أدب
سهرتُ في باريس وأنا في بيتي بسبب قلم زكي مبارك، سافرتُ على جناح كلماته في شوارع الحي اللاتيني وحكايات ما سمعه وشاهده هناك. هذا النوع الأدبي لم يَعُد في الصحافة العربية، أقصد المقالة الذاتية الذي يحكي فيه الكاتب عن حياته ويومياته ويفلسف أفكاره. كاتب لا يخجل أن يصف المقهى ثمّ ذهابه للتوبة في مسجد باريس.
تحدَّث الأستاذ محمد رجب البيومي عن اختفاء المقالة الذاتية من أدبنا الحديث، وهذا النوع من المقالات وصفه البيومي بقوله: “إنها تُعبِّر عن عواطف الإنسان في أسلوبٍ جميل مؤثر، فالكاتب يستمدّ عناصر مقاله من إحساسه الذاتي، سواء كان هذا الإحساس خاصًّا بهواتفه وآماله وآلامه داخليًّا، أو منتقلًا إلى مشاهد الحياة وانطباعها في نفسه خارجيًّا، فنفسه هي البئر التي تمتاح منها خواطره، وأنفاسه هي التي تتردد في كلّ سطر، والأسلوب المشرق وعاء شفافٌ لهذه الخواطر الإنسانية! هذا ما أعنيه بالمقال الأدبي المفقود، لأنّنا لا نجد في السيل المتراكم بالصحف والمجلات بعض ما كنا نقرأ من هذا اللون الممتاز، وقد تحدّثتُ في ندوةٍ عن ضياع هذا الفن وأسفت لفقده”. انتهى حديث البيومي.
ينطبق هذا النوع على زكي مبارك، فهو يؤلِّف كتابه لأنّه رأى الناس في الشرق يكادون يجهلون أسرار الحياة الأوروبية فألَّف لهم كتاب “ذكريات باريس”، وهو كتاب يشرح ما بين الرُّشد والغيِّ والهدى والضلال من صراع، على حد وصفه.
ظاهرة الأفندية في تاريخ مصر
زكي مبارك، كما يرصد فتحي رضوان في كتابه “أفكار الكبار”، واحد من المتحولين من ملابس الشيوخ إلى البدلة الإفرنجية، فهو يُحسِن الرطانة بالفرنسية أو الإنجليزية، ويتحوّل من إهاب الأزهري الفلاح المصري الفقير في أغلب الأحوال إلى مظهر الأفندي. وكما يوضح رضوان، فإنّ هذا الأمر ظاهرة متكرّرة الوقوع في الحياة الأدبية والفكرية في مصر. أكتب مقالي وفي بالي صورة أحمد أمين بملابسه الأزهرية وصورته وهو أفندي، فقد نضوا عن أجسامهم الجبّة والقفطان وخلعوا عن رؤوسهم العمامة، وجربوا آلام الانتقال والانفصال من القالب الريفي إلى الحياة في القاهرة.
ومن فتحي رضوان نعرف طريقة حديث زكي مبارك، فهو يصف الحديث مع زكي مبارك بأنّه ليس سجالًا، للأول دورة والثاني دورة، لكن زكي مبارك لا يُحسِن الاستماع، ولا صبر له على تعليق مُحدِّثه على كلامه، فقد تبدأ القول فلا يلتفت إلى ما تقول ولا يلقي باله إليه، ويبدأ الكلام في موضوعٍ آخر، ويسترسل فيه ويضحك، ثمّ يعود فجأة لموضوعه الأول، فللحديث معه شجون حقًّا وصدقًا، فقد كان كما وصفه فتحي رضوان “في حياته صورة صادقة من أدبه”. حملت عناوين مقالاته “الحديث ذو شجون”، فحديثه الحي المسموع لا يُطيل الوقوف عند الشيء، والانتقال فيه من المؤسف إلى المضحك، ومن الغريب إلى الجاد، ومن التساؤل إلى الاستنكار، إلى عباراتٍ غامضة تجمع بين الأضداد.
وحكاية زكي مبارك مع الأديب والكاتب ناصر الدين الأسد تؤكد هذا النمط، فقد التقيا في مجلة “روزاليوسف”، وتوجَّها إلى المقهى، وحضر إحسان عبد القدوس، وسلَّمه زكي مبارك آخر مقالة له، ثمّ دعاهما زكي مبارك (ناصر وصديقه) إلى العشاء، وهم يأكلون خطر في بال ناصر أن يسأل زكي مبارك عن قصيدته “تناسيتكم عمدًا كأنّي سلوتكم”، وما كاد ناصر الدين يُنهي البيت الأول:
تَنَاسَيْتُكُمْ عَمْدًا كَأَنِّي سَلَوْتُكُمْ… وَبَعْضُ التَّنَاسِي الْعَمْدِ مِنْ صُوَرِ الْوُدِّ
حتى وقف زكي مبارك في المطعم، وترك الطعام، وبدأ يُنشِد القصيدة بصوتٍ مرتفع، وتوقف الحضور في المطعم للاستماع إليه، يُنشدها إنشادًا بصوت عالٍ وهو يبكي، رحمة الله عليه. وبعد أن أنهى الطعام، طلب منهما دفع الحساب، فجمع ناصر وصديقه ما معهما لتسديد الفاتورة. أنهى ناصر الدين رواية القصة بقوله: “كان رجلًا فنانًا على طبيعته وعلى سجيته”.
حلاوة الأحاديث
من الأشياء التي أفتقدها في لقاء كثير من الناس براعة التحدث وحلاوة التعبير عن النفس. وفي أحد كتب زكي مبارك ذِكْر لمسألة صداقة الأرواح، فقد ذكر في كتابه “الأسمار والأحاديث”: “والصديقان الفرنسيان أحدهما من رجال التربية وثانيهما من رجال القانون، وكلاهما محدِّث بارع يُذكِّر بما رُوي من أنّه دخل على الحسن بن سهل رجلٌ بعد أن تأخر عنه أيامًا فقال: ما ينقضي يوم من عمري لا أراك فيه إلا علمت أنّه مبتور القدر، منحوس الحظ، مغبون بين الأيام.
فقال الحسن: هذا لأنّك توصل إليَّ بحضورك سرورًا لا أجده عند غيرك، وأتنسَّم من أرواح عِشرتك ما تجد الحواسُّ به بُغيتها، وتستوفي منه لذتها، فنفسك تألف مني مثل ما آلفه منك”.
يقول د. زكي مبارك عن فن الحديث: “كلمة «محدِّث» قلَّما نعرف مدلولها في مصر، وهي بالطبع غير كلمة «محدِّث» التي ترِد في كتب الرواية والحديث… فالفرنسيون من بين الأمم مشهورون بحلاوة الحديث.
وقد يتحدّث الرجل منهم نحو سبع ساعات تباعًا فينتقل من فن إلى فن في لطف ورفق، دون أن يَشعر السامرون بأدنى سآمة أو ملال، وهم يختلفون في هذا عن الإنجليز أشد الاختلاف، فإنَّ المحدثين من الإنجليز قليل.
وإذا أراد القارئ أن يعرف شيئًا عن مدلول كلمة «محدِّث» فإنّا نذكر له على سبيل التمثيل الشاعر الكبير حافظ إبراهيم، فإنّي لم أَرَ من بين المعاصرين من يشبه هذا الرجل في طِيب الحديث، وما رأيته مرةً إلا شعرت بالحسرة على أنّه كسائر الناس قد ينتقل بعد عمرٍ طويل إلى دار البقاء. وكان أهلًا لأن يُمْتِع بطيب حديثه جميع الأجيال. وقد تعلَّق به المرحوم سعد باشا في أخريات أيامه تعلقًا شديدًا، واحتجزه عنده في مسجد وصيف”.
وعلى ذكر سعد زغلول فقد كان يحرص على مقابلة أحمد لطفي السيد كلّ يوم اثنين في عطلة دار الكتب، وقد كانت ميزة لطفي السيد عند سعد زغلول أنّه رجل يعيش في المستقبل.
وفي مذكرات سعد زغلول في عام 1925 أنّ لطفي السيد أعطاه كتب لينين ليقرأها، وقد انقطع سعد زغلول عدة أيام ليقرأ هذه الكتب باللغة الفرنسية، لأنّها لم تكُن طُبعت بعدُ باللغة العربية.
لو كان اختُرع التسجيل في تلك الأيام لاستطعنا الحصول على أشرطة ممتعة لمناقشات حوار في الأدب والسياسة والمنطق واللغة كما يخبرنا مصطفى أمين في كتابه “شخصيات لا تُنسى”، ولك أن تنظر في وصف الزيات لشخصية لطفي السيد لترى قيمة هذا الرجل وأحاديثه العذبة.
عن الدكتور زكي مبارك
يبدأ الدكتور زكي مبارك فاتحة كتابه “النثر الفني في القرن الرابع” بهذه الأسطر التي تشرح نفسيته ووصفه لنفسه، اختارتها الكاتبة صافي ناز كاظم في كتابها “رؤى وذات” ليتذوق القارئ طعم كلامه مباشرة، وهي تصفه بأنّه “أكاديميّ دون جهامة، وعلميّ منهجه من دون قتامة، تشيع في جديته روحه التي تميزت من غرور ظريف وخفة ظلّ تطيح بأيّ احتمالٍ للملل”. هنا مقدمة زكي مبارك:
“هذا كتاب «النثر الفني في القرن الرابع»، وهو كتاب شغلتُ به نفسي سبع سنين، فإن رآه المنصفون خليقًا بأن يغمر قلب مؤلفه بشعاع من نشوة الاعتزاز فهو عصارةٌ لجهود عشرين عامًا قضاها المؤلف في دراسة الأدب العربي والأدب الفرنسي، وإن رأوه أصغر من أن يورث المؤلف شيئًا من الزهو فيتذكروا أنّي ألَّفته في أعوامٍ سُودٍ، لقيت فيها من عَنَت الأيام ما يقصم الظهر ويقصف العمر، فقد كنت أشطر العام شطرين، أقضي شطره الأول في القاهرة، حيث أؤدي عملي، وأجني رزقي، وأقضي شطره الثاني في باريس كالطير الغريب، أُحادِث العلماء، وأستلهِم المؤلفين، إلى أن ينفد ما ادَّخرته أو يكاد. ثمّ صممت على أن أنقطع إلى الدرس في جامعة باريس حتى أنتصر أو أموت، وكانت العاقبة أن أنعم علَيَّ الله -عزَّ شأنه- بالنصر المبين.
ولكنّي أُحِبّ أن أكون في طليعة المنصفين لمؤلف هذا الكتاب، وهل من العدل أن أظلم نفسي وأنصف الناس؟
إنَّ هذا الكتاب أول كتاب من نوعه في اللغة العربية، أو هو -على الأقل- أولُ كتاب صُنِّف عن النثر الفني في القرن الرابع، فهو بذلك أول منارة أقيمت لهداية السارين في غيابات ذلك العهد السحيق.
ولن يستطيع أيّ مؤلفٍ آخر -مهما اعتزَّ بقوَّته، وتعامى عن جهود من سبقوه- أن ينسى أنّي رفعت من طريقه ألوفًا من العقبات والأشواك”. انتهى حديثه عن الأنا.
بين طه حسين وزكي مبارك
يذكر عباس خضر في ذكرياته الأدبية شيئًا من ضيق طه حسين بما يوجَّه إليه من نقد، ويذكر أنّه شاهد وجهه يكتسي بغبرة تنطق بالغضب عندما اقترب منه -وهو يدخل إلى قاعة الاجتماع في المجمع اللغوي- رجل كان معروفًا بالصلابة والغيرة على اللغة، وهو فؤاد عبد الباقي أمين مكتبة المجمع، وقال له نقدًا لتعبير جاء في مقال له نُشر في ذلك اليوم: “يا باشا كلمة «أبدًا» تجيء مع النفي للمستقبل و«قَط» للماضي”.
يصف عباس خضر المشهد بأنّ طه حسين أدركَ خطأه بمجاراة الاستعمال الشائع، ولكنّه غضب؛ صعب عليه أن يبدو مخطئًا في اللغة وهو الذي يُمسِك بخناق الناس وخصوصًا الشباب إذا رآهم مخطئين فيها. لم يردّ طه على الرجل وأسرع إلى قاعة الاجتماع.
يرسم عباس خضر في ذكرياته الجميلة لوحة لطه حسين ويقول عنه: “كان طه حسين عاطفيًّا جدًّا، إذا رضي أغدق إغداقًا، وإذا سخط كف، وربما أوقع شرًّا. وممّن سخط عليهم ونالهم أذاه زكي مبارك، إذ عمل على إخراجه من التدريس في الجامعة، فكتب المازني يعاتب طه حسين على موقفه العدائي من زكي مبارك، وقال له في ما قال: كيف تحاربه في رزقه وهو صاحبُ عيال؟ فعقَّب زكي مبارك وقال بصلابة الرجل المكافح: إنَّ عيالي إذا جاعوا فإنّي أشوي لهم لحمَ طه حسين”.
بين الرئيس العراقي عبد السلام عارف وكريمة زكي مبارك
يُكمِل عباس خضر في ذكرياته أنّه لا يظنُّ أنّ «كريمة زكي مبارك» اضطرت إلى أن تلوك قطعة من لحم طه حسين، كانت كريمة معهم في مؤتمر الأدباء العرب الذي انعقد في بغداد نحو سنة 1964، وكان الزملاء العراقيون يسألون عباس خضر: هل اسمها كريمة أم المقصودة أنّها ابنة زكي مبارك؟
وفي حفل العشاء الذي أقيم بالقصر الجمهوري لتكريم الأدباء العرب جاءت وقفة عباس خضر هو وكريمة بجانب رئيس الجمهورية عبد السلام عارف، فقدّمها إلى الرئيس، وسأله الرئيس العراقي عن الأستاذ الزيات وكيف حاله وصحته، وقال إنَّه تلميذه أيامَ أن كان الزيات مدرّسًا في العراق، وطلب منه أن يُبلِغه عتابه لأنّه أرسل إليه دعوة لزيارة العراق فلم يستجِب، وقال عبد السلام عارف لكريمة زكي مبارك إنَّ المرحوم والدها كان من الكتّاب المحبوبين في العراق، وأثنى عليه حتى احمرَّ خدَّاها، وأشار لها إلى التفاح لتأكل منه، وكان التفاح من “المسموعات” في مصر كما يوضخ خضر، أي الأشياء التي يسمعون عنها ولا يتعاملون معها.
حضر عبد السلام عارف إحدى ليالي مهرجان الشعر في قاعة الشعب الفسيحة التي امتلأت، لا بالجالسين على المقاعد فقط، بل وقف كثيرون لم يجدوا مقاعد خالية نحو أربع ساعات يستمعون إلى قصائد الشعراء، وظَلَّ رئيس الجمهورية يستمع من الأول إلى الآخر، فالشعب العراقي بشهادته يحبّ الشعر ويردده كالأغاني. وكانت الإذاعة والتليفزيون ينقلان مهرجان الشعر على الهواء إلى الساعة الواحدة أو الثانية بعد منتصف الليل، ومن لم يستطِع الذهاب إلى مكانه ظلَّ في بيته يسمع… ولما كان عباس خضر في البصرة رأى بعض أصحابه أن يزوروا الكويت، فركبوا السيارة التي قطعت المسافة في نحو ثلاث ساعات وهُم يستمعون إلى السائق يُنشِدهم من شعر مهدي الجواهري.
ولا غرابة، فقد كان الرئيس عبد السلام عارف من تلاميذ الشيخ علي الطنطاوي لما كان مدرّسًا في بغداد، فبعد أن أصبح رئيسًا للعراق كان كلّما جاءه وفد من الشام سأل عن الشيخ الطنطاوي وعن أنور العطار.
وممّن وَضَعَتِ الخمرُ لحياتهم فصلًا ختاميًّا مأساويًّا زكي مبارك، كما يذكر عارف حجاوي، فقد كتب هذا الناثر زكي مبارك يحكي حوارًا دار بينه وبين صديقه أحمد رشدي: “قال رشدي: وتشرب الخمر مع هؤلاء الساقطات؟ فقال زكي مبارك: بهذا أُكفِّر عن ذنوبي يوم شربت الخمر مع بعض الوزراء، والحسنات يُذهِبن السيئات”.
وفي كتابه “أحاديث الحب” يقول زكي مبارك: “أنا مولع بدرس سرائر النفس الإنسانية، وأغراني بذلك أنّي كنت أول دكتور في الفلسفة من الجامعة المصرية. وهذا المعنى هو الذي حملني على الصراحة في ما أسجّل وأفنّد من الأفكار والمعاني. وأغلب الظن أنّي سأكون أشرَفَ ضحية للدراسات الفلسفية، ولا يُغريني إلا شيء واحد، هو الشعور بأنّي أنقذ الأدب العربي من كابوس الرياء والنفاق”.
لستُ مِن الذين يبتكرون فكرة أصيلة في الفراغ، هوامشي هي كدّ الذهن حول المتن، أو ملاذات على ضفاف النصوص التي أقرؤها ولا أتخيَّلني يومًا نهرًا. أنا متواضع في ما أطمح لقوله، بنيتُ خيمتي في صحراء النصوص العظيمة الجافة أو كرسي صغير أمام البحر المحيط للمعرفة البشرية، سائح متخفف ولست غواصًا، إذا علمت ذلك فقد عرفتني. وحالتي مع زكي مبارك وأنا أقصّ عليك حكايته قريبة من ذلك، هذا كاتبٌ الأنا محبوبة منه لبراعته وأسلوبه وظرفه، وكم أحاول أن أُظهِر الأنا في كتبي الذاتية وأصطدم بتقاليد الكتابة التي تقدس التواضع وتُخفي حضور الكاتب وتُخفي آثاره وتردم علاماته. أحيانًا أريد أن أكتب عن الطقس والشمس وضيق الصدر فجأة دون سبب جليّ، أو أسرح بخيالي في مصر وذكرياتي معها، أو يدهشني تصرُّف من شخصٍ فأستغرق في تحليل تصرفاته وتأمل أفعاله. أعتبر زكي مبارك دورة تدريبية في فن البوح والكتابة الحرة والصداقة مع القارئ.



