفٍّ أمني. وحين يتحوّل المدني إلى تفصيل، يصبح الصحفي تفصيلًا أصغر. والنتيجة أنّ حماية الصحفيين لا تكون أولوية بل عبئًا على سردية الاحتلال.

رابعًا لأنّ المجلس يتعامل مع القتل كحادثٍ قابل للاحتواء، لا كجريمةٍ تستدعي محاسبة. حماية الصحفيين لا تنفصل عن التحقيق والمساءلة. إذا لم يكن هناك ثمنٌ سياسي وقانوني لمن يقتل الصحفي، فالجريمة ستتكرر. الصمت أو الغموض هنا ليس حيادًا بل تشجيعًا عمليًّا على الإفلات من العقاب.

خامسًا لأنّ السلام المُدّعَى في هذا النموذج يدار كصفقة لا كعدالةٍ. الصفقة تهتم بوقف أثر الصورة، لا بحماية من يسجلها. لذلك يتمّ التضحية بالشهود أصحاب الضمير والحرفة لأنّ وجودهم يفضح ما يراد تمريره.

الخلاصة القاسية  أنّ مجلس سلام ترمب لم يحمهم لأنّه لم يصمّم أصلًا لحمايتهم. المجلس لا يبني مظلة حماية بل يبني عنجهية للاحتلال. وعندما تتقدّم العنجهية والهيمنة على حياة البشر، يصبح موت الصحفيين الثمن الأفدح لاحتلال لن يدوم مهما انطوت عليه الضمائر والسنون. ويصبح لكلّ صحفي منّا ثأرٌ عند الاحتلال لن يسقط بالتقادم.

شارك

مقالات ذات صلة