مدونات
دينا تايه
تحولت “قوات سوريا الديمقراطية” منذ إعلان تأسيسها الرسمي في عام 2015 إلى واحدةٍ من أكثر القضايا تعقيداً في المشهد السوري المعاصر. فبينما قدّمها التحالف الدولي للعالم كشريكٍ محلي موثوق في الحرب ضدّ تنظيم “داعش”، رأت فيها الدولة السورية وقطاعات واسعة من الشعب السوري مشروعاً هجيناً يستند إلى مرجعياتٍ أيديولوجية غريبة عن النسيج الوطني السوري. تعود النواة الصلبة لهذا التنظيم إلى مدرسة حزب العمال الكردستاني، متأثرة بفكر عبد الله أوجلان المقيم في سجن “إمرالي” التركي. هذا الفكر الذي تحوّل من الراديكالية الماركسية إلى مشروع “الأمة الديمقراطية”، وفّر الغطاء السياسي لما عُرف بـ “الإدارة الذاتية”، وهو نموذج حاول لسنوات فرض واقع سياسي وعسكري مستقل عن مركزية الدولة في دمشق.
من “ديار بكر” إلى “إمرالي”: قصة التأسيس والصراع
لم تكن “قسد” سوى الثمرة المتأخرة لبذرة زُرعت في أواخر السبعينيات؛ ففي عام 1978، أعلن عبد الله أوجلان (الملقب بـ “آبو”) تأسيس حزب العمال الكردستاني في قرية “فيس” بمحافظة ديار بكر التركية. انطلق الحزب بصبغة ماركسية لينينية راديكالية، واضعاً نصب عينيه هدفاً وحيداً آنذاك: “تأسيس دولة كردستان الكبرى المستقلة” عبر الكفاح المسلح ضدّ الدولة التركية، وهو الصراع الذي تفجر رسمياً في عام 1984.
طوال عقدين من الزمن، قاد أوجلان حزبه من دمشق وسهل البقاع اللبناني تحت مظلة تفاهمات إقليمية، حتى عام 1998 عندما اشتدت الضغوط التركية على سوريا، ممّا أجبره على مغادرتها لتبدأ رحلة مطاردة دولية انتهت في 15 فبراير/ شباط 1999؛ حيث أُلقي القبض عليه في العاصمة الكينية نيروبي بعملية استخباراتية معقّدة، ونُقل بعدها إلى تركيا.
التحوُّل الأيديولوجي في سجن الجزيرة
منذ اعتقاله، يقبع أوجلان في سجن انفرادي بجزيرة إمرالي النائية في بحر مرمرة. ومن وراء القضبان، أجرى مراجعات فكرية شاملة، تخلّى فيها عن فكرة “الدولة القومية” والماركسية التقليدية، لصالح فلسفة جديدة أطلق عليها “الكونفدرالية الديمقراطية” أو “الأمة الديمقراطية” هذه الرؤية التي تركز على “الإدارة الذاتية” بعيداً عن صراع الحدود، هي ذاتها التي نقلتها كوادر الحزب العابرة للحدود إلى الشمال السوري، لتصبح المرجعية الحاكمة لمشروع “قسد” وإدارتها، محاولةً تطبيق “نظرية إمرالي” على أرض الواقع السوري المعقد.
الجذور الفكرية: تناقض “الآبوية” مع الواقع السوري
تستمد “قسد” شرعيتها الأيديولوجية من فكر عبد الله أوجلان، المسجون في تركيا بسجن إمرالي، والملقب بـ “آبو”. والمفارقة التاريخية الكبرى تكمن في أنّ أوجلان نفسه، في مراجعاته الفكرية، لم يقر بوجود “قضية قومية كردية” في سوريا تشبه تلك الموجودة في تركيا أو العراق. لقد اعتبر أوجلان أنّ الوجود الكردي في سوريا هو نتاج هجرات وتداخلات اجتماعية تاريخية، داعياً إياهم للانخراط في نسيج الدولة السورية لا الانفصال عنها. إلا أن قيادات “قسد” وذراعها السياسي، وتحت تأثير كوادر قادمة من جبال قنديل، ضربت بهذه الرؤية عرض الحائط لسنوات، متبنيةً مشروع “الأمة الديمقراطية” كغطاءٍ لتأسيس كيان شبه دولتي أطلقت عليه “إقليم روج آفا”.
التمدد الجغرافي والسيطرة على الموارد
تجاوز نفوذ “قوات سوريا الديمقراطية” المناطق ذات الغالبية الكردية، ووصل إلى مناطق ذات أغلبية عربية في محافظتي الرقة ودير الزور تحت مبررات مختلفة، بما في ذلك محاربة تنظيم “داعش”. تركزت السيطرة في هذه المناطق على حقول نفط رئيسية مثل حقل العمر وحقل التنك، بالإضافة إلى معامل غاز ومنشآت حيوية أخرى. هذه السيطرة على موارد الطاقة تسببت في جدلٍ كبير حول توزيع الثروات الوطنية وتأثيرها على الوضع الاقتصادي العام في سوريا.
لم يكن صعود (قسد) وليد الصدفة، بل كان نتيجة تفاهمات ضمنية بدأت عام 2012، حين انسحب الجيش السوري من مناطق الشمال والجزيرة بشكلٍ مفاجئ، مسلماً المفاتيح الأمنية لوحدات حماية الشعب. هذا الانسحاب لم يكن إلا استراتيجية لتأمين جبهات أخرى، حيث استُخدمت هذه المجموعات في تلك المرحلة لخنق الأصوات المعارضة وضمان استقرار المناطق الحيوية بعيداً عن الصراع المسلح المباشر مع الدولة. ولتثبيت هذا التحالف المؤقت، جرى منح الجنسية السورية لآلاف الأكراد الذين عانوا من التهميش في العقود السابقة، ليس كاستحقاقٍ حقوقي خالص، بل كورقةٍ سياسية لضمان تحييد هذه الفصائل. هذا المسار مكّن (قسد) لاحقاً من وضع يدها على (الخبز والنار)؛ أيّ سلال القمح وحقول الطاقة، لتتحوّل من قوةٍ أمنية محلية إلى لاعبٍ اقتصادي يبتز الدولة السورية لسنوات، قبل أن تفرض متغيرات عام 2026 عودة هذه الموارد إلى السيادة المركزية.
يبقى ملفّ “قسد” جرحاً مفتوحاً في الجسد السوري؛ فبين تعنت قياداتها المرتبطة بـ “قنديل” وإصرار الدولة السورية على السيادة المركزية، يظلّ المواطن السوري هو الخاسر الأكبر من حرمان الدولة من مواردها الوطنية. إنّ غياب الاتفاق حتى مطلع 2026 ينذر باستمرار التوتر الميداني، ويؤكد أنّ الرهان على الأجندات العابرة للحدود يظلّ العائق الأكبر أمام وحدة البلاد.
نقاط الصدام الجوهرية والتحول نحو السيادة
رغم سنوات الصراع، ظلّت نقاط الخلاف بين الدولة السورية و”قسد” وجودية، حتى حسمها اتفاق يناير 2026. كانت الدولة تصر دائماً على ثلاثة ملفات رئيسية أصبحت اليوم واقعاً ملموساً:
الانتهاكات الحقوقية: الوجه المظلم للمشروع
خلف الشعارات البراقة عن حقوق المرأة والمساواة، واجه التنظيم اتهامات موثّقة باختطاف الأطفال والقاصرين وتجنيدهم في معسكرات أيديولوجية مغلقة، محطماً بذلك مستقبل جيل كامل. كما اتبعت “قسد” سياسات قمعية ممنهجة ضدّ المكوّن العربي، شملت الاعتقالات الكيدية بتهمة الانتماء لـ “داعش” لمجرّد المعارضة السياسية، فضلاً عن السجون المظلمة التي تفتقر لأدنى معايير الكرامة البشرية. إنّ هذا السلوك الميداني أثبت لسنواتٍ أنّ عقلية التنظيم لا تختلف في جوهرها عن استبداد الأنظمة الشمولية التي تدعي محاربتها، ممّا جعل من عودة سيادة الدولة والقانون في يناير 2026 ضرورة أخلاقية وحقوقية لإنهاء هذه المعاناة وإعادة الاعتبار لكرامة السوريين في تلك المناطق.
رغم التوصل إلى تفاهمات كبرى في يناير 2026 تهدف لدمج (قسد) واستعادة الدولة للموارد، إلا أنّ الميدان لا يزال يشهد تجاذبات معقّدة بانتظار الانسحاب الكامل للقوى الخارجية وتثبيت نقاط السيطرة الوطنية بشكلٍ نهائي.”


