مدونات

الطفولة السورية بين سجانين

يناير 28, 2026

الطفولة السورية بين سجانين

أسماء البري

بين نظامٍ أتقن القمع حتى صار هوية، وقوى أمرٍ واقعٍ رفعت شعارات الحماية والحرية، بقي الشعب السوري هو الضحية الدائمة، وبقي أطفاله يدفعون الثمن الأفدح. فكما خرج الأطفال من سجون نظام الأسد بعيونٍ أكبر من أعمارهم وقلوبٍ مثقلة بالخوف، ها هم اليوم يخرجون من معتقلات “قسد”، محمّلين بذات الوجع، وكأنّ المأساة تعيد إنتاج نفسها بوجوهٍ جديدة.

خروج الأطفال من معتقلات “قسد” في شمال وشرق سوريا ليس حدثاً عابراً فحسب ولا خبراً يمكن المرور عليه ببرود. إنّه جرح مفتوح في جسد وطنٍ أنهكته الحرب، ودليل إضافي على أنّ الطفولة السورية ما زالت مستباحة، وأنّ حقوق الإنسان تتحوّل إلى شعاراتٍ جوفاء حين يتعلّق الأمر بشعبٍ بلا قوة ولا سند حقيقي.

هؤلاء الأطفال لم يحملوا سلاحاً، ولم يختاروا الانتماء، ولم يقرروا الجغرافيا التي وُلدوا فيها. ذنبهم الوحيد أنّهم أبناء هذا البلد المنكوب، وأنّهم وُلدوا في زمنٍ صار فيه الاعتقال احتمالاً يومياً، حتى لمن لم يتقن بعد لفظ اسمه. في المعتقلات، سُرقت من أعمارهم سنوات، ومن ذاكرتهم البراءة، ومن أحلامهم البسيطة حقّها في الاكتمال.

سياسياً، تطرح هذه القضية أسئلة ثقيلة لا يمكن الهروب منها. كيف يمكن لأيّ جهةٍ قمعية، أياً كان شكلها أو خطابها، أن تبرر احتجاز الأطفال؟ وكيف يُسمح بتحويلهم إلى أوراق ضغط، أو ضحايا جانبية لصراعٍ أكبر منهم؟ إنّ ما يحدث يكشف هشاشة الخطاب الحقوقي حين يُفصل عن الممارسة، ويعيد التذكير بأنّ الاستبداد ليس حكراً على نظامٍ واحد، بل عقلية تتسلل كلّما غابت المحاسبة.

أمّا إنسانياً، فالصورة أكثر قسوة. أطفال يخرجون من خلف الأسوار بملامح شاحبة، بنظرات حذرة، وبصمتٍ يفوق الكلام. لا ألعاب في أيديهم، ولا ضحكات في وجوههم، بل خوف متراكم وأسئلة مبكرة عن معنى الحرية والعدالة. أيّ مستقبل يمكن أن يُبنى على ذاكرةٍ كهذه؟ وأي سلامٍ يُرجى إذا كانت الطفولة نفسها قد تعلّمت القيد قبل أن تتعلّم الحلم؟

إنّ المقارنة بين ظلم “قسد” وظلم نظام الأسد ليست ترفاً لغوياً، بل صرخة أخلاقية. فالمظلوم لا تعنيه هوية السجّان بقدر ما تعنيه حقيقة القيد. والعدالة لا تتجزأ، ولا تُقاس بالنيات، بل بالأفعال. من يرفض ظلم الأسد، لا يملك ترف الصمت عن أيّ ظلمٍ آخر، وإلا تحوّل الرفض إلى انتقائية تبرر الجريمة بدل أن تواجهها.

خروج الأطفال من المعتقلات خطوة لا يمكن إنكار أهميتها، لكنّها تبقى ناقصة ما لم تتبعها مساءلة حقيقية، وضمانات بعدم تكرار ما حدث، وبرامج نفسية واجتماعية تعيد لهؤلاء الأطفال بعضاً ممّا سُرق منهم. فالأطفال لا يحتاجون فقط إلى أبوابٍ تُفتح، بل إلى قلوبٍ تعترف، وأنظمةٍ تحمي، ومستقبل لا يشبه الماضي.

سوريا أمام عدالة وسلام والجيش والشعب يداً واحدة وحرية الأطفال بداية طريق طويل نحو الشفاء الوطني. لكنّها بداية ضرورية، تحمل في طياتها وعداً بأنّ الغد قد يكون أقل قسوة، وأنّ الوطن الذي استعاد أبناءه اليوم، قادر على استعادة إنسانيته كاملة غداً.

شارك

مقالات ذات صلة