مدونات

قسد.. وهم “الانفصال” وواقعية “بناء الجسور”

يناير 21, 2026

قسد.. وهم “الانفصال” وواقعية “بناء الجسور”

أسامة أحمد نزار صالح

تقول الحكمة: “إنّ البطش والقهر لا يمكن أن يشكلا قاعدةً لاستقرارٍ طويل”، وتقول التجارب: “إنّ التعايش بين المختلفين ليس مهمةً سهلةً في مجتمع أفراد يتحسسون دوماً نسبتهم السكانية”. هنا، لا بدّ من تقديم التنازلات لبناء الجسور والعبور إلى زمن “الدولة الطبيعية”، ولكن.. على عاتق من يقع تقديم التنازلات وبناء الجسور؟ هل هي الحكومة، أم فصيل ممثل لجماعة قلقة لا ترى ضماناً إلا في سلاحها، وتحاول دوماً فتح نوافذ لعلاقات خارجية مشبوهة؟

في سوريا، الإرث أكثر من ثقيل؛ فهي لم تكن دولةً طبيعيةً في العقود الماضية، بل كانت دولةً تعيش في ظلّ دكتاتور يديرها عبر أجهزة استخباراتية. ورث الأسد الابن الحكم، وأكملت في عهده الأجهزة التهام مؤسسات الدولة والحزب، وتعمق الخوف من التعبير عن المطالب لدى المكونات، وفي مقدمتهم الكرد، فتنامى وتربص الغضب لديهم.

لم تسأل الدول العظمى الأكراد عن تطلعاتهم عندما رسمت خرائط دول تركيا وإيران والعراق وسوريا، بل رسمت الخرائط على قاعدة “تقاسم النفوذ”، وأطاحت بوعودها للكرد في “اتفاقية سيفر 1920” بموجب “معاهدة لوزان 1923″، وحوّلتهم إلى أقليات في أنظمة تلك الدول التي لم تحقّق اندماج الأكراد، كما لم تحقّق الاعتراف باختلافهم. ومع المحاولات القسرية لـ “التتريك والتفريس والتعريب”، تضاعفت كمية التوتر لدى الأكراد، وأصبحوا ينتظرون الفرصة المناسبة لـ “القفز من خرائط” تلك الدول.

كانت الفرصة التاريخية مع سقوط نظام صدام حسين عام 2003؛ حيث قفز الأكراد من خريطة العراق وحصلوا على إقليم يطمئنهم. هذا الإقليم ما كان ليولد دستورياً لولا التقاء المصالح الأمريكية والإيرانية في أولوية التخلص من نظام صدام، الذي كان الأكراد معبراً إلزامياً لإسقاطه.

إنّ هذه “القفزة” غير قابلة للتكرار في الخارطة السورية؛ فتفكيك الخرائط لضمان تواصل الأكراد جغرافياً يمكن أن يولد حروباً طويلةً أكبر من قدرة الأكراد على توظيفها لخدمة تطلعاتهم. صحيح أنّ “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) وُلدت من رحم مواجهة شرسة مع تنظيم “داعش” برعايةٍ أمريكية، إلا أنّها لم تكن صاحبة أيّ دورٍ في سقوط نظام الأسد الابن لتحجز لنفسها حصة “الشريك الممتاز” في سوريا ما بعد الأسد. كما لا يمكن للرئيس الشرع توزيع سوريا على بعض مكوناتها؛ فالفدرالية التي تطالب بها “قسد” تطرح مواضيع علويي الساحل ودروز السويداء، بالإضافة إلى أنّ إغلاق المسرح السوري أمام الأدوار الإقليمية لا يمكن أن يتم مع غياب مركزية دمشق.

أعود لسؤالي: على من يقع عاتق تقديم التنازلات وبناء الجسور؟

قيادة “قسد”، ممثّلةً بالجنرال مظلوم عبدي ورفاقه، أصرت على “القفز من الخارطة السورية” ولم تتنازل لتكتفي بسلوك طريق “الواقعية” والمطالبة بتحسين ظروف الأكراد داخل سورية الموحّدة. كان على الجنرال عبدي أن يعي أن تفكيك “محور الممانعة” وإبعاد إيران عن الخارطة السورية هو مطلب أمريكي يتقدّم على التحالف مع “قسد” الذي فرضته ظروف لم تعد موجودةً. كان عليه أن يفكّر ملياً أمام صورة الرئيس الشرع مع الرئيس ترامب في البيت الأبيض، وكان عليه أن يقرأ قرار الإدارة الأمريكية إلغاء “قانون قيصر”، ويفهم معنى خروج سوريا من الشق العسكري للصراع مع “إسرائيل”، قبل أن يتمسك بخيار القفز من الخارطة السورية.

في المقابل، فهم الرئيس الشرع المعادلة كما فهم ميزان القوى، وانتصر على “قسد” ببناء الجسور عبر إحراز النقاط؛ من التهدئة بعد اتفاق آذار، إلى التفكيك السياسي والاجتماعي لـ “قسد” عبر مرسوم رئاسي بخصوص حقوق المواطنين الأكراد، وصولاً إلى منع الدعم الخارجي عبر إظهار البراغماتية في التعامل مع المعطيات.

قد يكون الجواب بأنّ السوريين يريدون “الدولة الطبيعية”؛ فالأكثرية تريد العبور إلى دولةٍ يعني وجودها ترسيخ المؤسسات، ومحاربة الفساد، وتنفيذ خطط التنمية، وطمأنة المكونات الخائفة.

شارك

مقالات ذات صلة