مدونات
لغة التكوين في عالمٍ تحكمه النتائج لم يتشكّل العالم الحديث بوصفه مشروعًا إنسانيًّا فشل، بل بوصفه مشروعًا لم يكن إنسانيًّا من الأصل. ما حدث لم يكن انحرافًا أخلاقيًّا، بل نجاحًا بنيويًّا. لغة التكوين التي حكمت القرن الأخير لم تُبنَ على القيم، بل على النتائج، ولم تُصمَّم لحماية الإنسان، بل لضمان الاستمرار في بيئة صراع. ومع الوقت، لم تكتفِ هذه اللغة بإدارة العالم، بل أعادت تشكيل الإنسان نفسه.
الخطأ الشائع هو الاعتقاد بأنّ العالم تغيّر وبقي الإنسان كما هو. ما تغيّر فعليًّا هو نموذج الإنسان المقبول. لم يعد الإنسان الغريزي الوصولي حالة شاذة، بل صار الصيغة الأكثر عقلانية وفق سجل النجاحات السابقة. الطمع لم يعد عيبًا، بل دافعًا. الهيمنة لم تعد إدانة، بل كفاءة. والاستقلال لم يعد تحرّرًا، بل تفوقًا فرديًّا مشروطًا بإقصاء غير معلن.
بهذا المعنى، لم يكن العلم الحديث مشروع معرفة بريئة، بل أداة إشباع غريزي منظّم. لم يُنتج لأنّه أخلاقي، بل لأنّه نافع. لم يتقدّم لأنّه حكيم، بل لأنّه حاسم. وكلّ محاولة لاحقة لإلباسه ثوب الإنسانية جاءت بعد أن استقرّ ميزان القوة، لا قبل أن يُحسم. القيم لم تقُد العلم، بل لحقت به في محاولة لتبريره.
الحروب، السياسية والعسكرية، لم تكن شذوذًا في هذا المسار، بل مختبره الأكثر صدقًا. فيها تسارعت القرارات، وسقط التردّد، وتحوّل العقل من أداة مساءلة إلى أداة تنفيذ. من لم يدخل هذا المختبر لم يُسمح له بالصدارة، ومن دخله خرج إمّا مكسورًا أو متفوّقًا. لا مكان للوسط.
ولهذا، لا يمكن قراءة صعود قوى كبرى بوصفه تفوقًا أخلاقيًّا أو ذكاءً ثقافيًّا، بل بوصفه استجابة ناجحة لشروط الهيمنة. الألم، في بعض التجارب، لم يكن مأساة فقط، بل شرط إعادة تشكيل. والسعي للسيطرة، في تجارب أخرى، لم يكن انحرافًا، بل خيارًا عقلانيًّا في لحظة فراغ عالمي. الاعتراف الدولي لم يكن نتيجة عدالة، بل نتيجة قدرة على فرض المعايير بعد انتهاء الصراع.
هذه اللغة، حين ترسّخت، لم تعد تحتاج إلى عنفٍ مباشر. نجحت بما يكفي كي تُقنع. ومع الوقت، انتقلت من الخارج إلى الداخل. لم تعد تُدار فقط عبر الدول والأنظمة، بل عبر الوعي الفردي ذاته. هنا لم يعد السؤال: هل هذا صحيح؟ بل: هل هذا يعمل؟ وما لا يعمل، مهما كان نقيًّا، يُعاد تصنيفه بوصفه ترفًا أخلاقيًّا.
في هذا المستوى، يصبح الحديث عن صراع بين ملاك وشيطان توصيفًا ناقصًا إن أُخذ أخلاقيًّا. الحقيقة أبرد من ذلك. الملاك والشيطان يسكنان البنية النفسية نفسها. الملاك يمثّل القيمة، والشيطان يمثّل الكفاءة. لكن العالم الحديث سلّم المقود للشيطان، لا لأنّه شرير، بل لأنّه الأكثر انسجامًا مع منطق النتائج. الملاك لم يُقتل، بل حُيّد. تُرك يتكلّم بلغةٍ لا تؤثّر، يخطب في صالاتٍ فارغة من الفعل، لا لأنّ أفكاره خاطئة، بل لأنّ لغته خرجت من التداول.
الوعي بهذه السيطرة لا يشكّل خلاصًا. هنا تقع إحدى أكثر الأوهام شيوعًا. حين يتحوّل الوعي إلى موقفٍ معلن، يصبح خطابًا، وحين يصبح خطابًا، يتحوّل سريعًا إلى وعظ. والوعظ، في عالمٍ تحكمه الكفاءة، لا ينتج إلا عزلة أخلاقية أو نقمة غير قادرة على الفعل. الفرد الواعي الذي يرفض الموجود رفضًا كاملًا لا يغيّر الواقع، بل يُقصي نفسه عنه، ثم يظنّ أن الإقصاء موقف.
ومع ذلك، هذا النظام ليس متماسكًا كما يبدو. ما يظهر اليوم ليس ثورة، بل ملل بنيوي. تشبّع من لغةٍ واحدة، ومن سردية واحدة، ومن بهرجةٍ يعرف الجميع زيفها، لكنّهم يواصلون المشاركة فيها. كأنّ هناك اتفاقًا غير منطوق: نعم، هذا زيف، لكنّه ضروري للمواكبة. نعم، هذا قناع، لكنّه أقل كلفة من السقوط خارجه. هكذا يتحوّل الزيف من خدعةٍ إلى ممارسة جماعية واعية، ومن تناقض إلى شرط استمرار.
هذا الملل لا يفتح باب العودة إلى الأصول. الأصالة، في عالم تراكمي، لم تعد ملاذًا، بل وهمًا آخر. العودة إلى “نقاء” سابق تعني تجاهل ما أصبحت عليه القيم والمشاعر واللغة نفسها. وفي المقابل، القطيعة الكاملة ليست خيارًا، لأنّها تفترض إمكانية البدء من الصفر في عالمٍ لا يعترف بالصفر.
ما بُني خلال مئة سنة بمنطق النتائج لا يُفكّك بخطابٍ طاهر، ولا يُستبدل بنداءٍ أخلاقي. هنا فقط يظهر معنى التراكم كما ينبغي فهمه، لا بوصفه حلًا، ولا بوصفه تقدمًا، بل بوصفه الاحتمال الوحيد المتاح داخل الشروط القائمة. التراكم لا يعني تمجيد الواقع، ولا تبرير قسوته، بل الاعتراف بأنّ التغيير —إن حدث— لن يأتي من خارجه. لن يأتي بإقصائه، ولا بتقديسه، بل بالبناء من خلاله. إعادة برمجة بطيئة، غير بطولية، غير نقية، تستخدم أدوات العالم ذاته، لكن بإزاحاتٍ صغيرة لا تعِد بشيء.
في هذا الموضع، لا يبدو أنّ المسألة تتجه نحو حلّ، ولا نحو انفجار، بل نحو استمرار يعمل بالمنطق ذاته الذي أنتج المأزق أصلًا. اللغة التي شكّلت العالم ما تزال قادرة على إعادة إنتاجه، لا لأنّها مقنعة، بل لأنّها صالحة للاستخدام. وما يتكوّن داخلها سيبقى محكومًا بشروطها، مهما حاول أن يخفف من حدّتها أو يعيد ترتيب مفرداتها.
ضمن هذا الامتداد، لا تحمل هذه القراءة امتياز البقاء، ولا تدّعي ضرورة حضورها. قد تُهمَل، أو تُستبدل، أو تتآكل بهدوء كما تآكلت قراءات كثيرة سبقتها، دون أثرٍ ملحوظ. ليس في ذلك خسارة خاصة، ولا دلالة إضافية، بل جزء من الطريقة التي يعمل بها هذا العالم: ما لا يتحوّل إلى وظيفة، يتراجع تلقائيًّا. وهكذا تستمر الحركة، لا لأنّ أحدًا اختارها، ولا لأنّ بديلًا لم يتكوّن بعد، بل لأنّ ما هو قائم يملك قدرة كافية على الاستمرار، حتى وهو فاقد لأي معنى يتجاوز ذلك


