مدونات
مروه فتوح
توقف باقة الإنترنت المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة قلب صباح محسن رأساً على عقب! الإنترنت، الذي كان شريان حياته اليومية، أداة عمله، دراسته، ومشروعه الشخصي. المكالمات، الملفات، التطبيقات، التي تشكّل روتين يومه كلّه، صارت غير متاحة. باقة الإنترنت التي اعتمد عليها في تدريس طلابه بالمدرسة، متابعة أبحاثه الجامعية وإدارة مشروعه الشخصي التقني، أُلغيت دون سابق إنذار.. لم يكن مجرّد انقطاع خدمة، بل شعور بالخذلان والإحباط، كأنَّ جزءاً أساسياً من حياته تعطل فجأة، تاركاً إياه أمام تحديات يومية صارمة، حيث كلّ خطوة تعتمد على التكنولوجيا الآن أصبحت معضلة.
محسن مقلة رجل سوري كفيف، متزوج ولديه طفلان، مدرس لمادتي المعلوماتية والفلسفة في مدرسة “بسمة أمل” للأطفال المكفوفين بدمشق، وتقني في مركز المعلوماتية للمكفوفين بجامعة دمشق ويعمل أيضاً على مشاريع تعليمية رقمية تهدف لتسهيل الوصول للمناهج والمراجع للمكفوفين. يعتمد بشكلٍ كامل على الإنترنت والتطبيقات الذكية في عمله اليومي، سواء لتدريس الطلاب، إعداد المحاضرات الرقمية، أو متابعة مشروعه الخاص في مجال الذكاء الاصطناعي. ممّا يجعل الانترنت جزءاً أساسياً من حياته اليومية.
اجتمع عدد من ذوي الاحتياجات الخاصة مع وزير الاتصالات، عبد السلام هيكل، في مركز “ديجيت سنتر” التابع للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، حين تعهّد الوزير بطرح باقة إنترنت مخصصة لهم. وفي تموز/ يوليو 2025، أطلقت شركة سيرياتيل باقات خاصة تحت عنوان “باقة رؤية للصم والبكم” بأسعار مخفضة، شملت باقة 50 غيغابايت مقابل 25,000 ليرة سورية (حوالي 1.7 دولار) وباقة 100 غيغابايت مقابل 40,000 ليرة سورية (حوالي 2.7 دولار)، مع تقديم وثيقة رسمية لإثبات الإعاقة.
ومع ذلك، ألغت الشركة هذه الباقات لاحقاً دون إشعار مسبق للمستفيدين أو لوزارة الاتصالات، بينما رفعت أسعار باقات الإنترنت العادية بشكلٍ كبير؛ فالباقات الصغيرة اليوم تكلف نحو 24,000 ليرة سورية (حوالي 1.6 دولار) مقابل 1.5 غيغابايت فقط، فيما تصل الباقات الأعلى إلى 300,000 ليرة سورية (حوالي 20 دولار) مقابل 75 غيغابايت. مع العلم أنّ راتب الموظف الحكومي يتراوح بعد الزيادة الأخيرة بين 50-100 دولار شهرياً، فإنّ ارتفاع أسعار الإنترنت يشكّل عبئاً إضافياً على أصحاب الدخل المحدود، ولا سيّما ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يعتمدون عليه كضرورةٍ وليس كخدمة ترفيهية. وهذا القرار جاء مخالفاً للوعود السابقة والتسهيلات التي كانت متاحة، ما زاد صعوبة تلبية احتياجاتهم الأساسية وجعل التواصل الرقمي أكثر صعوبةً.
كيف أثر القرار على حياة محسن؟
بعد إلغاء باقات الإنترنت المخصصة، أصبح الاعتماد على التكنولوجيا اليومي لمحسن مليئاً بالتحديات. يوضح: “كنت على تواصل دائم مع زوجتي، ممكن افتح فيديو تقول لي أنا وين مثلاً، هذا كلّه تعطل. مكالمة الصوت ما بتفيد، ومكالمة الفيديو بدها نت كبير، صار الموضوع مستحيل”.
المشكلة امتدت للعمل والدراسة، ويقول: “اليوم أكبر باقة هي 20 غيغا، بدك تفعلي وتلغي وتفعلي وتلغي، ومبالغ طائلة. أوقات نظل بالجامعة بعد الدوام لحتى أشتغل شغل بيخصني، بس هالأمر مو متاح دائماً. أوقات صرنا نتعطل، رجعنا للوضع القديم، نسأل حدا مثلاً وقف لي تاكسي كذا، أنه النت ما كثير يساعد، أو ما بدي أفتح نت لحتى ما أصرف. الطلاب تعطلت شوي ما عاد حملنا ملفاتهم، صار لازم نستنى لحتى نداوم. كثير شغلات توقفت، والمشكلة أنه الإنسان إذا تعود على التكنولوجيا وفجأة توقف، شعور سيئ”.
حتى الإنترنت المنزلي لم يكن حلاً حسب وجهة نظره ويتابع: “كنا متأملين إنّه يكون في فايبر للبيت، طلع ما في بمنطقتي. والنت الهوائي اللي عم ينتشر حالياً كتير ما بيخدم، بيقطع وبيوصل. شغلتنا مو ترفيهية، وغالي كثير، اليوم سألت قالوا لي الـ 4 ميغا ممكن 200 ألف أي ما يعادل تقريباً 20 دولار، يعني عم نحكي على 20% من راتبي”.
أمّا في التعليم، فالقرار انعكس مباشرة على طلابه المكفوفين ويقول: “أنا بدرس مدرسة خاصة بالمكفوفين اللي هي “بسمة أمل”، بدربهم على مادة المعلوماتية وفلسفة. لما بدك تعلميهم معلوماتية، لازم يكون في إنترنت. بنفرجيهم نماذج لحتى شجعهم، مثل ChatGPT وGemini، بنعلمهم كيف يتصفحوا الإنترنت ويقرؤوا الشيء اللي بدهم إياه، بحكم إنه ما في ورقة وقلم يقدروا يستخدموها”.
رغم غياب إحصاءات رسمية، تشير تقديرات دولية إلى أنّ ذوي الإعاقة البصرية يشكّلون نحو 13% من مجموع الأشخاص ذوي الإعاقة، وفق بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة UNICEF. ويُعتقد أنّ أعداد المكفوفين زادت في سوريا نتيجة الأمراض الخلقية واضطرابات الولادة، فضلاً عن الإصابات الناتجة عن سنوات النزاع والحرب في البلاد.
أثر القرار على غيره
حسام محمد (اسم مستعار) طالب جامعي كفيف يدرس ماجستير بقسم الفلسفة، يعتمد على الإنترنت بشكلٍ أساسي في حياته اليومية، ليس فقط للدراسة، بل لكلّ ما يتعلق بالأنشطة اليومية والاعتماد على التكنولوجيا. يوضح:
“عند ذوي الإعاقة بيهم كثير لأنّه نحن بنستخدم الإنترنت مو بس كرمال السوشيال ميديا أو التطبيقات، نحن في عنا تطبيقات مثل Envision، وتطبيقات مثل الذكاء الاصطناعي وغيره، هدول بيساعدونا كثير أوقات إذا بدنا نختار ألوان ملابسنا، ممكن بدل ما نسأل الناس، أو قراءة علبة دواء أو ورقة بين إيدي”
بالإضافة إلى ذلك، يشير حسام إلى أثر الإنترنت على عمله الأكاديمي ويقول: “أيضاً بشتغل أستاذ عبر الإنترنت، صار إذا بدي درس طلاب الموضوع عبر ZOOM أو Google Meet صار أغلى علي، الدرس بدل ما أربح فيه 10 آلاف صار بدي حط فوق منه 15 ألف كرمال الإنترنت، هاد أثر علي سلبياً، ما عاد فيني أشتغل عبر الإنترنت لأن التكلفة صارت عالية”.
ليس وحدهما محسن وحسام من أثر عليهما القرار، بل أيضاً أثر القرار على مهدي الموسى، وهو طالب جامعي كفيف، تخرّج في قسم العلوم السياسية ويواصل حالياً دراسته في كلية الإعلام بنظام التعليم المفتوح. يعتمد مهدي، كغيره من الطلاب المكفوفين، على الإنترنت كأداةٍ أساسية في تعليمه الجامعي، سواء للوصول إلى المراجع، أو البحث الأكاديمي، أو متابعة المواد الدراسية.
يوضح مهدي أنّ إلغاء باقة ذوي الاحتياجات الخاصة انعكس مباشرة على نمط دراسته وقدرته على الوصول إلى المعرفة، قائلاً: “إلغاء الباقة له تأثير كثير كبير، اليوم لما عم فعّل باقة سوشيال ميديا ما عم بقدر لا أفتح غوغل ولا متصفحات مثل Chrome Google Scholar، ولا حتى التشات وDeep seek. إذا عندي أيّ بحث أو حلقة بحث أو شغل للجامعة، بضطر فعّل باقة ثلاث ساعات بـ 3000 ليرة ومشي أموري”.
ويشير مهدي إلى أنّ الإنترنت لم يعد أداة تعليمية فحسب، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من استقلالية المكفوفين وحياتهم اليومية، مضيفاً: “نحن استغنينا عن العنصر البشري بشكلٍ كثير كبير، لحدود 80% فينا نقول. حتى تطبيقات وصف الفيديو الموجودة كلّها بدها إنترنت. فالموضوع ما عاد صفى له علاقة بالدراسة بس، صار أسلوب حياة، ما عاد فينا من دونه. يعني اليوم تطبيقات الذكاء الاصطناعي اللي بدها إنترنت خلتنا نستغني بشكل كامل، وصار عندنا استقلالية، ما عاد احتجنا لأي عنصر بشري يساعدنا بهالموضوع”
كذلك الأمر بالنسبة لغرام سليمان، طالبة جامعية كفيفة تدرس ماجستير إدارة علاقات دولية، توضح أنّ الاعتماد على الإنترنت ليس خياراً إضافياً في مسارها الأكاديمي، بل أداة أساسية للوصول إلى المعرفة. تقول: “كوني طالبة ماجستير فنحن مندور على المعلومات عن طريق الإنترنت، وكمان كوني كفيفة لتحميل الملفات الصوتية للدراسة”.
ترى غرام أنّ العبء الأكبر الذي فرضه إلغاء الباقات المخفّضة كان مادياً بالدرجة الأولى، وانعكس مباشرة على دراستها، ولا يقتصر تأثير القرار على الجانب الأكاديمي فقط، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية والتنقّل، حيث تضطر في كثير من الأحيان للاعتماد على التطبيقات لتجاوز تحديات الحركة. وتروي إحدى هذه المواقف قائلة: “كنت مرة بدي أطلب سيارة من تطبيق Yalla Go ومستعجلة كثير وعندي محاضرة وشغل بالجمعية، بسبب أنّه ما كان عندي نت اضطريت أتأخر، لأني طلعت بالمواصلات العادية بعد مية حين ومين كوني كفيفة”.
رد الجهات الرسمية
رغم محاولاتي التواصل مع وزارة الاتصالات وشركة سيرياتيل، لم أتلقَ أيّ ردود على أسئلتي المتعلقة بالموضوع حتى لحظة إعداد المادة.
فيما يؤكد وسيم كناكرية موظف كفيف في مركز المعلوماتية للمكفوفين بجامعة دمشق، وخبير تقني، أنّ النظرة السائدة لحصر فرص عمل المكفوفين بوظائف محدودة ما زالت قائمة لدى كثير من صناع القرار، رغم التحوّلات التي أتاحها الإنترنت والتكنولوجيا المساعدة.
ويشير كناكرية إلى أنّ الاعتماد على الإنترنت فتح مجالات عمل جديدة للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، وكسر الصورة النمطية السائدة عن طبيعة الوظائف المتاحة لهم، ويقول:
“كان عندنا فكرة سيئة أنّه الكفيف ما يقدر يشتغل غير سنترال أو كول سنتر، ولكن حالياً كثير مكفوفين عم يشتغلوا Freelance، عم يشتغلوا بكثير أمور، وهذا الشي ما كان متاح لهم من دون الإنترنت ومن دون التطبيقات الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة البصرية”.
ويشير إلى أنّ الإنترنت بالنسبة لشريحة واسعة من المكفوفين لم يعد وسيلة مساعدة، بل أصبح مصدر دخل أساسي: “بين 20 لـ50% من الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية الإنترنت بالنسبة لنا هو مصدر الرزق، هو مصدر عمل”.
ويربط كناكرية بين القرارات المتعلقة بخدمات الإنترنت وغياب الوعي الحقيقي لدى بعض الجهات المعنية بحجم هذا الاعتماد، معتبراً أنّ المشكلة الأساسية تكمن في عدم إدراك الأثر المباشر لهذه القرارات على حياة المكفوفين اليومية والمهنية ويتابع: “نحن في عندنا جهل تام من كثيرٍ من الأشخاص اللي هن بموقع قرار، لدرجة أنّه لما نروح نقول لهم إنّه الإنترنت بالنسبة لنا هو عصب الحياة”.
من المهم في هذا الخصوص الإشارة إلى أنّ سوريا صادقت على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في 10 تموز/ يوليو 2009، وهي معاهدة أممية تلزم الدول الأطراف بضمان المساواة وعدم التمييز وتمكين الأشخاص ذو الإعاقة في جميع مجالات الحياة، من التعليم إلى الوصول للمعلومات والخدمات الرقمية، كما صادقت على البروتوكول الاختياري مع بعض التحفظات. الالتزامات الدولية هذه تشكل إطاراً قانونياً يمكن الاستناد عليه عند تحليل أثر قرار إلغاء الباقات والتحديات التي يواجهها المكفوفون في الوصول لخدمات الإنترنت.
بينما يكافح محسن وزملاؤه لتجاوز الصعوبات اليومية في الوصول إلى الإنترنت، تظل التحديات الرقمية عقبة أمام استقلاليتهم وتمكينهم من الدراسة والعمل وممارسة حياتهم اليومية. قصصهم تسلط الضوء على أهمية توفير حلول رقمية مستدامة وميسّرة لذوي الاحتياجات الخاصة، لتكون التقنية جسر حياة وفرصة لا رفاهية، بدل أن تتحوّل إلى عائقٍ يزيد من شعورهم بالعزلة والتهميش.


