مدونات
تُشبه تجربة الفقد إلى حدٍّ كبير تجربة الوشم؛ لون داكن ينغرس في الأعماق، تلسعك حرارته في البداية، ثمّ يهدأ الألم مع مرور الوقت، فتظنّ أنّك تجاوزت وأنّه لم يعد موجودًا، غير أنّ تلك العلامة الداكنة تعود للظهور كلما لامستك ذكرى أو موقف أو كلمة، لتذكرك دون مواربة أنّك موشوم بالفقد إلى الأبد. ومع بقاء هذا الأثر، يتبدّل السؤال من: كيف أتجاوز الحزن؟ إلى سؤالٍ أعمق: كيف نعيش ونحن نحمل معنا كلّ هذا الحزن؟
هذا المقال لا يقدّم وصفات للتعافي، ولا حلولًا سريعة لتجاوز الحزن، بل يدعو إلى التفكير بالحزن كتجربةٍ إنسانية تعيد تشكيل معنى الحياة، لا كعبءٍ يجب التخلّص منه.
الفقد عملية فردية ومستمرة
الفقد لا يُختزل بلحظة الوداع، بل هو عملية تآكل بطيئة نموت فيها تدريجيًّا؛ يموت الفرح، ويتآكل شغفنا بالأشياء التي أحببناها، ثمّ تبدأ ذاكرتنا بالتلاشي حاملة معها لحظات كانت يومًا مصدر قوتنا. ولهذا يُعد الفقد من أعقد الخبرات الإنسانية وأكثرها إرباكا للنفس، ليس لأنّه حدث عاطفي مؤلم، بل لأنّه تجربة وجودية تعيد تشكيل علاقتنا بأنفسنا وبالعالم. ورغم أنّ الخسارة جزء حتمي من الحياة، إلا أنّ معظمنا غير مستعد لمواجهة الحزن. ففي الوقت الذي نتعلّم فيه الإسعافات الأولية للإصابات الجسدية، نفتقر إلى أيّ تدريبٍ مماثل لإسعاف نزيف الروح. فماذا نفعل حين لا تُعطى لنا كيفية تضميد أرواحنا؟ وبأيّ أدوات نبحر في هذا البحر المتقلّب؟
ربما تبدأ الإجابة من الاعتراف بأنّ الحزن تجربة فردية؛ لا توجد تعليمات جاهزة تخبرنا كيف نحزن، ولا جدول زمني يضمن التعافي، فكلّ تجربةٍ فريدة كالبصمة. لا عجب أن يشعر الإنسان بالضياع بعد الفقد، فحتى النماذج النفسية المعروفة لا تُقدَّم كقوالبَ إلزامية، بل كإضاءاتٍ لفهم ما لا يفهم. فالإنكار والغضب والمساومة والاكتئاب والقبول ليست محطات متتابعة بالضرورة، بقدر ما هي حالات تتداخل وتتكرر وتعود. لذا، حين يعود الثقل فجأة بعد لحظات خفة، أو ننهار بعد أمل، لا يعني ذلك فشلًا في التعافي، بل يعني أنّ الحزن بطبيعته موج، ونحن في خضمه غرقى نحاول أن نتنفس. وفي هذا السياق، لا يعود التعافي مرادفًا لاختفاء الحزن، بل فن توزيع الحزن داخل نسيج الحياة ليصبح جزءًا من النبرة التي نغني بها أيامنا.
يصطدم فهمنا الفردي للحزن بواقعٍ اجتماعي يسلّع السعادة كحالةٍ دائمة، ويسلب الفرد حقّه في الغضب والحنين والارتباك. هذه السطحية لا تكتفي بتقديم نصائح ساذجة مثل: تجاوز، انس، اشتر، بل تحوّل الحزن إلى خللٍ يجب إصلاحه. وما تبدو عليه هذه العبارات من بساطة، تخفي في طياتها حقيقة مرعبة: حين يُسلب الحزن حقّه في الوجود، لا يزول، بل يتحوّل إلى طاقةٍ مكبوتة قد تنفجر بطرق مؤذية. ما يحتاجه المتألم، بدلًا من ذلك، أن يُسمع، وأن تُروى قصته، وأن يُحتضن، حتى نمنع تراكم الحزن ونحوّله من قنبلةٍ إلى نداءٍ يمكن سماعه وفهمه، ومن هناك تنبت بذور الإبداع.
الأحزان الكبيرة بكماء ومحرك للإبداع
اختار صناع فيلم Inside Out جعل الحزن محور الفيلم، لأنّهم رأوا فيه وظيفة نفسية واجتماعية؛ فالحزن يوقظ التعاطف، ويربط الناس، ويضيف عمقًا لنمو الشخصية. ومع منح الحزن مكانه واحتوائه بوعي، يبدأ تحوُّل دقيق: حين يصبح الحزن أكبر من القدرة على الكلام، تتجه النفس إلى تحويل الألم إلى شكلٍ يمكن احتماله. تترك صدمة الفقد إحساسًا بالانكشاف، كأنّ المرء صار مرئيًّا حتى النخاع، فينشأ قلق من أن تُرى الثقوب التي خلّفها الفقد، أو أن يتسلل أحد إلى المساحات الهشّة التي نحاول إخفاءها. لذا يختار كثيرون الصمت، لا إنكارًا بل صونًا؛ قشرة تحفظ الجرح حتى يلتئم ببطء. وفي هذا الصمت تتشكّل القصيدة واللوحة واللحن؛ ليس هروبًا من الوجع، بل محاولة لصياغته بحيث يصبح قابلًا للمشاركة والفهم.
عبر التاريخ، كان الحزن المحرك الخفي لأعظم الأعمال الفنية والأدبية، من فان غوخ إلى نيتشه، ومن صوت عبد الحليم إلى أغان تواطأت مع وجع أجيال. لا نمجّد الألم هنا، ولا ندعو للغرق فيه، بل نؤكد حقيقة أنّ الحزن حين يُحتوى بوعي، يتحوّل إلى أثر لا إلى عبء.
إلى من عاد من الفقد حيًّا
أمّا أنت أيها القارئ، إن عدت من الفقد حيًّا، فاعلم أنّ تحويل الألم إلى فنٍ يتطلّب شجاعة من نوع خاص؛ شجاعة أن تسرق من الزمن ما سرقه منك، وشجاعة أن تُقبل على الحياة بجنونٍ كمن عاد من حافة الموت. فلا تخف من شراهتك للحياة، ولا تعتذر عن ضحكتك العالية، ولا تندم على اندفاعك في الحبّ، ولا على جنونك في الاحتفاء بالأشياء الصغيرة. لا تنظر إلى ندوب روحك بخجل، بل كأوسمةٍ حرب قلّدتها لك الحياة تكريمًا على صلابتك وشهادة على صمودك. واسمح للثقوب التي حفرت في روحك أن تتخلّلها أنوارك، فتضيء من حولك.
حين تعشق الحياة بهذه الشجاعة، تحبّها بكل تجاربها ومشاعرها، معترفًا بأنّ الألم والفقد جزءٌ أصيل من تجربة الإنسان، وأنّ مهمة التعبير عنهما بجمال ليست ترفًا، بل فعل مقاومة وحياة في آنٍ واحد.
أمّا أنا، عزيزي القارئ، فبعد سلسلةٍ متتابعة من فقد الأب والأم، فكما قالت روضة الحاج:
أُحبّ الندوب التي زيّنت
وجه قلبي
كرسمٍ قديم
تُذكّرني
كلّما خار عزمي
بأنّي محاربة
واجهت خوفها
وانكساراتها
في شموخٍ عظيم


