تأملات

لمن كان له قلب!

يناير 25, 2026

لمن كان له قلب!

كان هذا الكوكبُ غارقًا في الضَّلالةِ من أعلى رأسِهِ حتّى أخمصِ قدميهِ، اليهودُ حرَّفوا التَّوراةَ، والنَّصارى زعموا أنَّ للهِ ولدًا، والعربُ ملأوا بيتَ اللهِ بالأصنامِ وعبدوها من دونِه، فإن كان هذا هو حالُ الّذين نزلتْ فيهم الرِّسالاتُ، فعن غيرِهم حدِّثْ ولا حرج!

وبينما هذه البشريَّةُ كذلك، نظرَ إليها الرَّحمنُ نظرةَ عطفٍ، فتحنَّنَ عليها على عادته، وتكرَّمَ كما هو دومًا، وتمنَّنَ كما هو دأبه!

عمَّا قليلٍ ينزلُ من غارٍ مُظلمٍ في مكَّةَ رجلٌ يحملُ النُّورَ ليُضيءَ هذا الكوكبَ، وقد بلغَ من العمرِ أربعينَ سنةً، اتَّقدَ عقلُه بما يكفي ليفهمَ الوحيَ ويُفهِمَه للنّاس، ونضجتْ عاطفتُه ولانتْ ليفيضَ حُبًّا ورحمةً، ومن قبلِ هذا بكثيرٍ في ديارِ حليمةَ السَّعديَّةِ غُسِلَ قلبُه، وصار الآن كلُّ شيءٍ مهيَّأً لتبدأ الرِّسالةُ الّتي كُتِبَ لها أن تُغيِّرَ ملامحَ هذا الكوكبِ إلى الأبد!

وكتهيئةٍ لهذا الرَّجلِ العظيمِ الّذي كان يُعَدُّ على مهلٍ لهذه الرِّسالة، أوَّلُ ما بُدِئَ به من الوحيِ الرُّؤيا الصَّالحةُ في المنام، فكان لا يرى رُؤيا إلّا جاءتْ بعد ذلك كفلقِ الصُّبح، ثمَّ حُبِّبَ إليه الخلاءُ، فكان يخلو بنفسِه في غارِ حراءٍ، فيتحنَّثُ فيه اللّيالي ذواتِ العدد، ثمَّ يرجعُ إلى خديجةَ، المرأةِ الّتي ستكونُ فيما بعدُ جبهتَه الدَّاخليَّةَ، وأقوى جنودِه، وفي وحشةِ الحياةِ يحتاجُ الرَّجلُ إلى قلبِ امرأةٍ!

وفي إحدى خلواتِه في الغار نزلَ عليه جبريلُ بأوَّلِ قبساتِ النُّور، وقال له: اقرأْ! فقال: ما أنا بقارئٍ! فقال له: اقرأْ! فقال: ما أنا بقارئٍ! فقال له في الثَّالثة: اقرأْ! فقال: ما أقرأُ؟! فقال له:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.

فنزلَ من غارِ حراءٍ يرتجفُ من هولِ الوحي، وكان بإمكانِه أن يذهبَ بقدميهِ إلى أبي طالبٍ عمِّه الّذي اعتادَ أن يحوطَه ويرعاه، أو إلى أبي بكرٍ صديقِه الوفيِّ وموضعِ سرِّه، ولكنَّه ذهبَ بقلبِه إلى خديجةَ، ثمَّةَ مواقفُ في هذه الدُّنيا لا يحتاجُ فيها المرءُ أكثرَ من حضنٍ!

وصلَ إليها وهو يرتجفُ ويقول: زمِّلوني، زمِّلوني! فغطَّتْه، وضمَّتْه، وهدَّأتْ من روعِه، ولمّا ذهبَ عنه الرَّوعُ حدَّثها بما كان، ثمَّ قال لها: لقد خشيتُ على نفسي! فقالتْ له: كلا واللهِ، ما يُخزيكَ اللهُ أبدًا، إنَّك تصلُ الرَّحمَ، وتحمِلُ الكلَّ، وتكسبُ المعدومَ، وتُقري الضَّيفَ، وتُعينُ على نوائبِ الحقّ!

ثمَّ ذهبتْ به إلى ابنِ عمِّها ورقةَ بن نوفل، وكان شيخًا كبيرًا قد عُمِيَ، وكان قد تنصَّرَ في الجاهليَّةِ، وكتبَ الإنجيلَ بالعبرانيَّة، فقالتْ له: يا ابنَ العمِّ، اسمعْ من ابنِ أخيكَ! فقال له ورقةُ: يا ابنَ أخي، ماذا ترى؟ فأخبرَه النَّبيُّ ﷺ خبرَ ما رأى، فقال له ورقةُ: هذا النَّاموسُ الّذي نزلَ على موسى، يا ليتني فيها جَذَعًا، ليتني أكونُ حيًّا إذ يُخرجكَ قومُك! فقال له النَّبيُّ ﷺ: أَوَمُخرِجيَّ هم؟! قال: نعم، لم يأتِ رجلٌ قطُّ بمثلِ ما جئتَ به إلّا عُودِيَ، وإن يُدركني يومُكَ أنصُركَ نصرًا مؤزَّرًا!

ثمَّ ما لبثَ ورقةُ أن تُوفِّيَ، وانقطعَ الوحيُ فترةً!

الدَّرسُ الأوَّلُ: 

على بعضِ الأشياءِ أن تتأخَّرَ لتأتيَ أجملَ، إنَّ اللهَ سبحانه يختارُ من الأوقاتِ أدقَّها، وكلُّ دعوةٍ دعوتَ اللهَ بها وتأخَّرتْ عنكَ فليسَ هذا أوانَها، ثِقْ بحكمةِ الله، وردِّدْ بقلبٍ ممتلئٍ باليقين: لقد استجابَ ولكنَّه يهيِّئُ الأسبابَ، وكلُّ همٍّ نزلَ بكَ فهذا أوانُه، وهل يعتدلُ النّاسُ إلّا تحتَ وطأةِ الأيّام، وحدها النّارُ تُخرِجُ خبثَ الحديدِ وتصقلُه، ولولا وهجُ التَّنّورِ لبقيَ الخبزُ عجينًا، وكان على النَّبيِّ ﷺ أن ينتظرَ أربعينَ سنةً ليصبحَ العظيمَ الّذي عرفناه، فثمّةَ مسؤوليّاتٌ لا بدَّ لها أن يبلغَ العقلُ أوجَه، وأن تتَّزنَ العاطفةُ لتنقادَ لا لتقودَ، أما علمتَ أنَّ الخضرَ أخبرَ موسى عليه السَّلام أنَّ على اليتيمين أن يبلغا أشدَّهما أوّلًا ثمَّ يُستخرَجَ كنزُهما؟!

الدَّرسُ الثَّاني: 

هيِّئِ النّاسَ وأعدِدْهم للمهمَّةِ الّتي تريدُها منهم، فمن أردتَه لعملٍ ناجحٍ درِّبْه، والبنتُ أعدَّها للزَّواج وفهِّمْها كيف تُدارُ البيوت، والولدُ فهِّمْه طبائعَ النِّساء وأرشِدْه، فمعاركُ الحياة لا تُخاضُ بغيرِ عُدَّةٍ وعتاد، وصحيحٌ أنَّ الخبرةَ لا تُنالُ إلّا بالتَّجارب، لكنَّ امتلاكَ مفاتيحِ النَّجاح أمرٌ حاسمٌ في تحقيقه، والنُّبوَّةُ شيءٌ فوق مستوى البشر، وعملٌ يحتاجُ روحًا وعقلًا وقلبًا من نوعٍ آخر، وما كانت الرُّؤى الّتي يراها النَّبيُّ ﷺ فتأتي كفلقِ الصُّبح إلّا تهيئةً لاستقبالِ الوحي، كما كان تحبيبُ الخلوةِ إلى قلبِه ﷺ قبلَ نزولِ الوحي صقلًا للرُّوحِ والقلبِ والعقل.

الدَّرسُ الثَّالث: 

الزَّواجُ النَّاجحُ هو الّذي فيه من الصَّداقةِ قدرُ ما فيه من الحُب، أن تأنسَ ويُؤنسَ بك، وتطمئنَّ وتُطمئِنَ، وتجبرَ وتُجبَرَ، وأن تهونَ الدُّنيا كلُّها ولا يهونَ حبيبُك، وأن يُباعَ الكونُ كلُّه ويُشترى خاطرُ خليلك، وأن تكونَ آمنًا ومانحًا للأمان، وأن تُمسِكَ فلا تتركَ ولا تُترَكَ، وأن يتَّكئَ كلٌّ منكما على صاحبه وهو لا يخشى السُّقوط، فإن لم يتحقَّقْ هذا المعنى فعن أيِّ مودَّةٍ ورحمةٍ نتحدَّث؟! ألم تسألْ نفسك مرَّةً: لماذا ذهبَ النَّبيُّ ﷺ إلى خديجةَ بعدَ نزولِ الوحي؟ ولماذا اختارَها دونَ غيرِها؟ لأنَّها كانتْ كلَّ هؤلاء بالنِّسبةِ له، مأمونةً، حنونةً، عاقلةً، قويَّةً، فعرفَ أنَّه لا يحتويه من أهلِ الأرض غيرُها، وكان هو بقلبِه وأخلاقِه قد شغفَها حبًّا، وإذا ضاقتِ الأرضُ بالإنسان اتَّسعَ له حضنُ حبيبِه.

الدَّرسُ الرّابع: 

صنائعُ المعروفِ تقي مصارعَ السُّوء، وهذه قاعدةٌ يعرفها النّاسُ بالتَّجربة، لا تحتاجُ إلى دينٍ لتُدرَكَ وإن كان الدِّينُ قد أرساها، فلم تكن خديجةُ تعرفُ من الإسلام شيئًا حين أتاها النَّبيُّ ﷺ يرتجف، ومع ذلك قالتْ بيقين: واللهِ ما يُخزيكَ اللهُ أبدًا، ثمَّ عدَّدتْ فضائلَه ومعروفَه مع النّاس، حتّى أهلُ الجاهليَّة كانوا يعلمون أنَّ زارعَ الخيرِ يحصدُه، وأنَّ موقدَ نارِ الشَّرِّ سيكتوي بها، فأكثروا من صنائعِ المعروف، فليسَ أحدٌ أوفى من الله، من جبرَ جُبِر، ومن أعانَ أُعين، ومن خذلَ خُذِل، ومن ظلمَ ابتُلِيَ بمن هو أظلمُ منه، فاجبروا الخواطر، وامسحوا الدُّموع، ورمِّموا المكسور، واقضوا الدُّيون، وسدُّوا الحاجات، واحفظوا ماءَ الوجوه، فما عُبِدَ اللهُ بشيءٍ أحبَّ إليه من جبرِ الخواطر وقضاءِ حوائجِ النّاس.

الدَّرسُ الخامس: 

تقولُ العربُ سلْ من كانَ به خبيرًا، فلا تُطلَبُ النَّصيحةُ إلّا من حكيم، ولا تُقضى الحوائجُ إلّا عند أهلِها، فالأهوجُ يزيدُ المشكلات تعقيدًا، ومن لا خبرةَ له يُفتي بغيرِ علمٍ ولا بصيرة، أَلَمْ يقتلْ صاحبُ التِّسعةِ والتِّسعين نفسًا تمامَ المئة حين سألَ عابدًا فأفتاه بغيرِ علم؟ ثمَّ لمّا سألَ عالمًا دلَّه على التَّوبةِ والطَّريقِ والعمل، فكان ذلك سببَ نجاته، ولهذا ذهبتْ خديجةُ بالنَّبيِّ ﷺ إلى ورقةَ بن نوفل دونَ سائرِ قريش، لأنَّ المسألةَ وحيٌ وخبرُ سماء، وهذا ميدانُ ورقةَ، فاشرَبوا من منبعِ النَّهر، ودَعوا القنوات.

الدَّرسُ السَّادس: 

لم يكن ورقةُ بن نوفل يعلمُ الغيب، ولكنَّه كان يعلمُ سنَّةَ الله في الكون، أنَّ الحقَّ والباطلَ في صراعٍ إلى قيامِ السَّاعة، تتغيَّرُ الميادينُ ويتبدَّلُ اللاعبون، أمّا الحربُ فواحدة، وكان يعلمُ أنَّ صدورَ قريش ستضيقُ بهذه الدَّعوة، وأنَّ الباطلَ سيستشرسُ في حربِ الحقّ، فضعوا هذه الحقيقة نصبَ أعينكم: لن تسلموا من النّاس، إنَّما يعادونكم لرسالتكم لا لأشخاصكم، ومن لم يجدْ للحقِّ عدوًّا فليُراجعْ نفسَه، فهذا دينٌ وصلَ إلينا بالأشلاء، وبالدِّماء، وبالأموال، وبالأذى، وبالتَّشويه، ولن يُحفَظَ إلّا بالثَّمن ذاته، إنَّ سلعةَ اللهِ غالية، وإنَّ اللهَ اشترى.

شارك

مقالات ذات صلة