اقتصاد
محمد خير قزيها
عاد الحديث عن الخصخصة إلى الواجهة، محاطاً بالكثير من الجدل والتساؤلات. بين مخاوف من تراجع دور الدولة وتوقعات بإصلاح اقتصادي أوسع، يبرز التباس واضح حول ما يجري فعلياً. فهل تعكس السياسات الحالية توجهاً نحو الخصخصة، أم أنّها محاولة لإعادة بناء الاقتصاد بأساليب مختلفة؟ هذا المقال يحاول الاقتراب من الإجابة عبر قراءة المفهوم والواقع معاً.
ما هي الخصخصة؟ وكيف تفسرها النظريات الاقتصادية؟
الخصخصة هي نقل ملكية أو إدارة بعض الأنشطة الاقتصادية من الدولة إلى القطاع الخاص كلياً أو جزئياً، بهدف تحسين الكفاءة والأداء مع احتفاظ الدولة بدور التنظيم والرقابة. تقوم فكرة الخصخصة في أساسها على نقاشٍ اقتصادي قديم يتمحور حول سؤال بسيط في شكله، لكنّه عميق في مضمونه: هل تدير الدولة النشاط الاقتصادي بكفاءةٍ أفضل، أم أنّ السوق والقطاع الخاص أكثر قدرة على ذلك؟ هذا السؤال لم يُجب عنه باتفاق واحد، بل أفرز عدة نظريات اقتصادية حاولت تفسير دور كلّ من الدولة والسوق في الاقتصاد.
وفق المدارس الليبرالية وامتداداتها الحديثة، تقوم نظرية كفاءة السوق على فكرة أنّ السوق، عندما يعمل في بيئة تنافسية، يملك آلية داخلية تدفع الشركات إلى تحسين أدائها تلقائياً. فالشركة الخاصة التي تبحث عن الربح مضطرة إلى تخفيض التكاليف وتحسين الجودة والاستجابة لحاجات المستهلك، لأنّ أيّ تقصير ينعكس مباشرة على أرباحها واستمرارها في السوق.
ومن هذا المنطلق، يرى أنصار هذه النظرية أنّ المنافسة تقوم بالدور الذي تحاول الدولة القيام به عبر الرقابة المباشرة ولكن بطريقةٍ أكثر مرونة وفعالية. في المقابل، تُنتقد الشركات العامة في هذا الإطار لأنّها لا تعمل بالمنطق نفسه. فهي غالباً لا تواجه خطر الإفلاس، كما أنّ خسائرها تُغطى من الموازنة العامة.
يشرح الاقتصاديون هذا الخلل من خلال نظرية الوكيل (Agent Theory)، التي تفترض وجود فجوة بين من يملك المؤسسة (الدولة والمجتمع) ومن يديرها فعلياً (الإدارة). فمديرو الشركات العامة لا يتحملون شخصياً نتائج الخسارة، ولا يستفيدون مباشرة من الأرباح، ما يقلّل من الحوافز لتحسين الأداء أو تقليل الهدر.
وتضيف نظرية الاختيار العام (Public Choice Theory) بُعداً سياسياً إلى هذا التحليل، إذ تفترض أنّ القرارات الاقتصادية في القطاع العام لا تُتخذ دائماً بناءً على الكفاءة، بل قد تتأثر بالاعتبارات السياسية أو الضغوط الإدارية أو السعي إلى إرضاء فئات معينة، ما يؤدي أحياناً إلى استمرار مؤسسات خاسرة أو متضخمة رغم ضعف أدائها الاقتصادي.
لكن في المقابل، لا ترى جميع النظريات أنّ السوق قادرٌ على حل كلّ المشكلات. فبحسب نظرية فشل السوق، قد يؤدي غياب تدخل الدولة إلى نتائج سلبية مثل الاحتكار وارتفاع الأسعار أو تراجع جودة الخدمات، خاصة في القطاعات التي لا تتوافر فيها منافسة حقيقية. كما أنّ القطاع الخاص، بطبيعته، يركز على الربحية، وقد لا يهتم بالاستثمار في مجالات لا تحقق أرباحاً سريعة، رغم أهميتها للمجتمع، مثل بعض الخدمات العامة أو البنية التحتية.
من هنا، تؤكد النظرية الكينزية على ضرورة تدخل الدولة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، خاصة في أوقات الأزمات ولحماية الفئات الضعيفة من تقلبات السوق. أمّا المدرسة المؤسسية، فترى أنّ نجاح أيّ سياسة اقتصادية سواء كانت خصخصة أو تدخلاً مباشراً، لا يعتمد فقط على الفكرة بحد ذاتها، بل على قوة القوانين والمؤسسات التي تطبقها. فضعف القواعد والرقابة قد يحوّل الخصخصة إلى احتكار خاص بدل احتكار عام.
انطلاقاً من هذا الجدل، لم تُطرح الخصخصة في الاقتصاد الحديث كعقيدةٍ ثابتة أو هدف بحد ذاته، بل أداة من أدوات السياسة الاقتصادية، تُستخدم عندما تعجز الدولة عن الإدارة الكفؤة، أو عندما يكون القطاع الخاص أكثر قدرة على التشغيل، شرط أن يتم ذلك ضمن إطار تنظيمي واضح يضمن المصلحة العامة. ولهذا السبب، تختلف نتائج الخصخصة من دولةٍ إلى أخرى، ومن قطاعٍ إلى آخر، تبعاً للظروف الاقتصادية وطبيعة المؤسسات ودور الدولة في التنظيم والرقابة.
هل الخصخصة تعني انسحاب الدولة من الاقتصاد؟
من أكثر الأفكار الشائعة حول الخصخصة أنّها تعني انسحاب الدولة الكامل من الاقتصاد وترك السوق يعمل دون ضوابط. إلا أنّ هذه الصورة مبسطة إلى حد كبير، ولا تعكس واقع التجارب الاقتصادية الحديثة. فالنقاش اليوم لم يعد يدور حول وجود الدولة أو غيابها، بل حول شكل دورها وحدوده.
في النماذج الاقتصادية التقليدية، كانت الدولة تقوم بدورين في آنٍ واحد: الملكية والتشغيل من جهة، والتنظيم والرقابة من جهةٍ أخرى. لكن مع تطور الاقتصاد وتعقّد الأسواق، بدأ الاتجاه نحو الفصل بين هذين الدورين، بحيث تتراجع الدولة عن التشغيل المباشر لبعض الأنشطة مع احتفاظها بدورٍ قوي في التنظيم ووضع القواعد ومراقبة الأداء.
الخصخصة بهذا المعنى، لا تعني التخلي عن المسؤولية العامة، بل إعادة توزيع للأدوار. فالدولة التي لا تدير مصنعاً أو شركة، تبقى مسؤولة عن حماية المستهلك وضمان المنافسة ومنع الاحتكار والحفاظ على الأسعار العادلة وجودة الخدمات. وفي كثيرٍ من الدول، أدى هذا التحوُّل إلى تعزيز الدور الرقابي للدولة بدل إضعافه.
في المقابل، يُظهر الواقع أنّ تدخل الدولة يظلّ ضرورياً في قطاعاتٍ معينة، خاصة تلك المرتبطة بالأمن الاقتصادي أو الاجتماعي، مثل الطاقة والنقل والتعليم والصحة. ففي هذه المجالات، قد لا يحقق السوق وحده التوازن المطلوب، وقد يؤدي غياب الدولة إلى إقصاء شرائح واسعة من المجتمع عن الخدمات الأساسية. لذلك، لا تُقاس كفاءة السياسات الاقتصادية بمدى توسع الخصخصة أو تراجعها، بل بقدرة الدولة على تحقيق توازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
فالدولة القوية ليست بالضرورة الدولة الأكبر حجماً، بل الدولة القادرة على اختيار متى تتدخل ومتى تترك المجال للمبادرة الخاصة وكيف تضمن أن يخدم النشاط الاقتصادي المصلحة العامة. من هنا، يمكن القول إنّ الخصخصة لا تشكّل نقيضاً لدور الدولة، بل قد تكون في بعض الحالات وسيلة لإعادة تعريف هذا الدور من دولة تدير كلّ شيء إلى دولةٍ تنظّم وتشرف وتضمن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ماذا يحدث في سوريا اليوم؟
في ضوء التصريحات الحكومية الأخيرة، يبدو أنّ النقاش حول الخصخصة في سوريا يحتاج إلى قدرٍ أكبر من الدقة. فقد أشار وزير المالية محمد يسر برنية، في مقابلةٍ على منصة سوريا الآن، إلى أنّ الحكومة لا تسعى إلى مزاحمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، بل ترى أنّ دورها الأساسي يتمثل في التنظيم، وإصلاح التشريعات والقوانين والنظم وخلق بيئة مواتية لنمو القطاع الخاص.
وأكد الوزير أنّ التوجه الاقتصادي الحالي ليس أيديولوجياً، ولا يقوم على تبني نموذج اقتصادي محدّد، بل يهدف بالدرجة الأولى إلى تحقيق نتائج عملية، في مقدمتها خلق فرص عمل جديدة ورفع تنافسية الشركات وتعزيز مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.
وفي هذا الإطار، أوضح برنية أن الحكومة تعمل على إصلاح شامل للقطاع العام بدل التوجه إلى خصخصته. إذ يجري العمل على مقترح قانون لتحويل الشركات العامة إلى شركاتٍ مساهمة، تتمتع بمجالس إدارة مستقلة وبيانات مالية مدققة وإدارات تعتمد على الكفاءة والخبرة مع تعزيز معايير الشفافية والمساءلة.
وفق هذا التوجه، ستخضع الشركات العامة لتقييم شامل عبر دراسات متخصصة، ليُحدد مصير كلّ شركة على حدة، كإدراج بعضها في السوق المالية أو دمج شركات أخرى أو تصفية الشركات غير القابلة للإصلاح، بهدف تحويل القطاع العام من عبءٍ مالي إلى قطاع منتج يحقق عائدات مستدامة.
ويُعدّ قطاع الاتصالات مثالاً عملياً على هذا التوجه، وهو ما أشار إليه وزير المالية أيضاً، موضحاً أنّ الشركة السورية للاتصالات خضعت لإعادة هيكلة إدارية جرى خلالها تغيير مجلس إدارتها ليصبح مجلساً مستقلاً يضم خبرات من داخل سوريا وخارجها، مع التوجه لتعيين رئيس تنفيذي محترف لإدارة الشركة وفق معايير الكفاءة والربحية.
ويهدف هذا النموذج إلى تحويل الشركة إلى كيانٍ رابح ومنتج، قادر على التوسع وخلق فرص عمل أكثر ممّا كان عليه سابقاً، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في ظلّ وجود أكثر من 300 شركة عامة تعاني بدرجاتٍ متفاوتة من ضعف الأداء وتراجع الكفاءة. من جهته، أكد وزير الاقتصاد نضال الشعار، في لقاء خاص نظّمه مجلس الأعمال السوري التركي في إسطنبول، أنّ الحكومة تتبنّى سياسة “اقتصاد مفتوح وحر بتوازنات”، نافياً وجود توجه نحو الخصخصة كما يُشاع. وأوضح أنّ التركيز ينصبّ على بناء شراكات حقيقية مع القطاع الخاص، بما يدعم عملية إعادة الإعمار ويساهم في إيجاد فرص عمل لا سيّما لفئة الشباب التي تواجه تحديات كبيرة في التعليم والتأهيل المهني.
انطلاقاً من هذه المعطيات، يمكن القول إنّ ما يجري في سوريا لا يندرج ضمن خصخصة شاملة أو انسحاب للدولة من الاقتصاد، بل ضمن محاولة لإعادة تعريف دورها الاقتصادي: من دولة تُشغّل وتدير بشكل مباشر، إلى دولة تنظّم وتُشرف وتخلق بيئة تمكّن القطاعين العام والخاص من العمل بكفاءةٍ أكبر. ويبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بمدى ترجمة هذه التوجهات إلى تشريعاتٍ واضحة وسياسات فعّالة وتنفيذ شفاف على أرض الواقع.


