فكر
مع دخول المرحلة الانتقالية عامها الثاني، بدأت سوريا تشهد انتقالًا من إدارة لحظة السقوط إلى الشروع في إعادة ترتيب بنيتها السياسية والقانونية على أسس مؤسسية أكثر استقراراً. وقد تُرجم هذا التحوُّل عمليًّا بتشكيل هيئة وطنية للعدالة الانتقالية في منتصف أيار/ مايو 2025، أُنيطت بها مهمة محاسبة مسؤولي النظام السابق على الانتهاكات، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية. وفي هذا الإطار، أُدرج ضمن مهام الهيئة مراجعة الإطار القانوني القائم، وإعداد مسودة مشروع قانون جديد للعدالة الانتقالية يتلاءم مع طبيعة الجرائم التي شهدتها الثورة السورية.
ويأتي هذا المسار في ظلّ إدراكٍ متزايد بأنّ القوانين السارية، بصيغتها السابقة، لم تُصمَّم للتعامل مع أنماط العنف المنهجي والانتهاكات واسعة النطاق التي تندرج ضمن مفهوم الجرائم الدولية، ولا مع متطلبات المساءلة والمحاسبة في سياق العدالة الانتقالية.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى مسألة تغيير التشريعات ضمن مسار العدالة الانتقالية بوصفها مسألة قانونية تقنية فحسب، بل باعتبارها مدخلًا لفهم كيفية إعادة تشكيل المجال العام السوري بعد أحد أكثر الفصول عنفًا في تاريخه المعاصر. فمع شروع الدولة الجديدة في تصميم الإطار التشريعي الناظم لمجمل مسار العدالة الانتقالية بما فيها إمكانية إنشاء محاكم خاصة، تتحوّل العملية التشريعية إلى جزءٍ من ديناميةٍ أوسع لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتحديد معايير الجريمة، وآليات إنتاج الحقيقة، وحدود المسؤولية داخل هرم السلطة.
وعليه، فإنّ مقاربة هذه التشريعات تستدعي قراءة من منظور علم الاجتماع السياسي، حيث يؤدي القانون دورًا مزدوجًا: ضبط السلوك من جهة، والمساهمة في إعادة بناء نظام قيمي وأخلاقي تضرّر بفعل العنف من جهةٍ أخرى. وفي هذا السياق لا يمكن اعتبار العدالة الانتقالية لمعالجة الماضي فحسب، بل إطارًا تأسيسيًّا لإعادة صياغة العقد الاجتماعي. فالتشريع، لا يُنتج قواعد إجرائية فقط، بل يسهم في إعادة هندسة الوعي الجمعي، ويؤثر في طبيعة السلطة، وموقع المواطن، وشكل الشرعية السياسية الناشئة.
تعريف الجرائم الدولية وإعادة تشكيل المرجعية الأخلاقية
يُعد تعريف الجرائم الدولية أحد المداخل التأسيسية لأيّ مسار عدالة انتقالية، لكونه يحدّد الخطّ الفاصل بين ما يمكن استيعابه ضمن منطق الصراع، وما يُصنَّف باعتباره انتهاكًا غير قابل للتبرير أو التسوية، وفي المجتمعات الخارجة من نزاعاتٍ عنيفة، لا تقتصر أهمية هذا التعريف على بعده القانوني، بل تمتدّ إلى دوره في إعادة تشكيل المرجعية الأخلاقية الجمعية.
إنّ إدراج جرائم مثل الإخفاء القسري، والتعذيب، والقتل المنهجي، والتهجير القسري، والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع ضمن نصوص قانونية صريحة، لا يضيف توصيفات جديدة بقدر ما يعيد تنظيم المجال الأخلاقي الذي تعرّض للتآكل خلال سنوات العنف. فالقانون هنا ينتج لغةً مشتركة تسمح للمجتمع بإعادة تسمية ما جرى، والتمييز بين ما كان يُفرض بالقوة وما يُدان بوصفه جريمة.
وفي هذا الإطار، لا يعمل تعريف الجرائم الدولية على مستوى المحاسبة فقط، بل يسهم في بناء ذاكرة قانونية تُخرج معاناة الضحايا من حيز السرد الفردي إلى الفضاء العام المعترف به. وهو ما يشكّل شرطًا ضروريًّا لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ولتأسيس تصور جديد للشرعية قائم على نفي العنف غير المشروع، لا على إعادة إنتاجه بأدواتٍ قانونية مختلفة.
وسيع صلاحيات الادعاء العام
تُظهر تجارب العدالة الانتقالية أن الاقتصار على تحريك الدعوى بناءً على شكاوى فردية يحدّ من فعالية المساءلة، خاصة في المجتمعات التي خرجت حديثًا من أنظمة قمعية. ففي هذه السياقات، غالبًا ما تواجه الضحايا عوائق نفسية وأمنية واجتماعية تحول دون لجوئهم إلى القضاء.
من هنا، يكتسب توسيع صلاحيات الادعاء العام دلالة تتجاوز البعد الإجرائي، ليعكس تحوُّلًا في فلسفة العدالة ذاتها. فعندما يُمنح الادعاء صلاحية فتح التحقيقات من تلقاء نفسه، يتحوَّل القانون إلى أداة حماية جماعية، لا مجرّد وسيطٍ بين أطرافٍ متنازعة، ويعيد هذا التحوُّل توزيع موازين القوة داخل المجتمع، عبر تقليص الفجوة بين الفئات الهشة ومؤسسات الدولة.
كما أنّ هذا التوسيع يعيد تعريف الدور الاجتماعي للادعاء العام، بوصفه حاملًا لمسؤولية حماية القيم العامة، لا مجرّد جهةٍ تتلقّى الملفات. وبهذا المعنى، يصبح الادعاء نقطة تقاطع بين العدالة الجنائية والعدالة الاجتماعية، وبين الحقّ الفردي والمصلحة العامة، بما يعزّز قدرة الدولة على إعادة بناء علاقة أكثر توازنًا مع مواطنيها.
تنظيم الأدلة الرقمية ودورها في بناء الذاكرة الوطنية
أفرزت سنوات الثورة السورية حجمًا غير مسبوق من المواد الرقمية التي وثّقت الانتهاكات خارج القنوات الرسمية، بدءًا من تسجيلات الهواتف المحمولة، وصولًا إلى صور الأقمار الصناعية، ما يجعل تنظيم الأدلة الرقمية مسألةً مركزية في أيّ إطارٍ تشريعي للعدالة الانتقالية.
إنّ إدماج هذه الأدلة ضمن منظومة قانونية واضحة لا يقتصر على ضمان حجيتها أمام القضاء، بل يسهم في تحويل الذاكرة الشعبية إلى جزءٍ من الذاكرة الوطنية المعترف بها. فالتشريع، في هذه الحالة، لا ينظّم أدوات الإثبات فحسب، بل يعيد ترتيب العلاقة بين التجربة الفردية والسردية العامة.
ويُتيح هذا المسار للمجتمع الانتقال من ذاكرة مجزّأة، يغلب عليها الطابع العاطفي، إلى ذاكرةٍ قابلة للتحليل والمساءلة. كما يوسّع دائرة المشاركة المجتمعية في إنتاج الحقيقة، بحيث يصبح التوثيق فعلًا اجتماعيًّا ممتدًّا من المواطن إلى المحكمة، ومن التجربة الشخصية إلى الفضاء العام.
المسؤولية القيادية وحدود المساءلة في الدولة الجديدة
يشكّل إدراج مبدأ المسؤولية القيادية أحد أكثر عناصر التشريع حساسية، نظرًا لارتباطه المباشر ببنية السلطة. تاريخيًّا، جرى في الأنظمة السلطوية حصر المسؤولية في المستويات التنفيذية الدنيا، مع تحصين مراكز القرار من المساءلة.
ينقل هذا المبدأ منطق السلطة من كونها موقع امتياز إلى كونها وظيفة خاضعة للمحاسبة، فربط المسؤولية بالقدرة على المنع، لا بالمشاركة المباشرة فقط، يعيد تعريف العلاقة بين القيادة والمرؤوسين، ويؤسس لثقافة سياسية جديدة تقوم على المساءلة بدل الولاء.
ومن منظورٍ اجتماعي، يسهم هذا التحوُّل في كسر نموذج “القائد غير القابل للمساءلة”، ويفتح المجال أمام إعادة بناء الثقة في المؤسسات، بوصفها خاضعة للقانون لا متعالية عليه؛ وهو ما يجعل هذا المبدأ عنصرًا مركزيًّا في إعادة تشكيل تصور المجتمع للسلطة وحدودها.
تفاعل التشريعات وإعادة البناء الاجتماعي
لا تعمل هذه العناصر التشريعية بمعزلٍ عن بعضها، بل تتكامل لإنتاج آثار اجتماعية وسياسية متداخلة. فعلى مستوى الذاكرة، تُسهم في إنتاج سردية وطنية تتجاوز التجزئة، وتُعطي الاعتراف مكانته في عملية التعافي. وعلى مستوى السلطة، تُعيد توزيع موازين القوة عبر تعزيز دور المؤسسات الرقابية. أمّا على مستوى المستقبل، فإنّها تضع أسسًا قانونية تهدف إلى منع تكرار الانتهاكات، من خلال إعادة تعريف الشرعية السياسية.
تُظهر قراءة المتطلّبات التشريعية لمسار العدالة الانتقالية في سوريا أنّها تتجاوز كونها عملية إصلاح قانوني، لتغدو أداةً لإعادة تشكيل المجتمع والدولة في آنٍ واحد. فالتشريع هنا ليس استجابة تقنية لإرث الانتهاكات، بل جزء من عملية أوسع لإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمواطن، على قاعدة المساءلة، والاعتراف، وسيادة القانون.
وبهذا المعنى، يتحوّل مشروع قانون العدالة الانتقالية وما يمكن أن ينبثق عنه من محاكمَ خاصة من هياكلَ قضائية إلى فضاءاتٍ تُعاد فيها صياغة معنى الدولة ذاتها، ويُعاد تعريف الانتقال بوصفه مسارًا طويل الأمد لإعادة بناء الشرعية، لا مرحلة عابرة لتصفية الماضي.


